6 أشهر
وول ستريت جورنال: عناصر داعش المحتجزون شمال شرقي سوريا.. جيش في معتقل
الأربعاء، 26 نوفمبر 2025
في ظل التراجع المتسارع للدعم الدولي داخل سوريا، تتكاثر السجون والمخيمات التي تحتجز آلافاً من عناصر تنظيم الدولة "داعش" وعائلاتهم، مسببة قلقاً متزايداً لدى الخبراء الأمنيين والجهات العسكرية الأميركية. ففي تقرير موسّع نشرته وول ستريت جورنال، تكشف الصحيفة عن واقع قاتم يحيط بمراكز الاحتجاز في شمال شرقي البلاد، حيث تتصاعد محاولات الهرب، وتزداد أنشطة الخلايا النائمة، وتتراجع المساعدات الحيوية التي كانت تُستخدم لمنع التطرف وإدارة المخيمات المكتظة. وفي حين يحذر مسؤولون أميركيون من أن أي اختراق لهذه السجون قد يشعل المنطقة من جديد، تشير الصحيفة إلى أن مستقبل تلك المراكز — ومعها أمن سوريا والمنطقة — بات أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
في أحد الأجنحة بسجن السينا سيء الصيت بشمال شرقي سوريا، حيث يحتجز أخطر السجناء في العالم، يرتدي الحرس أقنعة ويصطفون في الممر الذي يشتمل على زنازين، فيضع سجين وجهه أمام فتحة صغيرة مربعة الشكل على باب إحدى الزنزانات، ويتراءى خلفه نحو عشرين سجيناً آخرين جلسوا ببزات السجن حفاة على الأرضية.
يسأل هذا السجين البريطاني الذي بايع تنظيم الدولة أحد الصحفيين الزائرين: "أمايزال بايدن رئيساً للولايات المتحدة؟" فلا تصله أية إجابة.
إذ يتلقى الصحفيون الزائرون توجيهات بعدم الرد على أي سؤال يوجهه أي نزيل لهم حتى لو كان هذا السؤال يتعلق بأمور الحياة العادية، كما يحظر على الحرس التحدث إليهم عن أي حدث راهن.
لا يعرف نزلاء سجن السينا من أصبح رئيس سوريا اليوم بعد أن رحل الدكتاتور بشار الأسد، وذلك لأنه كلما قلت معلوماتهم، زادت نسبة تأمين سجن سيناء وسوريا كلها بحسب ما ذكره مسؤولو السجن.
مشكلة بلا حل
يعتبر هذا السجن ذي الأسوار العالية أحد السجون المنتشرة في المنطقة والتي تضم أكثر من أربعة وعشرين مقراً للاحتجاز يؤوي عناصر من تنظيم الدولة مع عائلاتهم، وذلك منذ هزيمة التنظيم في عام 2019 على يد "قسد" التي تزعمت التحالف الدولي الذي تدعمه الولايات المتحدة، وهكذا أصبحت تلك المقار تؤوي أكبر عدد من سجناء تنظيم الدولة في العالم، وأخطر فئة منهم تحتجز في سجن سيناء.
حذر القادة العسكريون الأميركيون وخبراء الأمن في المنطقة من مشكلة المحتجزين التي لم تصل إلى حل والتي تهدد الأمن في سوريا الجديدة التي لم يتضح مسار مستقبلها بعد، فلقد استهدف تنظيم الدولة تلك المخيمات والسجون بدعاية ورسائل هدفها إثارة الاضطرابات، ويعتبر ذلك أحد الأسباب التي دفعت لاحتجاز أخطر السجناء في سجن سيناء وسط تعتيم إعلامي تام.
خلال هذا العام، زادت محاولات الهروب من أكبر مخيمات الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، أي من مخيم الهول، إذ تنشط الخلايا النائمة داخل تلك المخيمات، حيث صودرت أسلحة في أثناء عمليات تفتيش نفذتها "قسد" وقوات أميركية، وذلك بحسب ما ذكرته إدارة المخيم، ومسؤولون أكراد في مكافحة الإرهاب ومسؤولون عسكريون، ومحققون أمميون وبحسب ما ورد في المقابلات التي أجريت مع المحتجزين.
يعلق على ذلك كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز صوفان وهو مركز أبحاث غير ربحي يهتم بمكافحة الإرهاب، فيقول: "إنه لأمر كارثي وبوسعنا رؤية ما سيحدث أمامنا بكل وضوح، ومع ذلك مانزال نسعى للقيام بكل الأمور التي تدور حول ذلك [من دون أن نعالج جذور المشكلة]، إذ لو تمكن تنظيم الدولة من تنفيذ عملية اقتحام ناجحة لأحد السجون أو مراكز الاحتجاز، فلابد أن تحل كارثة محققة".
"جيش في المعتقل"
ثم إن سقوط نظام الأسد خلال العام الفائت لم يعمل إلا على تعميق تلك المخاوف، وذلك لأن قوات سوريا الديمقراطية التي تحرس شبكة السجون ومعسكرات الاحتجاز تلك، تخضع لضغط من حكام سوريا الجدد وتركيا.
ما تريده السلطات هو تجنب تكرار ما حدث في سجن السينا قبل ثلاث سنوات، وذلك عندما هاجم مقاتلون من تنظيم الدولة ذلك السجن، ما أسفر عن قيام معركة استمرت لأسبوع ضد القوات الأميركية و"قسد"، خلفت أكثر من خمسمئة قتيلاً معظمهم من المقاتلين. وفي ظل حالة الفوضى، هرب المئات من السجن، ويرجح أنهم عادوا من جديد لصفوف تنظيم الدولة.
