نحن، معشر النساء، نعرف جيداً كيف نُحجّم أصوات الألم وضجيجه لدى بعضنا بعضاً. نتحلق حول القويّات حاملات الأجنّة، نحيط بهنّ بطوق من الرحمة قبل سرير الولادة وحوله وبعده. نكون حارسات لسرّ الحياة وسرّ البدايات.
نحن الأمهات والجدّات والأخوات. نحن الصديقات والجارات والخالات والعمّات. توارثنا سرّ الوجود وتقاسمنا مشقّته. اتصلنا بحبلٍ خفيّ. كنا أمّهات لبعضنا، وأمهات لأمّهات سبقننا، وأمهات لأمّهات سيأتين بعدنا، نتحرّك في دورة كاملة ومستمرة من الاحتواء والحب.
الحكاية بدأت منذ أن اشتريتُ أول قطعة ملابس لابن أختي المنتظر. مجرد قطعة قماش بحجم شبر ونصف شبر، بطول إصبعين تقريباً، لكنها دغدغت قلبي، وزرعت ابتسامة عريضة، طويلة الأثر، فوق وجهي وفي روحي. إنه السحر الذي تتركه الأشياء الصغيرة بهدوء في داخلنا.
أحببت الأطفال ووجودهم دائماً، وفي المقابل غالباً ما خشيت مجيء طفلٍ جديد إلى هذا العالم المتعب. كثيراً ما جاهرت بأمنيتي ألّا يُورّط الناس طفلاً آخر في الحياة على هذا الكوكب. لكن، على ما يبدو، كان ذلك إحساساً غير أصيل، ولربما مجرد ادّعاء، تبخّر في اللحظة التي التقت فيها عيناي بوجهه الحبيب للمرة الأولى.
رأيتُ كائناً بمقاس صفر، بوجهٍ منتفخ، ولونٍ وردي، وعينين مغمضتين. حينها صرتُ شوربة. منذ لحظاتي الأولى في منصب الخالة، أصبحت هشّة، ومخترقة، وشفافة كالماء المقطّر.
الحفيد الأول لوالديّ أعاد توزيع الألقاب والرتب. جعل من أمي وأبي جدّةً وجدّاً، وجعلني وإخوتي خالاتٍ وأخوالًا. أعاد ترتيب التاريخ وسلّم أولوياته، وكأن الزمن توقّف تماماً عند حضوره.
حالة من الاحتفال المقدّس بأول ابتسامة، وأول نظرة، وأول شيء من كل الأشياء، وأول فعل من كل الأفعال. حالة من الرعاية والعناية والحرص، غاية في الجمال. وصل الآتي الحلو إلى عائلة تجيد، بامتياز، المبالغة في الحب.
أخبرتنا الممرضات أنه جاء إلى هذا العالم "مزروكاً". تبوّل على بعض أفراد الفريق الطبي في غرفة الولادة. وقالوا إنه طفلٌ معجزة، نجا من حبلٍ سريّ التفّ ثلاث لفّات حول عنقه، لكنه بكل عناد، وبحدس أمّ سمعت نداءه، خرج إلى النور سالماً وغانماً و"مزروكاً".
لم تكن الولادة القيصرية خياراً اتخذته أختي، بل فرضاً أملته حالة الجنين الذي توقّف عن الحركة بعد نشاط متواصل. هو من اختار، أن يشقّ بطن أمّه ويخرج مستعجلًا، بينما يعتمد كثير من الأطباء اليوم التدخل الجراحي بوصفه طريقاً أسرع وأسهل، حتى دون مبرر طبي.
ترددت قصة ولادة الحفيد الأول على لسان أمي أمام المهنئين بالمولود الجديد، فصاغت منها جارتنا التسعينية مقارنةً بتجربتها في جيل آخر. استذكرت جدّة والدي، أم إبراهيم، القابلة التي كانت تعبر القرى في خمسينيات القرن الماضي لتوليد النساء، وكانت أيضًا أمّاً مرضعةً لأطفال المنطقة الذين عجزت أمهاتهم عن إرضاعهم.
استرجعت جارتنا ذكرياتها قائلةً: "رحم الله أم إبراهيم. تمكّنت من قلب طفلي في رحمي وتصحيح وضعيته، وأنقذت ابنتي من حبل سريّ التفّ حولها ثلاث مرّات أيضاً".
