بينما يتبارى محللو الطاقة في التنبؤ بقفزات فلكية لأسعار النفط نحو عتبة المئتي دولار للبرميل، جاءت التطورات الدبلوماسية الأخيرة لتصعق الأسواق وتفرض واقعاً معاكساً تماماً.
ففي غضون أيام معدودة من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم تاريخية -برعاية باكستانية وقطرية مشتركة- أنهت صراعاً مريراً امتد لأربعة أشهر، هوت أسعار خام "برنت" القياسي بنحو 43% من ذروتها المسجلة في مارس عند حوالي 126 دولارًا.
وبهذا محا النفط كل المكاسب المسجلة منذ اندلاع الأزمة في فبراير لتتداول العقود الآجلة الخميس عند مستويات 72 دولاراً، وأبدى المتداولون استعدادهم لدفع المزيد مقابل النفط الذي سيتم تسليمه لاحقًا هذا العام، في مؤشر قوي على توقعات حدوث فائض في المعروض على المدى القصير.
يأتي هذا بعدما غادرت 31 ناقلة نفط الخليج أمس الأربعاء، بزيادة تقارب 50% عن اليوم السابق، وفقًا لبيانات تتبّع السفن من شركة "ويندوارد"، فماذا يعني هذا الانهيار الدراماتيكي؟
لماذا تراجعت أسعار النفط فجأة بعد توقيع اتفاق واشنطن وطهران؟
أدى التوقيع على مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب في 17 يونيو إلى إعادة الفتح الفوري لمضيق هرمز وتبدد مخاوف الإمدادات.
الاتفاق يضمن عبوراً آمناً، وخالياً من أي رسوم أو تهديدات عسكرية طوال فترة المفاوضات البالغة 60 يوماً، للمضيق الذي يمثل الممر اللوجستي الأهم عالمياً بتدفقات تبلغ نحو 20 مليون برميل يومياً تعادل 20% من الاستهلاك العالمي.
لماذا تسارعت تصفية المراكز الشرائية للمستثمرين في السوق الآجلة؟
تسبب التوصل إلى سيناريو "السلام السريع" في خفض مراكز المراهنة على ارتفاع أسعار برنت بنسبة 80%.
تلاشي فقاعة الأسعار الجيوسياسية دفع بصناديق التحوط لتصفية سريعة لمراكزها وتجنب الخسائر في سوق هابطة.
كيف أثرت تداعيات الحرب على نمو الطلب العالمي لعام 2026؟
أدى ارتفاع أسعار الوقود، وانخفاض توافره، والمبادرات الحكومية لتقليص الاستهلاك إلى انخفاض الطلب على النفط، ما دفع بإدارة معلومات الطاقة الأمريكية لتوقع انخفاض الطلب العالمي بمقدار 1.1 مليون برميل يوميًا خلال عام 2026، مقارنةً بـ 104 ملايين برميل يوميًا في عام 2025.
بعد تراجع عمليات التسليم في الربع الثاني بمقدار 5 ملايين برميل يوميًا على أساس سنوي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات توافر المنتجات، توقعت وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب العالمي بواقع 1.1 مليون برميل يومياً في 2026 مقارنة بالعام السابق.
كيف ساهمت الإعفاءات النفطية الأمريكية لإيران في زيادة المعروض؟
سمحت وزارة الخزانة الأمريكية لإيران بتصدير النفط خلال الهدنة المتفق عليها وتلقي المدفوعات بالدولار.
يأتي هذا عقب انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" في الأول من مايو لتركز على خططها التوسعية ومشاريعها النفطية المستقلة.
ما هي آثار الأزمة الجيوسياسية على مخزونات النفط الاستراتيجية العالمية؟
انخفضت المخزونات النفطية لحكومات منظمة التعاون الاقتصادي بمقدار 163 مليون برميل (1.8 مليون برميل يوميًا) منذ بداية الحرب، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ ديسمبر 1990.
تراجعت مخزونات النفط الخام في مركز "كوشينج" الأمريكي إلى ما دون 25 مليون برميل، لتقترب من الحد الأدنى اللازم للعمليات التشغيلية في المنشأة التي تمثل نقطة التسليم الأساسية لتسعير العقود الآجلة لخام "نايمكس".
لماذا يلوح شبح فائض المعروض النفطي في الأفق لعام 2027؟
تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع المعروض العالمي بمقدار 8 ملايين برميل يوميًا ليصل إلى 110.3 مليون برميل يوميًا في عام 2027.
سيتجاوز ذلك بكثير النمو المتواضع المتوقع منها للطلب العالمي، والبالغ مليوني برميل يوميًا في عام 2027.
ما هو دور الإنتاج الأمريكي في الحد من القفزات الجنونية للأسعار؟
وفقًا لتوقعاتها قصيرة الأجل الصادرة في يونيو، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن يبلغ متوسط إنتاج النفط الخام الأمريكي، 13.72 مليون برميل يوميًا في عام 2026 و14.15 مليون برميل يوميًا في عام 2027.
أدت اضطرابات مضيق هرمز إلى زيادة الطلب على الإمدادات الأمريكية، ما رفع صافي صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والمنتجات البترولية في أبريل إلى مستوى قياسي بلغ 5.8 مليون برميل يوميًا، مع بقاء صافي صادرات مايو قريبًا من هذا المستوى.
ما تأثير الأوضاع المالية للعراق وطلبات زيادة حصته داخل "أوبك+"؟
قال مسؤول في وزارة النفط العراقية لـ"رويترز" إن بلاده ستضطر إلى دراسة جميع الخيارات المتاحة إذا لم تُرفع حصتها في "أوبك" بشكل ملحوظ.
أضاف المصدر أن العراق يمر بأزمة مالية حادة في أعقاب الحرب مع إيران، وأن زيادة حصته في المنظمة بشكل كبير أمر لا بد منه ويجب التعامل معه بأقصى درجات الجدية.
انتقلت السوق من حالة "الباكورديشن" -حيث يكون سعر السوق الفوري أعلى من أسعار العقود الآجلة- أثناء الحرب إلى هيكل "الكونتانجو" الهبوطي الداعم لانخفاض الأسعار الفورية، ويحفز الهيكل الجديد التجار على تخزين النفط بدلاً من بيعه الفوري نظراً لزيادة المعروض اللوجستي الفعلي.
على أية حال، من المتوقع أن تستأنف شحنات النفط عبر المضيق في الربع الثالث من عام 2026، إلا أن الأمر سيستغرق على الأرجح عدة أشهر للعودة إلى مستويات ما قبل النزاع، بسبب تعقيدات دبلوماسية أو عمليات إزالة الألغام البحرية.
وتثبت التغيرات الأخيرة في أسواق النفط العالمية أن قوى العرض والطلب الأساسية تظل المهيمنة على المدى المتوسط، بينما تقتصر الصدمات الجيوسياسية على تفجير فقاعات سعرية مؤقتة سرعان ما تنحسر مع أولى بوادر الحلول الدبلوماسية.
فهل يتخلى المستثمرون عن استراتيجيات الدفاع والهلع، في مقابل التركيز على أساسيات الاقتصاد الكلي ومؤشرات التباطؤ الإنتاجي في الصين والولايات المتحدة؟
Loading ads...
المصادر: أرقام - إدارة معلومات الطاقة الأمريكية - وكالة الطاقة الدولية - وول ستريت جورنال - فاينانشال تايمز - ذا جارديان – رويترز - وود ماكنزي - ستون إكس - فيرست بوست – ريج زون - إنفستينج نيوز - إندكس بوكس - إنرجيز ميديا
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





