أدرت ظهري لثلّاجة مطبخنا الأمريكي الواسع بعد أن أخرجنا طاولة السفرة وأدخلنا الكنبة للجلوس عليها، وبيدي المصحف على نهايات سورة البقرة. كانت الورد القرآني اليومي ما قبل حرب الإبادة على غزَّة، وكان تعلّقي بها يزداد كلّما أسقطت الطائرات الحربية الإسرائيلية أطنان المتفجرات على رؤوسنا. في أجواء ديسمبرية ضبابية باردة ومشحونة بالخوف والفزع، أعانق بيديّ المرتجفتين نفسي وجسدي. كنت أرتدي عباءةً سوداء، وتلفّني فوقها بطانية، فيما صوت الآليات العسكرية الإسرائيلية وهي تتقدّم يعلو ويطغى على أصوات شاحنات النقل في الشارع الخلفي لعمارتنا. كانت الدبابات تقترب أكثر وأكثر من شارعنا، شارع صلاح الدين الأيوبي.
كانت ماما تشبك أناملها على سجادة الصلاة، وتتمتم من سورة يس: "وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ".
التقطت الآية منها فوراً، وبدأت بتلاوتها فيما رائحة البارود تعبق وصوت طلقات وقنابل مسيّرة الكواد كابتر الإسرائيلية يقترب أكثر وأكثر، وينعكس لونها الأزرق والأحمر على زجاج شباك المطبخ المقوّس باللون الذهبي. حواسي الخمس يقظة وضربات قلبي متسارعة. أردّد الآية بهلع كطوق نجاة وطمأنينة من بطش القوات الإسرائيلية التي بدأت أسمع صوت أقدامهم يخطو على الشارع الرملي الداخلي. أقول في سرّي: "ثوانٍ ويصعدون على درجنا الرخامي ويرتكبون فينا مجزرةً مروّعةً".
في ثوانٍ معدودة، أنسج حوارات مخيفةً داخل خزانة عقلي، فيما أتلو: "وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، لأسكت صوت الحوارات بيني وبين نفسي:- أميرة، تمعّني في سورة يس التي تعرّفت عليها، وعلى قصة آيتها لأول مرَّة على مقاعد مدرسة الإعدادية في الصف السابع، وفسّري كلماتها فهي كانت سدّاً منيعاً بين الرسول وبين كفّار قريش الذين اجتمعوا على قتله في هجرته النبوية، وستكون لنا كذلك.
لكن مع الرعب والمقتلة في الخارج، راح الشيطان يوسوس ويقول: ستكون كما المرة الثانية. المرة الثانية التي وقفت أتلوها عند جثمان جدّتي فاطمة، صاحبة الظفائر الحمراء كي تؤنسها في قبرها.هذه هي المرة الثالثة التي أقرأ فيها آيةً منها لنجاتي. أُردِّدُ كلماتها بهدوء: "وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون".
ما هذا يا ربيّ؟ هل ستجعل بيننا وبين القوات الإسرائيلية وآلياتهم العسكرية سدّاً وحاجزاً منيعاً؟ هل ستغشي الأبصار عنّا؟
يأتي الردّ بتساقط قذائف المدفعية وضربات متتابعة وأحزمة نارية ترجرج الأرض بينما تتطاير الشظايا وتضرب الحيطان وتكسر الزجاج. أتعدني يا الله بأن تعمي أعينهم عنّا وتنجّينا من بطشهم وهم يعلمون بأننا نحتمي داخل المنزل وينطقون عبر مكبّر الصوت بعربية ركيكة: "هل في حدا هون؟".
