ساعة واحدة
“مسألة وقت”.. هل سيتخذ ترامب قراراً بالهجوم على إيران حال فشل المفاوضات؟
السبت، 21 فبراير 2026

بعد انطلاق جولة ثانية من المحادثات بين طهران وواشنطن في جنيف بوساطة عُمانية، بهدف التوصل إلى اتفاق نووي بين الأطراف، لا يزال هناك سيناريو يُنذر بهجوم أميركي في حال فشل المفاوضات، فيما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأمر بإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، وردّ عليه المرشد الإيراني علي خامنئي: “سيتلقى الجيش الأميركي ضربة لن يتعافى منها”.
في الخلفية، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع ترامب نحو تنفيذ ضربة ضد إيران.فما الذي يجري حقاً؟ وما هي حسابات ترامب ونتنياهو وطهران حيال التوتر الحالي؟
أميركا وإيران.. مفاوضات وتهديدات
القليل جداً عُلم عما جرى في لقاء نتنياهو وترامب الأسبوع الماضي. وبخلاف عادته بعد لقاءات مع زعماء أجانب، علّق الرئيس الأميركي على اللقاء بتغريدة على موقع “تروث سوشيال”: “كان اجتماعاً جيداً، لكن لم يتم الاتفاق على أي شيء سوى إصراري على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة إمكانية التوصل إلى اتفاق من عدمه”. وأضاف ترامب، في إشارة أيضاً إلى إيران: “وإلا فسنرى ما ستكون النتيجة؟. لم تكن النتائج مُرضية لهم، وآمل أن يكونوا هذه المرة أكثر عقلانية ومسؤولية”.
ما تم تفسيره في إسرائيل هو أن ترامب لا يزال متمسكاً بالمسار المزدوج الذي اختاره: مفاوضات دبلوماسية مع إيران، وتهديد بعملية عسكرية إذا ما فشلت. لكن التهديد السابق الذي لوّح به ترامب قبل أسبوعين بأنه “إذا لم يتحقق اتفاق، سأشن حرباً”، اختفى في الخطاب العلني على الأقل.
لكن، على الرغم من ذلك، يواصل “البنتاغون” تعزيز قواته في الشرق الأوسط، ويستعد للحرب في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وعندما سُئل الرئيس ترامب عن تغيير النظام، قال: “يبدو أن هذا قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث. طوال 47 عاماً، لم يفعلوا سوى الكلام، وفي غضون ذلك فقد الكثير من الناس أرواحهم. سنرى ما سيحدث”، وفق “يديعوت أحرونوت”.
تُذكّرنا التقارير عن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بأحداث 12 حزيران/يونيو بين إيران وإسرائيل، حيث وصل مبعوث أميركي إلى الشرق الأوسط للالتقاء مع ممثل إيراني، لكن حينها انتهى الأمر بشكل مختلف، إذ تبيّن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد ضلّل الإيرانيين بشكل متعمد، وفي الوقت نفسه أعطى إسرائيل الضوء الأخضر لمهاجمة المنشآت النووية.
ولهذا، هناك تكهنات بأن الخطاب الحالي ربما ليس إلا خداعاً يُمهّد لضربة مفاجئة، كما حدث عشية حرب الـ12 يوماً، التي تُسمّى في إسرائيل بـ”الأسد الصاعد”.
سافر بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في محاولة لإفشال خطوتين كبيرتين لإدارة دونالد ترامب: اتفاق نووي مع إيران، وإعادة إعمار غزة. وهي مهمة صعبة لأي رئيس وزراء إسرائيلي، بحسب مقال للمحلل الإسرائيلي “ناحوم برنياع” المنشور في “يديعوت أحرونوت”.
وبحسب برنياع، فإن الخطة الأولية لنتنياهو تقوم على إقناع ترامب بإصدار أمر بعملية عسكرية. أما الخطة الثانية، في حال فشل الأولى، فتتمثل في دفع ترامب إلى طرح مطالب على النظام الإيراني يُتوقّع أن يرفضها رفضاً قاطعاً، بما يقود في النهاية إلى الخيار العسكري.
وبحسب برنياع، سافر نتنياهو إلى واشنطن وبحوزته مواد استخبارية تحذّر من أن إيران تخادع. غير أنه من المشكوك فيه أن تؤثر هذه المواد على ترامب، الذي تقوم فرضيات عمله على أن جميع الدول تخادع وتتصرف وفق مصالحها وليس حسب تعهداتها الدولية.
