3 أشهر
المصرف العقاري بدير الزور.. رواتب متأخرة وضغط يومي على المتقاعدين
الجمعة، 30 يناير 2026
في صالة شبه مظلمة، يقف أكثر من مئة رجل وامرأة من كبار السن أمام كوّة خُصصت لتسليم الرواتب التقاعدية، وعلى جانبي مدخل الصالة، رميت أجهزة صرّاف آلي متعطّلة تمامًا، أُهملت حتى غطّاها الغبار، وتكدّست حولها أكوام من المهملات، ما زال هناك فرصة لصرّاف واحد فقط أن يعمل، حيث يقف أمامه موظف يحاول إنعاشه، قبل أن يعود إلى الكوّة نفسها لتسليم الرواتب، فهو الموظف الوحيد المكلّف بتشغيل الصرافات وتسليم المعاشات لمتقاعدي دير الزور والرقة والحسكة في آن واحد.
تمرّ ساعة كاملة من المحاولات الفاشلة، في حين تتعالى أصوات المراجعين، لا احتجاجًا فقط، بل من شدّة البرد وطول الانتظار، فالمقاعد المتوفّرة داخل الصالة قديمة ومهترئة، لا تصلح للجلوس، ما يضطر كبار السن إلى الوقوف فترات طويلة، بعضهم يستند إلى الجدران، وآخرون يتكئون على عصيّهم أو على أكتاف من رافقهم.
هذا المشهد يتكرّر في المصرف العقاري بدير الزور، الذي يُفترض أن يكون واجهة مالية تعكس جهود الدولة في تحسين الأداء الاقتصادي والخدمي، غير أنّ الواقع يوحي بعكس ذلك تمامًا، فبدل التطوير، يظهر الإهمال والعجز في كل زاوية، من البنية التحتية إلى آليات العمل، وصولًا إلى طريقة التعامل مع شريحة تُعدّ من الأكثر عجزا في المجتمع.
يقول حسين الأحمد، وهو معلّم متقاعد، إنّ هذه المرّة السادسة التي يراجع فيها المصرف لاستلام معاشه التقاعدي من دون جدوى، ويضيف: “في كل مرة أسمع الذريعة ذاتها، النقود لم تصل من دمشق بعد، أعود إلى منزلي دون معاش، وأنتظر موعدًا جديدًا لا أعرف إن كان سيحمل معاشي أم خيبة جديدة”.
بعد منتصف الشهر
يعتمد المتقاعدون في دير الزور على رواتبهم التقاعدية بوصفها مصدر الدخل الوحيد للمعيشة، في ظلّ تراجع القدرة الاقتصادية لأبنائهم الذين يجاهدون لإعانتهم، وارتفاع تكاليف الحياة بشكل يفوق أي دخل ثابت.
تقول أم محمد، وهي معلّمة متقاعدة منذ أكثر من عشر سنوات، لموقع تلفزيون سوريا، أنّ ابنتها وأطفالها الثلاثة، يقيمون معها، بعد أن فقدوا والدهم عام 2012، ولديها ابنتان متزوجتان، في حين يعمل ابنها في معرض للسيراميك بدخل محدود.
وتضيف "أنا المسؤولة عن ابنتي وأحفادي، معاشي التقاعدي لا يتجاوز مليون ليرة سورية، وهو لا يكفي أساسيات الحياة، ومع ذلك، وحتى اليوم، لم أتمكّن من استلامه".
وتتابع: "في كل مرة أراجع المصرف، أسمع سببًا مختلفًا: عطل في البرنامج، انقطاع الكهرباء، أو عدم توفّر السيولة، وقد تجاوزنا منتصف الشهر ولم أستلم معاشي بعد".
ولا تبدو معاناة أم محمد حالة فردية، بل نموذجا يتكرّر يوميا داخل صالة المصرف، حيث تتشابه القصص وتختلف التفاصيل، في حين يبقى القاسم المشترك هو التأخير في صرف الرواتب، وغياب أي جدول زمني واضح أو التزام معلن من الجهة المعنية، فضلا عن الإهمال في تجهيزات المصرف والنظافة.
يقف عشرات المتقاعدين منذ ساعات الصباح الأولى أمام المصرف، بعضهم يصل قبل فتح الأبواب بوقت طويل، على أمل أن يكون من أوائل من يحصلون على رواتبهم في حال توفّر السيولة، إلا أن هذا الأمر غالبًا ما يصطدم بواقع مختلف، إذ يتكرّر الإعلان عن تأجيل الصرف أو الاكتفاء بعدد محدود من المستفيدين، ما يضطر البقية إلى العودة من دون معاش.
يقول عبد الرحمن السالم، موظف متقاعد من مؤسسة المياه، لموقع تلفزيون سوريا، إنّه بات يحسب أيام الشهر بناءً على احتمالية وصول المعاش، لا على تاريخ ثابت، ويضيف: "لا أستطيع شراء الدواء إلا بعد استلام المعاش، وأحيانًا أضطر للاستدانة من الصيدلي أو من الجيران، على أمل أن أُسدد حين أحصل عليه، لكن المعاش يتأخر، والدين يتراكم".
هذا الانتظار لا يقتصر أثره على الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي، حيث يشعر كثير من المتقاعدين بالإهانة والتهميش، بعد سنوات طويلة من العمل في مؤسسات الدولة، ويشير عدد منهم إلى أن طريقة التعامل داخل المصرف، وغياب أي آلية تنظيمية واضحة، يعزّزان هذا الشعور.
