يُعدّ إدمان الألعاب الإلكترونية اضطراباً سلوكياً يتجاوز مجرد الحماس للعب، حين يتحول إلى ملاذ للهروب من المشاعر الصعبة وتلبية احتياجات عاطفية واجتماعية. ويستدعي ذلك تدخلاً من الوالدين لفهم أسبابه وتطبيق قواعد واضحة لإعادة التوازن لحياة الطفل أو المراهق. د. روبيرتا فيديلي - الأخصائية النفسية في مركز BPS للصحة النفسية تتحدث عن إدمان الألعاب الإلكترونية ، وكيفية حماية أطفالنا منه.
النقطة الأساسية ليست تحديد عدد معين من الساعات يصبح بعده اللعب مرضيًا تلقائيًا. ما يهم أكثر هو الوظيفة التي تبدأ الألعاب الإلكترونية في شغلها داخل حياة الطفل أو المراهق.
يصبح اللعب مقلقًا عندما لا يعود مصدرًا للاستمتاع بالدرجة الأولى، بل يتحول تدريجيًا إلى ملاذ أو هروب أو وسيلة لتجنب الملل أو الإحباط أو الوحدة أو غيرها من المشاعر الصعبة. لذلك، بدل أن نسأل فقط: "كم ساعة يلعب طفلي؟"، أعتقد أن السؤال الأكثر فائدة هو: "عمّ يبحث طفلي خلال تلك الساعات؟"
إدمان الألعاب الإلكترونية : علامات تحذيرية يغفلها الأهل
قد تشمل العلامات التحذيرية سرعة الانفعال أو ردود الفعل القوية عند إيقاف اللعب، وزيادة العزلة، وفقدان الاهتمام بأنشطة أخرى، وتغير أنماط النوم، واللعب طوال الليل، وتراجع الأداء المدرسي.
وهناك علامة مهمة أخرى، وهي أن تصبح الألعاب الإلكترونية البيئة الأساسية أو الوحيدة التي يشعر فيها الطفل أو المراهق بالكفاءة أو التقدير أو السيطرة أو الاندماج، بينما تفقد مجالات أخرى من الحياة أهميتها تدريجيًا. لذلك، لا ينبغي شيطنة الألعاب نفسها، بل فهم الوظيفة التي تؤديها وما قد تبدأ تدريجيًا في استبداله داخل حياة الطفل أو المراهق.
غالبًا لا تكون المشكلة في الألعاب نفسها، بل فيما يكتشفه الأطفال واليافعون في العالم الافتراضي وقد يجدون صعوبة في العثور عليه في الحياة الواقعية. فقد توفر الألعاب شعورًا فوريًا بالكفاءة والسيطرة والاعتراف والانتماء أو القبول.
وفي كثير من الأحيان، يمكن أن يحل استخدام الأجهزة محل تجارب التواصل الإنساني ذات المعنى، تمامًا كما يحدث في أشكال أخرى من الاعتماد. ويمكن لمشهد شائع في المطاعم أن يوضح ذلك: كثيرًا ما ينشغل الأطفال بالهواتف أو الأجهزة اللوحية بدل الحديث أو اللعب أو التفاعل مع والديهم، بينما قد يكون البالغون منخرطين في الحديث أو مشتتين بأجهزتهم الخاصة. في هذه المواقف، لا يؤدي الجهاز دور الترفيه فقط؛ بل يشغل مساحة كان يمكن أن تدعم تفاعلًا علاقاتيًا.
لا يوجد سبب واحد كامن وراء الاستخدام الإشكالي للألعاب أو إدمان الألعاب الإلكترونية ، ولا يشير ذلك بالضرورة إلى عائلة مضطربة أو اضطراب نفسي. ما يهم هو فهم الاحتياجات العاطفية أو الاجتماعية التي يلبيها العالَم الافتراضي لطفل أو لمراهق بعينه، خصوصًا عندما يصبح من الصعب إشباع هذه الاحتياجات في الحياة الواقعية.
تنشّط ألعاب الفيديو نظام المكافأة في الدماغ، حيث يؤدي الدوبامين دورًا مهمًا في التحفيز والسعي إلى المكافأة. ويمكن للمكافآت المتكررة والفورية أن تجعل الألعاب جذابة بشكل خاص للأطفال والمراهقين، الذين ما زالت قدراتهم على التنظيم الذاتي في طور النمو.
