عاد معلمو الشمال السوري إلى الإضراب المفتوح بعد أسابيع من تعليقه قبيل عيد التحرير، في خطوة تعكس فشل الوعود الرسمية في تلبية مطالبهم الأساسية، وتؤكد أن أزمة قطاع التعليم ما تزال تراوح مكانها، وجاء استئناف الإضراب بعد انتهاء المهلة التي منحها المعلمون للجهات المعنية، على أمل تحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية، من دون أن يلمسوا أي تغيّر فعلي على أرض الواقع.
الإضراب الذي عاد إلى الواجهة اليوم لا يعد حدثاً مفاجئاً، بل امتداداً لحراك طويل بدأ قبل أشهر، واتخذ أشكالاً متعددة من الوقفات الاحتجاجية وصولاً إلى تعليق الدوام في عشرات المدارس، في واحدة من أوسع التحركات التعليمية التي شهدتها مناطق الشمال السوري خلال السنوات الأخيرة.
تعليق مؤقت انتهى من دون نتائج
كان المعلمون قد علقوا إضرابهم قبل عيد التحرير، في خطوة وصفوها حينئذ بأنها حسن نية، ومنح فرصة أخيرة للجهات المسؤولة لتنفيذ تعهدات قطعتها خلال لقاءات مع ممثلين عن القطاع التربوي، وحدد المعلمون الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2025 كموعد نهائي لبدء تنفيذ تلك الوعود، مؤكدين أن تعليق الإضراب لا يعني إنهاءه.
ومع انقضاء المهلة من دون أي قرارات ملموسة، عاد الإضراب ليشمل مدارس واسعة في مناطق ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، وفي مناطق إدلب، وسط حالة من الاحتقان والغضب بين الكوادر التعليمية التي تقول إن أوضاعها وصلت إلى حد "لا يحتمل".
ما مطالب المعلمين؟
بحسب مصادر من اللجان المنظمة للحراك، فإن مطالب المعلمين لم تتغير منذ انطلاق "إضراب الكرامة" وتتلخص في نقاط أساسية يعتبرونها حقوقاً بديهية، أبرزها:
. زيادة حقيقية على الرواتب تضمن للمعلم حداً أدنى من العيش الكريم في ظل الغلاء المتصاعد.
. منح الأرقام الذاتية للمعلمين، كخطوة أساسية للاعتراف الرسمي بهم ودمجهم ضمن الهيكلية الإدارية.
. إعادة المفصولين بسبب مواقفهم الوطنية وانحيازهم للثورة خلال السنوات الماضية.
. تحسين واقع المدارس من حيث التجهيزات واللوازم والكتب المدرسية.
ويؤكد المعلمون أن أي حلول جزئية أو وعود غير مكتوبة لم تعد مقبولة، بعد سنوات من التهميش والتسويف.
انضمام معلمي منبج إلى الإضراب
وشهد الإضراب توسعاً لافتاً مع انضمام معلمي مدينة منبج إلى التحركات الاحتجاجية، في خطوة تعكس وحدة المطلب التربوي في مختلف مناطق الشمال، وتؤشر إلى أن الأزمة لم تعد محصورة بمنطقة جغرافية بعينها، بل باتت أزمة عامة تطول قطاع التعليم بكامله، ويرى متابعون أن انضمام منبج قد يدفع باتجاه تصعيد أكبر خلال الفترة المقبلة، ما لم تبادر الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة.
قال مصدر محلي من منظمي إضراب المعلمين في منبج لموقع تلفزيون سوريا، إن إضراب المعلمين في منطقة منبج بريف حلب الشمالي الشرقي قد بدأ قبل أيام، وللمعلمين في منبج مطالب عديدة، أهمها:
. الاحتجاج على تعامل التربية مع المعلمين في المنطقة، وتعتبرهم كوكلاء غير مثبتين
. تأخر صرف رواتب المعلمين
. عدم توفر مواد التدفئة في المدارس
كيف بدأت القصة؟
تعود جذور الاحتجاجات إلى شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حين أطلق المعلمون في مناطق ريف حلب حراكهم تحت اسم "إضراب الكرامة" احتجاجاً على تدني الرواتب وتأخرها، وغياب أي رؤية واضحة لتحسين أوضاعهم.
