الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش:
الأسواق العالمية ستعاني من تهديد جديد؛ يتمثل في نقص النفط الفنزويلي الثقيل.
هذا النقص قد يرفع أسعار الديزل والأسمدة والغذاء، ويضاعف الضغوط على المستهلكين والاقتصادات حول العالم.
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حدثاً سياسياً معزولاً بقدر ما كان صدمة جيوسياسية، ارتد صداها سريعاً إلى قلب أسواق الطاقة العالمية، حيث تتجه الأنظار إلى بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، في ترقب قلق لما ستفرز عنه الأيام القادمة.
وتمتلك فنزويلا أكثر من 300 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، أي نحو 17% من الاحتياطي العالمي، متقدمة على السعودية، وفق معهد الطاقة في لندن.
لكن معظم هذه الاحتياطيات من النفط الثقيل في حزام أورينوكو، ما يجعل إنتاجها مكلفاً ويتطلب استثمارات وتقنيات متقدمة.
وخفّض سوء الإدارة ونقص التمويل والعقوبات الإنتاج من أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى نحو مليون برميل أو أقل، وهو ما يفسر لماذا لن تتحول فنزويلا سريعاً إلى عامل ضغط هبوطي على الأسعار، حتى لو عادت الاستثمارات تدريجياً.
يمثّل اعتقال مادورو صدمة سياسية-أمنية لفنزويلا قبل أن يكون صدمة فنية لقطاع النفط؛ فاستمرار تدفق الخام لا يعتمد فقط على سلامة الآبار والمصافي، بل على إدارة الدولة لسلسلة التصدير بأكملها وسط بيئة دولية متقلبة.
وتشير تقييمات خبراء نقلتها صحيفة "The National" إلى أن التأثير السعري قد يكون محدوداً نسبياً، طالما لم تتعرض البنية التحتية النفطية لأضرار مباشرة، وبقيت الصادرات تتحرك، في ظل وفرة معروض عالمي تضغط أساساً على الأسعار.
إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم "الانخراط بقوة" في قطاع النفط الفنزويلي شكّل نقطة تحول رئيسية في قراءة الأسواق.
فواشنطن لا تكتفي هذه المرة بإدارة العقوبات أو الاستثناءات، بل تلوّح بدور مباشر لشركاتها النفطية الكبرى في إعادة تشغيل القطاع.
سيناريوهات الأسعار
وفق تحليل شركة "إنرجي أوتلوك أدفايزرز"، فإن التطورات الأخيرة يُرجّح أن تكون ذات أثر مؤقت على أسعار النفط، خاصة أن الهجوم كان متوقعاً منذ سنوات، وأن السوق اعتادت تقلب صادرات فنزويلا.
من جانب آخر، ترى الشركة أن اختيار يوم السبت لتنفيذ الولايات المتحدة عملية القبض على رئيس فنزويلا والسيطرة على إنتاجها النفطي جاء بهدف تقليل الصدمة المالية.
وتضيف أنه على المدى القريب، يُتوقع استقرار الإمدادات مع زيادة متواضعة في الصادرات لتتجاوز قليلاً مليون برميل يومياً.
أما على المدى المتوسط، فقد تسهم التعديلات التشريعية المحتملة في جذب استثمارات أجنبية، لكن أي قفزة فعلية في الطاقة الإنتاجية ستحتاج إلى سنوات.
حتى الآن، لم يتأثر إنتاج النفط أو عمليات التكرير في فنزويلا، حيث واصلت شركة النفط الحكومية "بي دي في إس إيه" عملها بشكل طبيعي، ولم تتعرض المنشآت النفطية لأضرار مباشرة، غير أن القيود اللوجستية تظل قائمة، خاصة مع الحصار الأمريكي على ناقلات النفط.
وقد أدت هذه الإجراءات إلى عزوف عدد من مالكي السفن عن المياه الفنزويلية، ما رفع المخزونات واضطر الشركة الحكومية إلى تخزين النفط على ناقلات عائمة، وإبطاء عمليات التسليم لتجنّب خفض الإنتاج.
وتُعد الصين المتضرر الأبرز من تراجع صادرات النفط الفنزويلي، إذ تستحوذ على أكثر من 80% من صادرات كاراكاس. وقد أوقفت بكين وارداتها مؤخراً، متجهة إلى النفط الثقيل الكندي، ما انعكس بوضوح على بيانات الشحن البحري.
في المقابل، استمرت تدفقات النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، مسجلة نحو 203 آلاف برميل يومياً في أواخر نوفمبر، قبل أن تتراجع إلى 168 ألف برميل يومياً في ديسمبر، ما يعكس مرونة نسبية في هذا المسار مقارنة بالأسواق الآسيوية.
تأثير النفط الفنزويلي عالمياً
الخبير الاقتصادي د. علي دعدوش، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، يرى أن الأسواق العالمية ستعاني من تهديد جديد يتمثل في نقص النفط الفنزويلي الثقيل، الذي قد يرفع أسعار الديزل والأسمدة والغذاء، ويضاعف الضغوط على المستهلكين والاقتصادات حول العالم.
وحول الحدث الذي تشهده فنزويلا، يوضح د. علي دعدوش:
أسواق النفط الدولية حساسة للغاية للتوترات الجيوسياسية والحروب، إذ تؤدي اضطرابات الدول المنتجة إلى انقطاع الإمدادات العالمية.
فنزويلا تصدّر نفطاً ثقيلاً عالي الكبريت، الأنسب لإنتاج الديزل المستخدم في النقل والزراعة والصناعة والشحن واللوجستيات.
يمثل النفط الفنزويلي نحو 0.9% من المعروض العالمي، لكنه يغطي أكثر من 10% من الطلب على الديزل الثقيل.
أي انقطاع محتمل قد يرفع سعر الديزل بين 8 و15% خلال أسابيع، وفق توقعات الأسواق.
اضطراب الأمونيا في ترينيداد وتوباغو يؤثر على نحو 20% من التجارة البحرية، ما يرفع أسعار الأسمدة بنسبة 10–20%.
ارتفاع تكلفة الأسمدة ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء عالمياً، التي قد ترتفع بين 5 و7%.
النتيجة: نقص النفط الفنزويلي يرفع أسعار الديزل والغذاء عالمياً ويضغط على المستهلكين والاقتصادات.
أسعار النفط قد تبقى مستقرة على المدى القصير بسبب وفرة الإنتاج الأمريكي واحتياطيات النفط العالمية.
على المدى المتوسط، أي انقطاع طويل سيرفع تدريجياً أسعار النفط والديزل، إذ إن إعادة الإنتاج الفنزويلي قد تستغرق سنوات.
التاريخ يؤكد ذلك من خلال إعادة إنتاج النفط في العراق بعد 2003، التي استغرقت حتى 2011، وفي ليبيا استغرق الأمر حتى 2023.
السيناريو المرجّح: الولايات المتحدة تعوّض نقص النفط الفنزويلي أو تضغط على دول أوبك، خاصةً السعودية، لزيادة المعروض العالمي.
Loading ads...
المعضلة الأساسية تتمثل في أن نفط فنزويلا عالي الكبريت، الأمثل لإنتاج الديزل الصناعي، لا يمكن تعويضه بسهولة بالخام الأمريكي أو خام أوبك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