يعكس حال المصرف العقاري في دير الزور صورة أوسع عن تراجع الخدمات العامة في المحافظة، فالمبنى الذي لم يشهد أي عملية ترميم حقيقية، يعاني من أعطال متكرّرة في شبكة الكهرباء والاتصالات، إضافة إلى نقص واضح في الكوادر البشرية المؤهلة.
يقول أحد الموظفين، فضّل عدم ذكر اسمه، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ المصرف يعمل بأقل من نصف طاقته البشرية الفعلية، وإنّ موظفًا واحدًا أو اثنين يضطرون إلى تغطية مهام متعددة في الوقت نفسه، مضيفا: "نحن نعمل في ظروف صعبة، لا توجد صيانة للصرافات، ولا دعم تقني كافٍ، وعندما يتعطّل النظام أو تتأخر الأموال القادمة من دمشق، لا يكون لدينا أي حل".
ويشير الموظف إلى أن غياب التنسيق بين الإدارة المركزية والفروع يزيد من تعقيد المشكلة، إذ لا يتم إبلاغ الفرع بموعد وصول السيولة بشكل دقيق، ما يضع الموظفين في مواجهة مباشرة مع المراجعين الغاضبين.
كبار السن في مواجهة الإهمال
تُعدّ شريحة المتقاعدين من أكثر الفئات هشاشة في المجتمع، خصوصًا في دير الزور التي أنهكتها الحرب وارتفعت فيها معدلات الفقر والبطالة، حيث لا تزال آثار الدمار حاضرة في معظم الأحياء، يواجه كبار السن صعوبات مضاعفة، تبدأ من الوصول إلى المصرف، ولا تنتهي عند استلام المعاش.
بعض المتقاعدين يقطعون مسافات طويلة من الريف للوصول إلى المدينة، مستعينين بوسائل نقل مكلفة قياسا بدخلهم المحدود، ويضطر كثيرون إلى العودة في اليوم نفسه من دون معاش، ما يعني تحمّل أعباء إضافية لا طاقة لهم بها.
يقول أبو فهد، لموقع تلفزيون سوريا، وهو متقاعد من ريف دير الزور الشرقي: "أدفع أجرة الطريق ذهابا وإيابا، لأكتشف في النهاية أن المعاش غير متوفّر، وهذا استنزاف كبير للمعاش الذي لا يكفي لمعيشة أسبوع أساسا
على الرغم من شكاوى المتقاعدين المتكرّرة، لم تُطرح حتى الآن حلول عملية وجذرية لمعالجة أزمة الرواتب التقاعدية في المحافظة، وتقتصر الردود الرسمية، بحسب مراجعين، على وعود عامة بتحسين الوضع أو انتظار “تعليمات جديدة” من الإدارة المركزية.
يقول محاسب متقاعد من مديرية الصحّة لموقع تلفزيون سوريا، إنّ المشكلة لا تتعلق فقط بنقص السيولة، بل بسوء الإدارة وغياب التخطيط، إضافة إلى عدم إعطاء الأولوية لشريحة المتقاعدين عند توزيع الموارد المحدودة، مشيرا إلى أن تعطّل الصرافات الآلية، وعدم إصلاحها أو استبدالها، يُعدّ تقصيرًا واضحًا كان من الممكن أن يخفف جزءا كبيرا من الضغط على الصالة والموظفين.
في حين تقول موظّفة من المصرف، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ كل ما نقوله للمراجع من أعذار صحيح، لكن المشكلة الأساسيّة هي عدم إرسال الأموال من دمشق، وهذا التأخير هو السبب الوحيد لعدم توزيع الرواتب.
وتضيف أنّها غير راضية عن الأداء الإداري، فالمراجعون لهم كرامة، ومن واجب الجميع الحفاظ على كرامتهم، وقد تعرّضت للكثير من المواقف المحرجة، كأن يأتي أحد أساتذتها الذين درّسوها سابقا يستجدي معاشه، وهذا أكثر ما يشعرها بالضيق.
تقول الموظّفة إنّه لا حلول إلّا بأن تصل النقود من دمشق بأوقات محدّدة، حتّى نستطيع إعطاء موعد محدّد للمراجعين.
في نهاية اليوم، يغادر المتقاعدون المصرف واحدًا تلو الآخر، يحملون خيبة كبيرة، تتكرر الوجوه ذاتها في اليوم التالي، ومعها تتكرر الأسئلة نفسها: متى يصل المعاش؟ ولماذا هذا الإهمال؟ وهل من يسمع؟
بالنسبة لكثير من المراجعين الذين تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا، لم يعد الأمر مجرّد تأخير مالي، بل مسألة كرامة، فهؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في العمل، يجدون أنفسهم اليوم مضطرين إلى الوقوف ساعات طويلة، من أجل معاش لا يكفي أساساً لسدّ احتياجاتهم الأساسية.
Loading ads...
ويبقى السؤال الذي لم يجد أحد إجابة واضحة عليه، إلى متى سيستمر هذا المشهد في المصرف العقاري بدير الزور؟ وهل تتحرّك الجهات المعنية لوضع حد لمعاناة المتقاعدين، أم أنّ انتظارهم سيبقى بلا أفق، كما هو حال كثير من الملفات الخدمية في المحافظة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