وعندما تبدأ الألعاب في شغل ساعات طويلة وتتداخل مع النوم أو النشاط البدني أو العلاقات أو الحياة اليومية، قد نرى زيادة في سرعة الانفعال والقلق وصعوبات التركيز. لكن من المهم ألا نختزل هذه العملية بصورة مبسّطة: فالدوبامين بحد ذاته لا "يسبب" الإدمان. كما يمكن أن تكون العلاقة ثنائية الاتجاه، إذ قد يلجأ الأطفال أو المراهقون الذين يعانونَ أصلًا من القلق أو الهشاشة العاطفية إلى الألعاب كوسيلة لتنظيم الحالات العاطفية الصعبة أو الهروب منها.
أخذ الجهاز فجأة، خصوصًا عندما يكون الطفل قد استخدَمه بشكل مفرط، قد يثير الغضب والإحباط لديه ويؤدي إلى ردود فعل قوية. لذلك من الأفضل وضع حدود واضحة يمكن التنبؤ بها، وتقليل وقت الشاشة تدريجيًا، والاتفاق مسبقًا على موعد بدء اللعب وموعد انتهائه.
لكن الأمر المهم بالقدر نفسه هو ألا نكتفي بأخذ شيء ما من الطفل، بل أن نعيد إدخال العلاقات والأنشطة والتجارب المشتركة التي يمكن أن تصبح ممتعة ومجزية من جديد، والتي ربما حل الجهاز محلها تدريجيًا.
يحتاج الوالدان إلى القدرة على تحمل إحباط الطفل والاعتراف به من دون التخلي عن الحدود. وبهذه الطريقة، لا يتحول الحد إلى صراع على السلطة، بل يبقى جزءًا من علاقة يشعر فيها الطفل بأنه مفهوم، وفي الوقت نفسه يختبر حدودًا واضحة وثابتة.
عندما تصبح الألعاب جزءًا مركزيًا بشكل متزايد في حياة اليافعين، قد تبدأ في استبدال تجارب أساسية لنموهم، مثل قضاء الوقت مع الأقران والتواصل مع العائلة والدراسة والمشاركة في الأنشطة اليومية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى العزلة الاجتماعية وصعوبات في تطوير المهارات الشخصية وتراجع الأداء الأكاديمي وزيادة الخلافات في المنزل.
وهناك مسألة مهمة أخرى، وهي أن الأطفال والمراهقين يُتوقع منهم غالبًا التعامل مع أجهزة وبيئات رقمية معقدة بمفردهم. فوضع الحدود وحده لا يكفي؛ نحن بحاجة أيضًا إلى تعليم رقمي فعال. وأعتقد أنه ينبغي التفكير في تطبيق نظام "رخصة رقمية"، يتعلم الأطفال من خلاله تدريجيًا ليس فقط كيفية استخدام التكنولوجيا، بل أيضًا فهم فرصها ومخاطرها ومسؤولياتها.
ينبغي تعليم الكفاءة الرقمية بشكل نشط، لا افتراض أنها ستتطور تلقائيًا لمجرد أن الأطفال يكبرون وهم محاطون بالتكنولوجيا.
يمكن لمقاربات مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والتدخلات السلوكية أن تساعد اليافعين على التعرف إلى الآليات التي تساهم في الإفراط في الألعاب أو إلى إدمان الألعاب الإلكترونية . وتساعدهم هذه الأساليب على تطوير استراتيجيات أفضل للتنظيم الذاتي وإعادة إدخال أنشطة بديلة أكثر صحة تدريجيًا.
لكن تقليل وقت اللعب وحده لا يكفي. يجب أن يتناول العلاج أيضًا التحديات العاطفية والعلاقية التي قد تكون مرتبطة بهذا السلوك. لذلك أعتقد أن التركيز على السلوك نفسه والعمليات النفسية الكامنة خلفه أمر بالغ الأهمية.
وعند العمل مع الأطفال والمراهقين، يكون إشراك العائلة ضروريًا. فهذا الدعم يمكن أن يسهل التغيير ويخلق بيئة تزدهر فيها العلاقات الأكثر صحة والتجارب النمائية.
ينبغي أن تكون القواعد قليلة وواضحة وثابتة وقابلة للتوقع قبل كل شيء. ومن المفيد الاتفاق مسبقًا على أوقات اللعب ومدته، وتجنب استخدام الأجهزة أثناء الوجبات وقبل النوم وفور الاستيقاظ صباحًا وخلال الوقت المخصص للعائلة أو الدراسة أو الأنشطة الأخرى.
Loading ads...
لكن القواعد تكون أكثر فعالية عندما يلتزم بها البالغون أيضًا. لا يمكن أن نطلب من الطفل أن يضع هاتفه جانبًا إذا كنا نحن متصلين بهواتفنا باستمرار. فالهدف ليس شيطنة التكنولوجيا، بل تعليم الأطفال كيفية استخدامها بوعي وتوازن، مع الحفاظ على مساحة للملل والحركة والعلاقات واللعب في العالم الحقيقي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





