6 أشهر
إحداها تقع داخل الولايات المتحدة.. حكايات دول مجهرية أقامها وحكمها شخص واحد
الإثنين، 24 نوفمبر 2025

عندما يتحدث الناس عن الدول الصغيرة، غالبًا ما تتبادر إلى الأذهان دول مثل "أندورا" و"موناكو" و"لوكسمبورغ"، إلا أن هذه الدول تُعدّ "عملاقة" مقارنة ببعض "الدول المجهرية" الأقل شهرة والمنتشرة حول العالم.
فهذه الكيانات الصغيرة، التي قد لا تتعدى مساحتها فدانًا واحدًا، تنشأ لأسباب متعددة، تتراوح بين الاحتجاجات الفنية والسياسية، وصولًا إلى محاولات التهرّب الضريبي التقليدية.
وعلى الرغم من أن الدول المعترف بها رسميًا نادرًا ما تقرّ بسيادة هذه الكيانات، فإن بعضها ذهب بعيدًا إلى حد صياغة دساتير غريبة، وسكّ العملات، وحتى تنظيم انتخابات خاصة به.
الدول المجهرية (Micronations) هي مناطق تدّعي امتلاكها للسيادة السياسية رغم غياب أي اعتراف رسمي من الحكومات أو المنظمات الدولية حول العالم، حسب موقع "أطلس العالم".
وغالبًا ما يُشار إليها أيضًا بمصطلحات مثل "الدولة النموذجية" أو "مشروع الدولة الجديدة". وما يميز هذه الكيانات عن غيرها من الكيانات المستقلة، مطالبتها المستمرة باستقلالها.
ويوجد اليوم ما يقارب 400 دولة مجهرية منتشرة في أنحاء العالم، إلا أن "دولة مولوسيا" تُعد دولة فريدة من نوعها.
تقع مولوسيا، التي تُعرف أحيانًا بـ"جمهورية مولوسيا"، داخل أراضي الولايات المتحدة الأميركية. ويبلغ عدد سكانها 31 شخصًا، وتمتد على مساحة 1.3 فدان في ولاية نيفادا، بالقرب من مدينة دايتون.
وتشير بعض التقارير إلى أن مساحة مولوسيا قد تصل إلى 11 فدانًا، إذا ما تم احتساب أراضيها في ولاية بنسلفانيا، والمعروفة باسم "محميّة نيو أنترم".
ويُعد كيفن بو (Kevin Baugh) مؤسس الدولة ورئيسها، ويقع منزله ضمن أراضي مولوسيا، حيث يُعرف أيضًا باسم "بيت الحكومة".
وظهرت فكرة مولوسيا لأول مرة عام 1977، عندما تخيّل الشاب المراهق كيفن بو مملكة وهمية أطلق عليها اسم "الجمهورية العظمى فولدشتاين". وفي عام 1999، قام رسميًا بتحديد حدود إقليمه وغيّر اسمها إلى "جمهورية مولوسيا".
ومنذ أن أعلن نفسه رئيسًا للدولة، سعى بو للحصول على اعتراف رسمي باستقلال مولوسيا عن الولايات المتحدة من خلال عريضة شعبية، لكنها لم تحصل على العدد الكافي من التوقيعات.
وفي محاولة لنشر الوعي العام حول مفهوم "الدول المجهرية"، نظّم بو مؤتمرًا يُدعى "ميكرو-كون" (Micro-Con) في مدينة آنهيم بولاية كاليفورنيا، حضره قادة عدة دول مجهرية، منها: فيكسلاند (Vikesland)، وويستاركتكا (Westarctica)، والأقاليم المؤقتة لجمهورية التوتاليتارية الحرة، ولادونيا (Ladonia).
وفي عام 2016، أطلق مؤسس مولوسيا جولة تعريفية في أرجاء "دولته" بهدف جذب مزيد من الاهتمام الإعلامي.
