- دعم خليجي بـ4.2 مليارات دولار يعزز موقع دول الخليج كشريك مؤثر في هندسة مسار إعادة إعمار غزة.
- اشتراطات نزع سلاح حماس تضع السلام في مواجهة تعقيدات سياسية وأمنية حساسة.
- المجلس بقيادة ترامب يعكس محاولة أمريكية لإعادة تشكيل أدوار المنطقة ضمن إطار مؤسسي جديد.
يشكّل انعقاد أول اجتماع لما يُعرف بـ"مجلس السلام" برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محطة سياسية لافتة على الصعيد الدولي، وللشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، سواء من حيث إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، أو إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولات عميقة ومتسارعة.
واكتسب الاجتماع، الذي عُقد الخميس 19 فبراير الجاري، أهمية مضاعفة في ظل تصاعد النزاعات الإقليمية وتزايد الحاجة إلى أطر تنسيقية جديدة لإدارة الأزمات وبناء مسارات تسوية مستدامة، خصوصاً في قطاع غزة الذي خرج من حرب مدمرة استمرت عامين وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية والحياة المدنية.
ويعكس تشكيل "مجلس السلام" برئاسة ترامب توجهاً نحو إضفاء طابع مؤسسي على جهود الوساطة وتسوية النزاعات، بدلاً من الاكتفاء بالمبادرات الدبلوماسية التقليدية، بما يشير إلى محاولة أمريكية لصياغة إطار جديد للتعامل مع ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني.
دول الخليج.. لاعب رئيسي
تركّز الاجتماع الأول للمجلس على ملف إعادة إعمار قطاع غزة، حيث أعلن ترامب تخصيص 10 مليارات دولار عبر المجلس لدعم القطاع، مشيراً إلى مساهمة دول أخرى بأكثر من 7 مليارات دولار إضافية ضمن حزمة إنقاذ مخصصة لغزة.
وسجّلت دول خليجية حضوراً بارزاً في الاجتماع، إذ قال ترامب: "يسرني أن أعلن أن كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية وأوزبكستان والكويت أسهمت جميعها بأكثر من 7 مليارات دولار في حزمة الإغاثة".
وفي هذا السياق، أعلنت كل من قطر والسعودية والكويت والإمارات تبرعها بإجمالي 4.2 مليارات دولار عبر مجلس السلام لدعم جهود الإعمار في قطاع غزة.
وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، خلال كلمته في الاجتماع الذي عُقد بالعاصمة الأمريكية واشنطن، أن بلاده ستقدم مليار دولار دعماً لغزة، مشدداً على "التزام قطر تجاه السلام، كما كانت دائماً ملتزمة بجهود الوساطة"، لافتاً إلى أن المجلس، بقيادة ترامب، سيدفع نحو التنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً الخاصة بغزة دون تأخير.
من جانبه، أعلن وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير، أن المملكة ستقدم مساهمة تصل إلى مليار دولار لتخفيف معاناة الفلسطينيين في القطاع.
كما كشف وزير الخارجية الكويتي، الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، عن مساهمة بلاده بمليار دولار على مدى السنوات المقبلة، دعماً لجهود مجلس السلام، مؤكداً دعم الكويت "المبدئي والثابت والتاريخي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة".
بدوره، أعلن وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، تبرع بلاده بمليار و200 مليون دولار لإعادة إعمار غزة عبر المجلس.
وشارك في الاجتماع الأول 47 دولة، بعضها أعضاء في المجلس، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي بصفة "مراقب"، وذلك لبحث آليات إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في القطاع بعد ما وُصف بـ"حرب الإبادة الجماعية" التي تعرّض لها.
وتبرز دول مجلس التعاون الخليجي كداعم أساسي لمجلس السلام، في ضوء ما تمتلكه من صناديق سيادية ضخمة وخبرات واسعة في إدارة المشاريع الكبرى، ما يجعلها شريكاً طبيعياً في أي مبادرة دولية لإعادة الإعمار أو دعم الاستقرار الاقتصادي في مناطق النزاع.
كما أن الموقع الجغرافي لدول الخليج، ووجودها في قلب التفاعلات الإقليمية المرتبطة بأمن الطاقة والنزاعات في اليمن وسوريا والعراق والتوترات مع إيران، يمنح مشاركتها في المجلس بُعداً واقعياً، نظراً لقربها المباشر من مسرح الأحداث وتأثيرها في توازنات المنطقة.
دور خليجي محوري
الكاتب والمحلل السياسي، محمود حلمي أكد دول الخليج لعبت تاريخياً دوراً محورياً في تمويل جهود إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار في مناطق النزاع.
واعتبر حلمي في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن تقديم مبلغ 4.2 مليار دولار خلال الاجتماع الأول لمجلس السلام يعكس رسالة ثقة واضحة في جدوى المجلس وقدرته على إحداث تغيير فعلي على الأرض.
وأوضح أن هذا الدعم يمثل التزاماً عملياً يتجاوز الرمزية، بما يعزز مصداقية دول الخليج أمام المجتمع الدولي، ويمنح الدول المساهمة قدرة أكبر على التأثير في ترتيب الأولويات وصياغة أجندة العمل.