الخلافات بين مواقف ترامب ونتنياهو حول المشروع النووي عميقة، فبالنسبة لنتنياهو فإنه لا يكفي اتفاق نووي لكبح مشروع طهران واخراج مخزون اليورانيوم المخصب من إيران، لكنه يريد الضغط من أجل وقف انتاج الصواريخ البالستية بإيران ووقف الدعم الذي يقدمه النظام بطهران للمنظمات في الشرق الأوسط. ونظراً لاحتمالية عدم تلبية الطلبات الإضافية، فإن نتنياهو يسعى بالفعل إلى تغيير النظام بإيران.
نشر القوات العسكرية
في السياق نفسه، اكتمل نشر القوات العسكرية الأميركية قرب الخليج، وهو حجم استثنائي. ففي الساحة البحرية، تعمل حاملة طائرات تجمع بين قدرات جوية ودفاع جوي بحري وقدرات هجومية، وإلى جانبها تنتشر مدمّرات وسفن مرافقة. أمّا جوياً، فتنتشر طائرات مقاتلة، وطائرات تزويد بالوقود جواً، وطائرات إنذار ومراقبة. ويتيح هذا الدمج وتيرة عمليات مرتفعة ومديات طيران طويلة وإدارة حملة عسكرية مستمرة. وبالتوازي، عززت الولايات المتحدة منظومات الدفاع الجوي في إطار الاستعداد لاحتمال ردّ مضاد.
في المرحلة الراهنة تبدو فرص نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ضعيفة ومحدودة، بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى إيران للتوصل إلى تسوية شاملة، وفق الباحث السياسي كميل البوشوكة، لـ”الحل نت”.
وبحسب “يديعوت أحرونوت”، صرّح مسؤولان أميركيان رفيعا المستوى لوكالة “رويترز” بأن الجيش الأميركي يستعد لعملية عسكرية طويلة الأمد في إيران قد تستمر لأسابيع، في حال أمر الرئيس ترامب بشنّ هجوم. وعندما سُئل أحدهما، بعد زيارة لقاعدة فورت براغ في ولاية كارولاينا الشمالية، عمّا قد يمنع الهجوم، أجاب: “الاتفاق الذي كان ينبغي عليهم منحه لنا منذ البداية. لو منحونا إياه، لما أقدمنا على ذلك. تاريخياً، لم يفعلوا ذلك. آمل أن يرغبوا في الحوار، لكنهم حتى الآن اكتفوا بالكلام دون فعل يُذكر.”
وقال مسؤولون إنه، على عكس عملية “مطرقة منتصف الليل” التي استهدفت فقط المنشآت النووية الإيرانية، فإن التخطيط هذه المرة أكثر تعقيداً، وإن الولايات المتحدة تتوقع رداً إيرانياً قد يؤدي إلى هجمات انتقامية متبادلة لفترة من الزمن.
كما أن تمركز القوات الأميركية في الشرق الأوسط ليس خطوة ردعية روتينية، بل هو استعداد واسع وحازم يشير إلى تحوّل عميق في نظرة واشنطن إلى إيران. فبعد سنوات من سياسة الاحتواء وإدارة الأزمات، تُرسل الولايات المتحدة إشارة واضحة إلى أنها مستعدة للانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الحسم.
الشعور العام في إيران ما يزال يسوده توتر غير مسبوق، مع تداخل التهديدات من الداخل والخارج، وذلك في ظل محدودية القدرة العسكرية للنظام نتيجة الخسائر التي تكبدها في حرب الـ12 يوماً. ولا تزال المعضلة في طهران تتمركز في أعلى هرم السلطة، فالمصلحة الأساسية هي البقاء، ما يضع النظام أمام خيارين كلاهما صعب: تقديم تنازلات قد تزيل خطر الهجوم الأميركي، لكن سيُنظر إليها على أنها ضعف، وهو الموقف الذي يُنسب إلى الرئيس الإيراني، أم تحمّل هجوم أميركي يُلحق أضراراً جسيمة، لكنه لا يُسقط النظام بالضرورة، وهو الموقف المنسوب إلى علي خامنئي؟
وفيما يتعلق بالتنازلات، ثمة تقديرات بأن تُبدي إيران بعض المرونة، فقد تقبل طهران أفكاراً مثل نقل 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج البلاد، وتجميد التخصيب (الذي لا يُنفَّذ حالياً)، شريطة أن يتم ذلك “بطريقة تحترم مصالحها”، بما لا ينكر من حيث المبدأ حقها في التخصيب. في المقابل، يبرز تباين في الموقف بشأن الصواريخ الباليستية، التي أثبتت أنها أداة استراتيجية من الطراز الأول بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالتشكيلات العسكرية الأخرى و”محور المقاومة”، ومن المرجح أن تُبدي طهران تشدداً في هذا الشأن.