تنظيم دولة مولوسيا
عند دخول مولوسيا، يُستقبَل الزوّار بلافتة تحمل العبارة: "ما بعد هذه النقطة، لم تعد في أراضي الولايات المتحدة".
ولإضفاء طابع رسمي على ذلك، يجب على الزوّار المرور عبر نقطة تفتيش والحصول على ختم دخول في جواز سفر مولوسيا قبل السماح لهم بالدخول.
وتمتلك مولوسيا نظام حكم خاصًا بها، وخدمة بريد مستقلة، ونظامًا مصرفيًا وعملة فريدة، بالإضافة إلى قطار، وبرنامج فضائي، وسلاح بحرية. وتُعرف عملتها باسم فالورا (Valora)، وتُقيَّم بقيمة عجين بسكويت بيلسبيري.
في عام 1980، قام الفنان السويدي لارس فيلكس ببناء مجموعة من المنحوتات الخشبية والحجرية على شاطئ محميّة كولابيرغ الطبيعية في منطقة سكونه جنوب السويد. وقد بدت هذه الأعمال الفنية كأنها قلاع خيالية غريبة الشكل، وسرعان ما تحوّلت إلى وجهة سياحية شهيرة.
الدول المجهرية قد لا تحظى باعتراف الحكومات، لكنها تحجز لنفسها مكانًا في خيال الناس، وعلى هامش النظام العالمي الرسمي
لكن هذه المنحوتات أثارت غضب المجلس البلدي المحلي، الذي اعتبر أن فيلكس قد شيّد "منزلًا" بشكل غير قانوني داخل محمية طبيعية، وطالب بإزالتها.
غير أن فيلكس، الرافض لتدمير فنه، اتخذ خطوة غير تقليدية: أعلن المنطقة دولة مستقلة ذات سيادة، لا تخضع لقوانين الحكومة السويدية، حسب موقع "لادونيا".
أطلق على هذه الدولة اسم "مملكة لادونيا"، وسرعان ما صمّم لها علمًا وبيانًا تأسيسيًا نصّ على أن السياسة الضريبية الوحيدة للدولة هي أن "يمنح المواطنون إبداعهم مجانًا".
وبحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بلغ عدد "سكان" لادونيا غير الرسميين نحو 14,000 شخص، معظمهم من الفنانين والداعمين للفكرة، رغم أن أحدًا منهم لا يقيم فعليًا على أراضيها.
وادّعت لادونيا امتلاكها عملة خاصة تُدعى "أورتوغ" (Ortug)، ولغة وطنية تُعرف بـ"اللاتينية المصاغة"، كما تبنّت نظامًا طبقيًا رمزيًا. ومع ذلك، لم تعترف السويد حتى اليوم بهذه الدولة الناشئة ككيان شرعي.
تُنشأ الدول المجهرية غالبًا من قبل مجموعات تسعى لدفع أجندات سياسية أو لتجريب أشكال جديدة من الحكم، وتُعد جمهورية مينيرفا من بين أشهر هذه الحالات.
أُسّست في عام 1972 على يد رجل الأعمال الثري مايكل أوليفر، وهو مستثمر في العقارات يتمتع بميول ليبرالية متشددة، وتخيّل مجتمعًا بلا ضرائب أو تدخلات حكومية في الشأن الشخصي.
قام أوليفر ومؤيدوه بالاستحواذ على جزيرة صغيرة (كاي) في جنوب المحيط الهادئ، وقاموا بردمها بالرمال لإنشاء جزيرة صناعية، وأعلنوا عليها دولة جديدة باسم "جمهورية مينيرفا". وصل أول المستوطنين إلى الجزيرة في يناير/ كانون الثاني 1972 بعد بناء برج صغير، ورفعت الدولة علمها وأعلنت سيادتها.
وعلى عكس معظم الدول المجهرية التي يتجاهلها المجتمع الدولي، أثارت مينيرفا ضجة حقيقية بين دول جنوب المحيط الهادئ. فبعد إعلان استقلالها وبدء سكّ عملتها، عُقد مؤتمر مصغّر بين كل من أستراليا ونيوزيلندا وتونغا وعدد من دول الجزر الأخرى لمناقشة تبعات ظهور دولة جديدة في المنطقة.