تجمّدت أنفاسي. أثق بك يا ربيّ. فعلتها لأجل نبيّ الأمة وستفعلها لأجل من آمنوا برسالته دون أن يروه. ويعلو صوت إطلاق النار بكثافة ويتبعه توقّف رتل الدبابات الإسرائيلية.كنت أتلو الآية وأنا أنظر إلى الجميع من حولي. يهمس بابا: "اتّخذوا وضعية الأرض وتفرّقوا في الكوريدور حتى لما نستشهد يبقى حدا فينا يتذكّرنا، لكن اخترنا أن نكون معاً في أسوأ ما يحلّ بنا".أردّد في سرّي فيما الدموع تنساب على خدّيّ: "يا الله، يا حبيبي، يا من يراني ولا أراه، حقّق معجزتك فينا، ولا تتخلّى عنّا واجعل من بين أيدينا سدّاً ومن خلفنا سدّاً يفصل بيننا وبين القوات الإسرائيلية التي لمست إجرامهم وعنفهم في كل يوم من أيام حياتي عشته في غزّة، ولا أودّ أن أراهم وجهاً لوجه ببزّاتهم العسكرية وأسلحتهم وكراهيتهم".كل شي حولنا يخبرنا بأننا أوشكنا على النهاية. نحن محاصرون من الطائرات الحربية التي لا تتوقف عن إسقاط صواريخها على الحيّ ومسيّرات الكواد كابتر التي تواصل إسقاط قنابلها، فيما الآليات العسكرية تواصل تقدّمها والاتصال بأشكاله كافة مقطوع.
من هو المجنون الذي سيخاطر بحياته لينقذنا أو يسمعنا أو يشعر بنا؟ نحن في كوكب والعالم كله في كوكب آخر.
على ضوء خافت ينبعث من الهاتف المحمول، أرى الدموع تنساب على الخدود وأسمع همس من نزحوا إلى بيتنا وهم ينطقون الشهادتين.
كنّا ندرك أنّ الجنود الإسرائيليين سيواصلون تفجير الأبواب ويدخلون علينا ويستخدموننا دروعاً بشريةً، وينكّلون بنا واحداً تلو الآخر خلال ثوانٍ معدودة أمام بعضنا بعضاً.لكنني كنت أتعلّق بآية واحدة من 6،236 آيةً قرآنية. تزداد ثقتي بالله حبيبي. أحدّثه كما كان أصحاب الصخرة يناجونه بأيّ عمل صالح ليفكّ كربهم وأهمس له: يا حبيبي.
أوّل كلمة سمعتها في حياتي كانت "الله أكبر" حين أذّن بابا في أذنيّ في الدقائق الأولى التي خرجت فيها من رحم ماما إلى رحم غزَّة، ومنحني لقب مسلمة في بطاقة الميلاد، وشدّد عليّ بتأدية الصلوات الخمس، وبعدها بقراءة القرآن وتلاوة آياته مع قناة المجد التي كانت ماما تبدأ صباحها بها.
نجِّنا يا الله من بطش القوات الإسرائيلية. أكرر آيتي التي أحتمي بها، والدموع تنسكب بغزارة من عينيّ وأتنفس بسرعة وأحاول كتمان أنفاسي بيديّ المرتجفتين. أنظر إلى عائلتي لكي تبقى لي صورة أخيرة. أردّد الآية في داخلي بصورة متلاحقة، حتى خُيّل إليّ أنني قلتها ألف مرة. هل يصدّق العقل البشري ما أكتبه؟
لكنني عشت معها، وشعرت بعظمتها في أكثر أيام حياتي رعباً. جاءتني وأنا أشمّ رائحة الموت وأعيشه بيقظة كاملة، لتجعلني أتمسك بالحياة التي كدت أفارقها كما فارقها أكثر من 74 ألف شهيد من غزّة.منذ ذلك اليوم، كلّما عدت وسمعت سورة يس، أتذكّر عمارتنا التي أصبحت ركاماً وباتت على "الخط الأصفر"، ومطبخنا الواسع الذي لم ينجُ من بطش إسرائيل.
أتذكّر وجه ماما وهمس بابا وضوء الهاتف الخافت وأصوات الآليات العسكرية الإسرائيلية ورائحة البارود، وألعن إسرائيل ومن جلبها إلى غزّة الحزينة التي لم تفرح يوماً.لم تعُد الآية بالنسبة لي مجرد آية من بين آلاف الآيات والأجزاء التي حفظتها وقرأتها. أصبحت ذاكرة نجاة من مجزرة. نجونا بسدٍّ لم يكن جداراً من الإسمنت يفصلنا عن الجنود الإسرائيليين، ولا حاجزاً يمنع الآليات الإسرائيلية من الوصول إلينا.
Loading ads...
كان سدّاً لا يُرى، حاجزاً أقامه الإيمان بين قلبي وبين الخوف، وبين روحي وبين اليأس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






