12 أيام
ما "الكوثر" ومن "الأبتر"؟… تفاسير قد تغيّر قراءتنا للسورة - رصيف22
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

يضم القرآن الكريم العديد من الآيات التي جاءت كمواساة للنبي عليه السلام، أو تخفيفاً عن حزنه، أو لترسيخ الطمأنينة في نفسه، في أوقات الشدة التي مر بها خلال فترة الدعوة، مثل مواساته بعد تكذيب قريش له وحزنه عليهم، كما: "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (سورة الشعراء، 3)، أو للتثبيت في مواجهة الاتهامات التي حاولوا أن يلصقوها به "وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (سورة يونس، 65).
ولكن لسورة الكوثر مكانة مختلفة على الرغم من أنها أقصر سور القرآن الكريم، فهي جاءت كـ"بلسم" إلهي وتعزية رقيقة للرسول في أشد لحظات الحزن التي مر بها.
عند الرجوع إلى أقدم كتب أسباب النزول، أي "أسباب النزول" للواحدي النيسابوري (ت. 468هـ) نجد أن سورة الكوثر نزلت بعد وفاة عبد الله، ابن النبي من السيدة خديجة، وبدأت قريش، وبالتحديد العاص بن وائل السَّهْمي، وصفَ النبي بـ"الأبتر"، وهو لقب كان العرب يطلقونه على من مات أولاده الذكور، فأنزل الله السورة، تعزيةً للنبي.
بينما ذكر الجلال السيوطي (ت. 911هـ) في كتابه "لباب النقول في أسباب النزول"، أن السورة نزلت بعد وفاة إبراهيم بن رسول الله: "وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال بلغني أن إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم لما مات قالت قريش أصبح محمد أبتر فغاظه ذلك، فنزلت إنا أعطيناك الكوثر تعزية له".
ويمكن الجمع بين الروايتين، فبعد وفاة أبناء الرسول، عبد الله من زوجته خديجة، ثم إبراهيم من مارية القبطية، بدأت قريش بمعايرة النبي بوفاة أولاده الذكور، وهي رواية نجدها في تفسير ابن كثير (ت. 774هـ): "وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل، قالوا: بتر، فلما مات أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: بتر محمد، فأنزل الله: 'إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ'".
وعلى الرغم من وضوح معنى الأبتر من السياق التاريخي للأحداث التي أدت إلى نزول الوحي بسورة الكوثر، إلا أن البحث عن معنى الكلمة في معاجم اللغة العربية، سيقوي وجهة نظرنا في نهاية هذا المقال.
فعند فحص مادة "ب ت ر" في معجم لسان العرب لابن منظور (ت 711هـ) نجد أنه يقول عن الأَبْتَرُ: "الذي لا عَقِبَ له، وبه فُسِّرَ قولهُ تعالى: 'إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ' فقال الله جل ثناؤه: إِن شانئك يا محمد هو الأَبتر أَي المنقطع العقب". أما في "القاموس المحيط" للفيروزآبادى (ت. 817هـ) فيقول عن الأبتر: "المَقْطوعُ الذَّنَب".
أما في اللغة فالكوثر هو الخير الكثير، هكذا قال ابن منظور في "لسان العرب"، وهكذا قال القرطبي في تفسيره المسمى "الجامع لأحكام القرآن: "والعرب تسمي كل شيء كثيرٍ في العدد والقدر كوثراً". أما اصطلاحاً فهنا يكمن الخلاف بين أهل التفسير؛ فالتفسير الأشهر للمقصود بالكوثر هو نهر من أنهار الجنة، وذكر الطبري في تفسيره "جامع البيان" روايات مختلفة عن السيدة عائشة وعن ابن عباس وعن أنس بن مالك وعن مجاهد، منها: "عن ابن عباس: 'إنَّا أعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ'، قال: نهر أعطاه الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الجنة".
وأما وصف ذلك النهر فيورد الطبري حديثاً للنبي عن أنس بن مالك يقول: "قال رسول الله دَخَلْتُ الجَنَّة، فَإذَا أنا بِنَهْرٍ حافَتاهُ خِيامُ اللُّؤْلُؤِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إلى ما يَجْرِي فِيهِ، فإذَا مِسْكٌ أذْفَرُ قال: قُلْتُ: ما هَذَا يا جبريلُ؟ قال: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَهُ اللّهُ". بينما أضاف البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" بالإضافة إلى روايات النهر، روايات أخرى تقول أنه حوض من أحواض الجنة: "قال عبد الله بن عمرو: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'حوضي مسيرة شهرٍ، ماؤه أبيض من اللَّبَن، وريحه أطيب من المسك، وكِيزانُه كنجوم السماء، من يشرب منها لم يظمأ أبداً'".