ويتقاضى المعلم في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون راتباً يقارب 95 دولاراً فقط (نحو مليون و100 ألف ليرة سورية)، وهو مبلغ لا يغطي في كثير من الأحيان مصاريف أسبوع واحد، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ومع اضطرار عدد كبير من المعلمين إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم، يذهب جزء كبير من الراتب إلى المواصلات، ما يجعل الاستمرار في المهنة عبئاً لا قدرة لكثيرين على تحمله.
ما يفاقم حالة الاحتقان لدى المعلمين في الشمال هو التفاوت الواضح في قيمة الرواتب بين المناطق، فمعلمو إدلب تقاضوا خلال الشهر الماضي رواتب بلغت نحو مليون و800 ألف ليرة سورية، في حين وصل راتب بعضهم إلى مليوني ليرة، في حين لم يتجاوز راتب معلمي ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، الذين يتقاضون أجورهم عبر "شام كاش"، مليوناً و150 ألف ليرة سورية فقط.
وقد تداول المعلمون صوراً للتحويلات المالية لإبراز هذا الفارق الكبير في الأجور، معتبرين أن هذا التباين يشكل أحد أبرز الإشكالات البنيوية التي تعاني منها وزارة التربية والتعليم، ويعمّق شعورهم بعدم العدالة والتهميش.
أزمة تتجاوز الرواتب
يؤكد معلمون تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا أن المشكلة لا تقتصر على الرواتب فحسب، بل تشمل تهميشاً كاملاً لقطاع التعليم. ويشيرون إلى تأخر وصول الكتب والقرطاسية حتى منتصف الفصل الأول، في مشهد بات يتكرر سنوياً، وينعكس سلباً على العملية التعليمية ومستوى الطلاب.
كما يتحدث المعلمون عن غياب الجدية في التعاطي مع مطالبهم، وسط تداول شائعات عن زيادات مرتقبة في الرواتب، بعضها يتحدث عن رفعها بنسبة 100%، في حين يقدر آخرون أن تصل إلى 250 دولاراً، على غرار رواتب عناصر الشرطة والجيش في المنطقة، إلا أن جميع هذه الأحاديث لم تترجم حتى الآن إلى قرارات رسمية.
ولا يختلف المشهد كثيراً في مناطق إدلب، حيث شهدت الفترة نفسها احتجاجات مماثلة، رغم أن رواتب المعلمين هناك أعلى نسبياً وتبلغ نحو 135 دولاراً، لكنها تبقى بعيدة عن تلبية متطلبات الحياة اليومية في شمالي سوريا.
بين الإضراب وانتظار الحل
اليوم، يجد معلمو الشمال أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: الاستمرار في الإضراب والضغط حتى تحقيق مطالبهم، أو انتظار إصلاحات حقيقية تعيد لقطاع التعليم مكانته، وتضمن للمعلم حياة كريمة تليق بدوره.
ورغم تأكيد المعلمين حرصهم على تعويض الفاقد التعليمي وعدم الإضرار بمستقبل الطلاب، فإنهم يشددون على أن كرامتهم وحقوقهم المهنية ليست محل مساومة. فاستقرار التعليم، برأيهم، يبدأ من استقرار المعلم، وأي تجاهل لهذه الحقيقة يهدد مستقبل جيل كامل في مناطق أنهكتها سنوات الحرب.
Loading ads...
وبينما عاد الإضراب اليوم إلى الواجهة، يبقى مصير العام الدراسي معلّقاً على قدرة الجهات المسؤولة على الانتقال من الوعود إلى الأفعال، في ملف بات اختباراً حقيقياً لجدية التعاطي مع أحد أهم قطاعات المجتمع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