في هذا السياق، علّق الباحث في “مركز الحوار”، كميل البوشوكة، لـ”الحل نت”، قائلاً: إنه في المرحلة الراهنة تبدو فرص نجاح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ضعيفة ومحدودة، بسبب غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى إيران للتوصل إلى تسوية شاملة.
وأردف أن طهران ما زالت تنظر إلى المفاوضات كـ”أداة تكتيكية” لكسب الوقت وتخفيف الضغوط، لا مساراً استراتيجياً لتغيير سلوكها الإقليمي أو النووي.
من جهة أخرى، تعتمد واشنطن سياسة “الضغط مع الانفتاح المشروط”، لكنها لم تعد مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة كما حدث في مراحل سابقة خلال فترتي الرئيسين السابقين باراك أوباما وجو بايدن. لذلك، فإن فجوة الثقة بين الطرفين ما زالت عميقة، وتمنع أي اختراق حقيقي في مسار التفاوض.
وبالتالي، يرى الباحث أن المشهد يتجه عملياً نحو أحد مسارين: إما اتفاق بشروط أميركية صارمة ترفضها طهران حتى الآن، أو تصعيد عسكري متدرّج ينتهي بضربة قوية تهدف إلى إضعاف النظام بطهران وفرض معادلة ردع جديدة، مع احتمال انزلاقه لاحقاً إلى صراع داخلي أو مواجهة أوسع تنتهي بإسقاط النظام الخميني، خاصة إذا ردّت إيران عسكرياً على الولايات المتحدة أو إسرائيل.
مفاوضات أم مواجهة؟
أثارت المناقشات سيناريوهات مختلفة في حال انهيار المفاوضات، وما إذا كان دونالد ترامب سيتخذ قراراً بالهجوم على إيران، فالرئيس الأميركي، كما عرفنا في السابق، يفضل التحركات العسكرية السريعة ويخشى التعقيدات المطولة.
ولهذا، فإن المسار الذي يظهر في الأفق، إذا لم يكن الوحيد، هو التفاوض قبل اللجوء إلى أي إجراء، أي أنها فرصة أخيرة لتجنب الصدام. وفي إسرائيل، سادت تكهنات هذا الأسبوع بأن فرصة نجاح المفاوضات ضئيلة. وقدّر رئيس الأركان، ايال زمير، الذي عاد من واشنطن بعد محادثات مع كبار المسؤولين العسكريين هناك في نهاية الأسبوع، أن الهجوم قد يبدأ في غضون بضعة أسابيع.
ويرى نتنياهو أن المواجهة العسكرية مع إيران باتت حتمية، على الرغم من المفاوضات التي تجريها واشنطن مع طهران. وكان لدى من تحدثوا إليه قبل لقائه مع ترامب انطباع بأنه يعتقد أن الأمر مسألة وقت لا أكثر.
وفي هذا السياق، علّق الباحث كميل البوشوكة لـ”الحل نت”: “نتنياهو يسعى باستمرار إلى إقناع واشنطن بأن الحل العسكري هو الخيار الأكثر فاعلية لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية متقدمة. ولكن قدرته على فرض هذا الخيار تبقى محدودة، خاصة في ظل حسابات أميركية أوسع تتعلق بالكلفة السياسية والعسكرية لأي حرب جديدة في الشرق الأوسط. كما يبرز دور الرئيس ترامب، الذي يتميز بنمط قرار شخصي، لا يقوم على التبعية المطلقة لأي حليف، بما في ذلك إسرائيل. ترامب لا يتحرك بالضرورة وفق رغبات نتنياهو، بل وفق ما يراه منسجماً مع مصالحه السياسية والداخلية للولايات المتحدة. صحيح أنه يستمع للقيادة الإسرائيلية ويأخذ مخاوفها بعين الاعتبار، لكنه في النهاية يتخذ قراراته بناءً على حسابات الربح والخسارة بالنسبة له وللولايات المتحدة”.
Loading ads...
وإذا اتجه ترامب نحو خيار التصعيد أو المواجهة، فلن يكون ذلك استجابة لضغوط إسرائيل فقط، بل نتيجة قناعة بأن إيران ترفض شروط التسوية الأميركية، وتستخدم المفاوضات للمماطلة دون تقديم تنازلات حقيقي، يضيف الباحث السياسي. وبالنسبة للمنطقة بأسرها، فنحن أمام لحظة زمنية شديدة الحساسية، بين الردع والتصعيد، قد تعيد رسم وهندسة الشرق الأوسط لأعوام طويلة مقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