وهكذا قال عدد كثير من المفسرين أن المقصود بالكوثر هو نهر أو حوض في الجنة، مثل الفيروزآبادي في تفسيره، وابن عطية في "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"، والنسفي في "مدارك التنزيل وحقائق التأويل".
أما التفاسير الشيعية، فهناك من حذا حذو تفاسير أهل السنة، ومن بينهم القمي (القرن الرابع الهجري) والذي قال أن الكوثر: "نهر في الجنة أعطى الله محمداً عوضاً عن ابنه إبراهيم". وذكر الطوسي (ت. 460هـ) في تفسيره المسمى "التبيان الجامع لعلوم القرآن" روايات متعددة عن السيدة عائشة، وعبد الله بن عمر وابن عباس، التي تؤكد إما أنه نهر في الجنة أو حوض للنبي في الجنة. بينما هناك من قدم تفسيراً مختلفاً مثل الطبرسي (ت. 548هـ) في "مجمع البيان في تفسير القرآن"، فبعد ذكره لروايات النهر والحوض يقول: "وقيل: هو كثرة النسل والذرية وقد ظهرت الكثرة في نسله من ولد فاطمة (ع) حتى لا يحصى عددهم واتصل إلى يوم القيامة مددهم".
وذكر ذلك أيضاً مفسر شيعي آخر وهو الطباطبائي (ت. 1401هـ)، حيث يقول في كتابه "الميزان في تفسير القرآن" عند الآية "إن شانئك هو الأبتر": "وظاهر الأبتر المنقطع نسله. إن كثرة ذريته صلى الله عليه وآله وسلم هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أُعطيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو المراد بها الخير الكثير وكثرة الذرية مرادة في ضمن الخير الكثير ولولا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: 'إن شانئك هو الأبتر' خالياً عن الفائدة".
وفي موضع آخر يضيف الطباطبائي قائلاً: "والجملة لا تخلو من دلالة على أن ولد فاطمة عليها السلام ذريته صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا في نفسه من ملاحم القرآن الكريم، فقد كثر الله تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر مع ما نزل عليهم من النوائب وأفنى جموعهم من المقاتل الذريعة".
أخذتنا كتب التفاسير في رحلة بعيدة جداً إلى الجنة وأنهارها، ولكن هل قد يبدو المقصود أبسط من ذلك وأكثر قرباً من الواقع البشري، حيث الفقد، والشماتة، ثم العزاء؟ أورد الترمذي في سُننه (أو جامع الترمذي)، وهو أحد كتب الحديث الستة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، حديثاً عن أبو هريرة: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله لي الوسيلة، قالوا : يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال : أعلى درجة من الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، أرجو أن أكون أنا هو".
من المعلوم أن الأنبياء في أعلى درجات الجنة، فهل يمكننا أن نقول أن نبياً من الأنبياء يعلم علم اليقين له مكانة خاصة في الجنة، سيكون له نهر من أنهار الجنة كتعويض عن فجيعة فقد أبنائه في الدنيا؟ ولو سلمنا بهذه الفرضية، عند وضع هذه المكافأة، كتعويض له عن فقده لأبنائه المتوفّين، نرى أن التعويض غير مرتبط بالفقد الذي تعرض له النبي محمد. ولكن لو أخذنا بعين الاعتبار معنى الأبتر، وأسباب نزول الآية، مع أخذنا بالتفاسير التي قالت أن الكوثر هو نسل النبي الممتد المستمر حتى قيام الساعة، سنرى أن التعويض من نفس جنس الفقد.
وكأن الله يقول لنبيه، يا محمد، فقدت أبناءك، ولكن نسلك سيظل ممتداً غير منقطع، عكس ما يقوله هؤلاء الذين وصفوك بالأبتر، بل هم من سينقطع نسلهم ولن يتذكرهم أحد. وللرازي (ت. 606هـ) في تفسيره "مفاتيح الغيب" تعليق على ذلك، مقترباً من التفاسير الشيعية، حيث يقول بعد أن أورد اختلاف المفسرين في معنى الكوثر: "والقول الثالث: الكوثر أولاده، قالوا لأن هذه السورة إنما نزلت رداً على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية".
Loading ads...
وبنفس السياق اختصر البيضاوي (ت. 685هـ) في كتابه "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، حيث يقول: "'هُوَ ٱلأَبْتَرُ' الذي لا عقب له إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