ولفت إلى أن دول الخليج سعت خلال العقدين الأخيرين إلى الانتقال من موقع الممول إلى موقع الشريك السياسي المؤثر، وهذا التحول تجسد في أدوار الوساطة والدبلوماسية النشطة، سواء عبر جهود الوساطة القطرية الفعالة، في أزمات دولية معقدة.
وأوضح أن المساهمة المالية الكبيرة في الاجتماع الأول تعني تثبيت الحضور الخليجي في هندسة ترتيبات السلام، وتعزيز صورة الخليج كشريك مسؤول في إدارة الأزمات، إلى جانب توثيق العلاقة مع القوى الدولية المؤثرة التي تنظر بإيجابية إلى الأطراف التي تتحمل نصيبًا وازنًا من أعباء التمويل.
وعلى المستوى الاستراتيجي، أكد حلمي أن الأمن الخليجي يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار الإقليم، معتبراً أن الاستثمار في مجلس السلام يمثل في جوهره استثماراً في الأمن الوقائي بعيد المدى.
وأشار إلى هذا التوجه يسهم في تقليل بؤر التوتر التي قد تمتد تداعياتها إلى دول الخليج، ويحمي المصالح الاقتصادية وسلاسل الطاقة، ويعزز بيئة إقليمية أكثر جذبًا للنمو والاستثمار. وذكر أن مبلغ 4.2 مليار دولار لا يعد مجرد دعم مالي لمجلس ناشئ، بل يعكس رؤية استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي.
وفي قراءته لأهمية توقيت الدعم، أوضح حلمي أن تقديم هذا المبلغ في الاجتماع الأول تحديداً يمنح المجلس دفعة انطلاق قوية، ويضع الدول الخليجية في موقع تفاوضي متقدم منذ البداية، كما يخلق التزاماً دوليًا موازيًا، مؤكداً أن الدعم الخليجي غالباً ما يشجع أطرافًا أخرى على المساهمة والانخراط بجدية في مسار السلام.
استغلال إسرائيلي
في المقابل، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي أن المشهد يحمل تناقضاً واضحاً بين الخطاب السياسي المتعلق بالسلام وبين الوقائع الميدانية في غزة.
وأوضح ياغي، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن دولة الاحتلال تواصل سياسة الضغط العسكري في غزة، في الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس الأمريكي عن السلام ووقف دائم للحرب.
وبيّن أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تضعان شروطاً مسبقة تتعلق بنزع سلاح حركة حماس و"ملء قطاع غزة"، مشيراً إلى تصريحات للرئيس ترامب تؤكد هذا التوجه، فضلاً عن ما ورد على لسان الممثل السامي لمجلس السلام في قطاع غزة نيكولاي ميلاندوف بأن "نزع سلاح قطاع غزة هو شرط كل شيء"، وكذلك تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بأن "لن يُبنى حجر على حجر في غزة دون نزع سلاح حماس".
ويرى ياغي أن ذلك يضع المشهد أمام مسارين متكاملين: "الأول، مسار مجلس السلام برئاسة أمريكية يمنح شرعية دولية للمسار الإسرائيلي، والثاني يتمثل في استمرار الضغط الميداني لتحقيق أهداف معلنة.
وأضاف أن الرسالة الموجهة إلى حركة حماس والمقاومة تتلخص في خيارين: إما القبول بخطة ترامب ومجلسه بشروط الخضوع والتنازل مقابل بقاء محدود سياسياً، أو مواجهة مسار "الخضوع بالقوة" في ظل استعداد إسرائيلي لتنفيذ خطط عسكرية إضافية.
ويشير ياغي إلى أن مسمى "مجلس السلام" لا يتطابق – برأيه – مع الممارسات الواقعية، إذ كان من المفترض أن يعمل المجلس على وقف الجرائم الإسرائيلية في غزة ومراقبة الخروقات ودفع الاحتلال نحو الانسحاب، إلا أنه – وفق رؤيته – تبنّى طرحاً يعتبر نزع سلاح حماس شرطاً مسبقاً لكل المسارات.
ويرى أن هذا التوجه أسهم في إنقاذ نتنياهو من ضغوط داخلية ودولية، ومنع المجتمع الدولي من اتخاذ إجراءات عقابية بحق إسرائيل، في ظل شبه إجماع على تحميل سلاح المقاومة مسؤولية المشهد، بدلاً من التركيز على جرائم الاحتلال والحرب التي شهدها القطاع.
كما اعتبر أن مجلس السلام قد يكون صيغة خاصة بترامب لتحقيق إنجازات سريعة تعزز موقعه السياسي، سواء من خلال السعي إلى جائزة نوبل للسلام مستقبلاً، أو تثبيت المصالح الأمريكية في المنطقة وضمان أمن إسرائيل وفق رؤيتها.
وأشار أيضاً إلى أن بعض المقاربات تتعامل مع غزة كملف استثماري محتمل في مرحلة ما بعد الحرب، وهو ما – بحسب ياغي – يفسّر الربط بين إعادة الإعمار ونزع سلاح المقاومة.
Loading ads...
في المحصلة، يأتي انعقاد "مجلس السلام" في لحظة إقليمية حساسة، تتقاطع فيها رهانات إعادة الإعمار مع اشتراطات سياسية وأمنية معقدة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة بشأن طبيعة المسار الذي ستسلكه غزة بين الدعم المالي السخي من جهة، والاشتراطات السياسية المثيرة للجدل من جهة أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