كانت أم إبراهيم قابلة درّبها طبيب المنطقة آنذاك على التعامل مع حالات الولادة وظروفها. عملت بحكمة الجسد والصبر والمهارة. عرفت بفراستها كيف تساعد الأجنة على الخروج إلى الحياة، وكيف تدعم رحلة الولادة، والأمهات الحوامل.
لم تكن القابلة وقتها حالة بدائية، كما ينمّطها كثر اليوم، بل كانت سنداً حقيقياً. مجّانياً، حاضراً ليخفف عن النساء عناء رحلة شاقة.
أنقذت القيصرية اليوم أرواحاً كثيرة من الأجنّة والأمهات في حالات متفاوتة الخطورة، إلّا أنّها في كثير من الأحيان تحوّلت إلى إجراء تجاري سريع، قد يحرم النساء من حقهن في الاختيار، ومن حقهن في أجسادٍ ذات إرادة حرّة.
وبالمثل، يبقى الإرضاع الطبيعي أو عدمه خياراً شخصياً صرفاً، لا ينبغي إخضاعه لمعايير جاهزة، أو لصور نمطية مسبقة عمّا يجب أن تكون عليه الأم.
لمستُ معجزة الأمومة عن قرب. أعجبتُ بكمّ القوة التي أظهرتها أختي الصغرى، وهي تصبح أماً للمرة الأولى، وبذلك الكمّ من الرقة المنقطعة النظير. ملهمٌ وجميل وصعب، الحضور الأول إلى جانب أمّ تعيشين من كثب تجربتها بكل صعوباتها وجمالها.
في تلك الليالي الأولى بعد الولادة القيصرية، عايشتُ ألم أختي. رأيتها تتلوى تحت وطأة الحمّى، بجسد يرتجف أمام معركة شاقة لإدرار الحليب، تُسمّى علمياً "حمّى الحليب". تلتها تجربة مرهقة، إذ كتمت وجعها بصبر لإرضاع صغير ومنحه الغذاء الأهم لمناعته واستعداده للحياة وكأن تلك التجربة ملحمة يخوضها الجسد ليفيض حياة لا تباطؤ فيها.
أتأمل تلك الروح الصغيرة، أحاول أن أختبر معه إحساسه الأول بالنور، وشعوره الأول بانزلاق الهواء على جلده الناعم. روحٌ تعيش اللحظة، تلتهم حواسُّها المحيط بشعور يشبه الدهشة ويتخطّاها. أحلام وابتسامات بصور غير مترجمة. فلا أنماط معروفة، ولا تعريف محدد لشيء، فقط فراغ حر، وروح حرّة.
أراقبه بحرص هادئ وإصغاء مذهول، وأهيم بسحر وجهه، وبقبضتي يديه وقدميه الصغيرتين.
أراقب أختي تختبر تحوّلاً وجدانياً عميقاً في تجربة الأمومة هذه. تجعل منها رعاية طفل صغير روحاً مغرقة في الإحساس. حباً وعطاءً فطرياً، ومشاعر متقلّبة بين القلق والحنان، وحساسية عالية لكل ما يحيط بها، ودموعاً لا تتوقف عن الهطول، فرحاً أو خوفاً أو تعاطفاً.
أما أمي، فتقود حراكاً من التضامن والدعم العائلي، يتفهّم هشاشة تجربة الأمومة الأولى، ويغمرها بالقبول والحنان والدعم من دون شروط.
عادت، بتواضع وشغف، لاختبار مهاراتها في الرعاية. فطلبت مني أن أبحث لها عن فيديو على الإنترنت تراجع من خلاله الطريقة الصحيحة لاستحمام الطفل. كما سبق أن استشارت الممرضات في كيفية تغيير الحفاضات. بعدما ربّت أربعة أبناء، وعدداً من أبناء الأقارب والأصدقاء، تشكّك في ما تعرفه لتتعلّم من جديد.
تحاوط تلك الروح البريئة بكل الاهتمام، وكأنها المسؤولة الوحيدة عنها. تحمي الرضيع وكأنه صغيرها، وتراقب سلوك أمه وتشرف عليه. لا تنام إلا قليلاً، وتبقى على دراية تامة بكل ما يستجد. أحاول التسلل لحمله، فتلازمني وتلازم أختي، وكأن هذا الدور يتيح لها فرصة جديدة للتعبير عن أمومتها.
تواصلت حلقة الدعم النسائي المجانية، بحضور عمتي التي شاركت في تربية كل أولاد وأحفاد العائلة. تأتي دوماً لتدعم أختي ووالدتي، وكأنها تلتقي بطفولتنا مجدداً. تحضر نساء العائلة بباقات من الحب والنصائح الدافئة، فيبدو بيتنا بهنّ مزهراً، وأكثر اتساعاً، وأكثر بهجة.