وسرعان ما أعلنت مملكة تونغا أن مينيرفا والشعاب المرجانية المجاورة جزء من أراضيها، وأرسلت قوة صغيرة لاستعادة السيطرة وخفض علم مينيرفا.
ورغم أن جمهورية مينيرفا قد تم التخلي عنها لاحقًا، فإنها كانت مجرد البداية لسلسلة من الدول التجريبية التي لا تزال بعض نماذجها قائمة حتى اليوم.
لطالما استُخدمت بعض "الدول الصغيرة" كملاذات ضريبية ومراكز للاحتيال وسرقة الهوية، وتُعد دولة دومينيون ملكيصادق (Dominion of Melchizedek) واحدة من أكثر الأمثلة تطرفًا في هذا السياق.
أُنشئت هذه "الدولة الوليدة" عام 1986 على يد إيفان ديفيد بيدلي وابنه مارك لوغان بيدلي، وكلاهما قضى لاحقًا فترة في السجن.
وبالاعتماد على مزاعم السيادة كدرع قانوني، عملت هذه "الدولة" الواقعة على جزيرة في جنوب المحيط الهادئ (تُعد جزءًا من القارة القطبية الجنوبية) كملاذ خارجي لمجموعة من البنوك الوهمية وأنواع متعددة من عمليات الاحتيال المالي.
وفي إحدى فتراتها، كانت الدولة تصدر جوازات سفر مقابل 10,000 دولار أميركي، ويُعتقد أنها باعت تراخيص تجارية مزيفة استخدمها محتالون و"رجال أعمال وهميون" لإضفاء مظهر من الشرعية على شركاتهم.
بين لادونيا التي وُلدت من احتجاج فني، ودومينيون ملكيصادق التي استُخدمت كواجهة للاحتيال المالي، تتحوّل الحدود بين اللعب والسلطة إلى مساحة رمادية.
وقد وُجهت إليها اتهامات متكررة بأنها مجرد خدعة كاملة، سواء من قبل جهات تنظيمية أو وسائل إعلام (من بينها برنامج 60 Minutes الأميركي الذي تناول قصتها وتعرّض للمقاضاة بعدها)، ومع ذلك لا تزال الدولة قائمة اسمًا، وموقعها الإلكتروني نشط ويستقبل طلبات الحصول على "جنسيتها" مقابل رسوم.
وتدّعي دومينيون ملكيصادق أنها "دولة كنسية" على غرار دولة الفاتيكان، وتزعم أن أراضيها تشمل عدة جزر صغيرة في جنوب المحيط الهادئ، إحداها مغمورة جزئيًا تحت الماء، إلى جانب جزء غير مطالب به سابقًا من أنتاركتيكا.
كما صرّحت بأن سيادتها حظيت باعتراف جهات دولية مثل الأمم المتحدة وجمهورية إفريقيا الوسطى، إلا أن هذه الادعاءات يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها زائفة.
أُعلنت إمارة سيلاند (Principality of Sealand) دولة مستقلة لأول مرة في عام 1967 على يد بادي روي بيتس، وذلك فوق منصة بحرية مهجورة تُعرف باسم حصن رافس (HM Fort Roughs)، تقع في بحر الشمال قبالة سواحل سوفولك في بريطانيا، وقد بُنيت خلال الحرب العالمية الثانية.
وكانت المنصة تقع حينها في المياه الدولية، لكن منذ عام 1987 أصبحت ضمن المياه الإقليمية البريطانية بعد أن مدّدت الحكومة البريطانية حدودها البحرية إلى 12 ميلًا بحريًا.
وبدأ روي بيتس استخدام الحصن كقاعدة لبث إذاعة قرصانية تُعرف باسم راديو إسكس (Radio Essex). وبحكم كونه ضابطًا سابقًا برتبة رائد في الجيش البريطاني، تورّط بيتس في عدة حوادث إطلاق نار دفاعًا عن منصته ضد الجيش البريطاني وسفن تجارية، بل وحتى محاولة انقلاب نفّذها أحد المواطنين الألمان من "سكان سيلاند".
ورغم أن تلك الحوادث لم تُسفر عن إصابات، فإنها تسببت في توترات دبلوماسية مع بريطانيا وألمانيا.
منذ وفاة روي بيتس وإغلاق الإذاعة، ركّزت سيلاند أنشطتها على بيع منتجات رمزية وتذكارية مثل: جوازات السفر، والألقاب الأرستقراطية، والقمصان، ونسخ من الدستور، وبطاقات الهوية، كما تبنّت أسلوب الدبلوماسية الناعمة من خلال المشاركة في أنشطة رياضية، أبرزها كرة القدم الأميركية.
تُعد إمارة بالدونيا الخارجية (The Principality of Outer Baldonia) دولة مجهرية ساخرة، أُسست عام 1948 على يد راسل أرندل، موظف علاقات عامة في شركة "بيبسي".
بدأت الفكرة حين كان أرندل في رحلة لصيد الأسماك قبالة سواحل نوفا سكوشا في كندا، ليكتشف جزيرة صغيرة اشتراها لاحقًا، وشيد عليها كوخًا للصيد، وبدأ يقضي فيها عطلات نهاية الأسبوع مع أصدقائه.
وفي إحدى هذه الأمسيات السكرية، كتب مع أصدقائه دستور الإمارة، الذي نصّ على أن الصيد وشرب الروم هما الهوايتان الرسميتان للدولة، وصاغوا إعلان الاستقلال. وبدأوا بتوزيع الألقاب الرسمية فيما بينهم، إذ كان يُمنح لقب "أمير" لأي شخص يصطاد تونة ويدفع رسمًا ماليًا، بل واخترعوا عملة خاصة بهم.
ربما تفسّر الدول المجهرية جانبًا من حكاية الإنسان مع السلطة؛ حين لا يجد مكانًا له في خرائط الآخرين، يختار أحيانًا أن يرسم لنفسه حدودًا جديدة… ولو على الورق فقط.
ولاحقًا، صدر ميثاق دولة نصّ صراحة على منع الضرائب والنساء من دخول الجزيرة، فيما اعتُبرت الزجاجات الفارغة للبيرة هي الصادر الوطني الأول.
ورغم أن الأمر كان يبدو مجرد مزحة بين الأصدقاء، قرر أرندل أن يُعلن عن رقم مكتبه في واشنطن العاصمة باعتباره سفارة بالدونيا. وسرعان ما بدأ يتلقّى دعوات لحضور فعاليات رسمية، بل يُقال إن الأمم المتحدة وجّهت إليه دعوة بطريق الخطأ للانضمام.
وبلغت شهرة الإمارة حدًا جعلها محط انتقاد من صحيفة سوفييتية رسمية، فردّت بالدونيا، بالطبع، بإعلان الحرب.
أما القوات البحرية البالدونية فكانت تتكوّن بالكامل من قوارب صيد محلية، قيل إنها أبحرت لمواجهة الروس… لكن يُرجّح أنها انحرفت عن المسار وذهبت لشرب المزيد من الروم بدلًا من ذلك.
Loading ads...
في نهاية المطاف، قد لا تحظى هذه "الدول المجهرية" بمقعد في الأمم المتحدة، لكنها تحجز لنفسها مساحة واسعة في خيال الناس وفضولهم؛ فهنا رئيس يعلن استقلال حديقته، وهناك إمارة تُدار من منصة صدئة في عرض البحر، وأخرى تولد من نكتة بين أصدقاء في رحلة صيد. وربما يفسّر ذلك لماذا تستمر هذه الكيانات في الظهور، كلما قرّر شخص ما أن يرسم حدوده الخاصة على خريطة العالم… ولو على الورق فقط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