أما أنا، فأبدو الأقل فائدة وخبرة. فأعمل كمصوّرته الشخصية، وأحاول السهر معهم، وأشارك، إن سمحت أمي، في تغيير الحفاض. أحاول تأليف تهويدات لا معنى لها لأجعله يهدأ وينام، وأراقب أختي، وأذكّرها بأن تتغذى بشكل أفضل، وأحاول أن أكون مستمعة جيدة لمشاعرها، بعدما قرأت كثيراً عن الاكتئاب والإرهاق العاطفي الذي قد تواجهه النساء خلال فترة ما بعد الولادة.
عدا عن حالة القراءة والبحث الهيستيرية عبر الإنترنت حول كل ما يتعلق بالحالات التي تمر بها الأم والرضيع، لأتبادل المعلومات مع أختي، وأوجّه لها الملاحظات، إلى حدّ قد يكون مزعجاً ومملاً.
إلى جانب هذا كله، سبقت الولادة حالة من الدعم اللوجستي والنفسي لتوفير حاجات المولود الصغير، وتقديم النصح والحبّ لأمه، من فريق مجتهد عابر للمسافات، كوّنته مجموعة من الصديقات والقريبات المحبّات، وخصوصاً الخالة (أنا) والعمة، بعد أن قدمنا مسافراتٍ للالتحاق بمجموعة المستقبلين المحبّين.
عمل هذا الفريق النسائي، المتعدد المهارات والخبرات، على تسوّق كل ما غاب من حاجاته عن البلاد، وتأمين كل ما من شأنه أن يجعله ووالدته أكثر راحة.
حضورنا الصادق كنساء حول الأم، قبل الولادة وبعدها، هو بمثابة حاضنة آمنة ووسادة نفسية تعيد إليها تدريجياً توازنها في رحلة أمومتها الطويلة والمرهقة. تلك الرحلة التي يمكننا أن نجعلها أهون وأحلى بالتفهّم والتواصل والدعم.
في خلفية المشهد، يخفي زوج أختي قلقه، ويحاول أن يقوم بما عليه، وأن يهيّئ الظروف لراحة زوجته وطفله. ينتظر، ضمنياً، ممن حوله اعترافاً بحساسية دوره كأب للمرة الأولى. يبدو محتاراً وأكثر حرصاً، ويستثمر إجازة الأبوة التي أتاحها له، لحسن الحظ، عمله في دعم أسرته الصغيرة، في وقت تتغاضى فيه معظم جهات التوظيف عن حق الرجل في إجازة الأبوة، كمساحة زمنية عاطفية وإنسانية ضرورية.
توفير الأمان النفسي والعاطفي للأم يتمثل أولاً في وجود الرجل الداعم والواعي. ويحتاج حضور الزوج الصادق إلى جانب زوجته، ومشاركته لها تفاصيل هذه التجربة، مستوعباً تقلباتها وحساسيتها، ليقاسمها سهر الليالي ورعاية الصغير. وهذا ما يمنحها القوة لتجاوز صعوبات ما بعد الولادة.
يرتسم الأمان في عيني أختي عندما تراقب شريكها وهو يتحول إلى أب حنون ومسؤول، يرافقها في رحلة بناء إنسان، خطوةً بخطوة. يحمله، ويساعده في النوم، ويحيطهما بالاهتمام والرعاية، ويحبها ويفهمها ويشعر بما تحتاجه.
الشيء الأجمل في تلك الحكاية بالنسبة إلي، أن الظروف سمحت للزمن أن يتوقف، لأعيش في الحاضر الذي رسمه هذا الملاك حولنا. بدا العالم أجمل بوجوده، أحلى وأرق بكثير. وقد أكون تراجعت، في لحظة شاعرية، عن قناعتي بأن "ميلاد طفل آخر في هذا العالم هو ورطة في حياة قاسية"، بل أراه الآن فرصة لحياة أحلى.
تحكمنا بوجوده الطيب هرمونات السعادة، كمن يستلقي فوق غيمة. ولا مبالغة إن قلت إنه زرع ربيعاً في بيتنا، وقدم لنا أملاً فريداً من نوعه. أملاً وسبباً حقيقياً لنفعل شيئاً، في عالم نخر فيه العجز عقولنا.
Loading ads...
هو قمرنا، قمر أيلول، ونحن المفتونون الهائمون.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