يقيم في تلك السجون ومخيمات الاحتجاز نحو ثمانية آلاف وأربعمئة عنصراً من مقاتلي تنظيم الدولة القادمين من سبعين بلداً مختلفاً، وفيها أيضاً قرابة ثلاثين ألفاً من زوجات وأبناء وبنات عناصر تنظيم الدولة، إلى جانب مؤيديها الذين تطرفوا وغيرهم ممن وجهت لهم تهمة الانتماء للتنظيم. وتقريباً نصف هؤلاء من الأجانب، إذ بينهم أوروبيون وأميركيون، ويمثل الأطفال نسبة 60% منهم، نصفهم تحت سن الثانية عشرة.
وصفت القيادة المركزية للبنتاغون نزلاء سجن سيناء بـ"جيش تنظيم الدولة في المعتقل".
وفي تقييم المخاطر السنوي الذي يرفع للكونغرس في شهر شباط، حذر مسؤولون في الاستخبارات الأميركية من سعي تنظيم الدولة لاستغلال مرحلة نهاية نظام الأسد بهدف "تحرير السجناء لإعادة رص صفوفه من جديد".
في حين ذكر الأدميرال براد كوبر رئيس القيادة المركزية في اجتماع أممي عقد في أواخر أيلول الماضي بأن فلول تنظيم الدولة لهم تأثير كبير داخل مخيمات المحتجزين، وقال: "بمرور الوقت تحولت تلك المخيمات إلى حواضن للتطرف".
مخيم الهول للاحتجاز هو عبارة عن مجتمع مكتظ قذر محاط بالأسلاك الشائكة، ويبعد عن سجن سيناء القريب من الحدود مع العراق مسافة 32 كيلومتراً تقريباً، ويؤوي النساء والأطفال بشكل رئيسي، وهؤلاء هم أهالي مقاتلي تنظيم الدولة، أما مخيم الروج الأصغر مساحة من مخيم الهول، فيقع شمالي هذا الموقع.
وصفت منظمات أممية وإنسانية الظروف في كلا المخيمين بأنها غير إنسانية ومزرية، واستشهدوا بمشكلات تتصل بعدم توفر الرعاية الصحية وحالات العنف التي تمارس ضد النساء هناك.
أثر خفض التمويل على حواضن الإرهاب
خلال هذا العام، خفضت إدارة ترمب المساعدات الأميركية المخصصة لشمال شرقي سوريا بما لا يقل عن 117 مليون دولار، ويشمل ذلك ما لا يقل عن 15 مشروعاً في مخيم الهول وخمسة مشاريع في مخيم الروج، وذلك بحسب ما ذكر في منتدى منظمات المجتمع المدني في شمال شرقي سوريا، والذي يضم مجموعة من المنظمات الإغاثية في تلك المنطقة، وفي شهر تموز الماضي، أغلقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والتي تمثل ذراع المساعدات الخارجية للحكومة الأميركية.
وتشمل البرامج التي خسرت التمويل مساعدات مخصصة للمرافق الطبية ومراكز إعادة التأهيل الصحية، بالإضافة إلى البرامج التي تعمل على توفير الدعم النفسي والمساحات الآمنة للأطفال، وذلك بحسب ما ذكرته جهان حنان مديرة مخيم الهول، التي أضافت بأن خسارة تلك البرامج ستجعل الأطفال في المخيم أكثر عرضة للتطرف.
وفي تقريره الصادر في شهر آب الماضي، أعلن المفتش العام لمهمة الجيش الأميركي في سوريا والعراق لمحاربة تنظيم الدولة بأن تخفيض التمويل الذي فرضته الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وخسارة تلك البرامج التي تعمل على مساعدة النشء "زادت من حالات التوتر داخل المخيم". كما توصل التقرير نفسه إلى أن موظفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أنفسهم ذكروا بأن النساء والأطفال أصبحوا أشد عرضة الآن "للانتهاكات والاستغلال والتطرف".
يذكر أن الجهات المانحة الأممية والأوروبية عملت على سد بعض الثغرات، لكن ما قدمته أقل بكثير مما كانت الولايات المتحدة تقدمه بحسب ما ذكرته حنان.
فيما أعلن الناطق باسم الخارجية الأميركية بأن: "المساعدات الخارجية الأميركية المخصصة للمخيمات لن تظل مسؤولية لا يحدها أي إطار زمني، فلقد تجشمت الولايات المتحدة عناء قدر كبير من هذا العبء لفترة طويلة بحق".
القتل مقابل 50 دولاراً
في مرحلة الذروة، وصل عدد من يؤيهم مخيما الهول والروج إلى أكثر من ثلاثة وسبعين ألفاً، ثم هبط ذلك العدد بعد إطلاق سراح المحتجزين أو إعادتهم إلى أوطانهم، وخاصة بعد عودة من قدموا من العراق إلى بلدهم، وماتزال الحكومة الأميركية تمول عمليات الإجلاء.
في مناسبات كثيرة، حث المسؤولون الكرد والأميركيون الدول على إعادة مواطنيها بما يسمح بإغلاق مخيمات الاحتجاز وتلك السجون في نهاية المطاف، إلا أن عدداً قليلاً من الحكومات استجاب لهذا المطلب، وذلك خوفاً من احتمال زعزعة "المجاهدين المتطرفين" لاستقرار بلدانهم، وإثارتهم لمشكلات سياسية داخل أوطانهم.
في اجتماع للأمم المتحدة، علق كوبر على ذلك بقوله: "لن تزداد هذه المشكلة إلا سوءاً بمرور الوقت، لأن كل يوم يمر من دون إجلاء يزيد من خطورة ذلك علينا جميعاً".
يذكر أن الولايات المتحدة أجلت نحو 50 مواطناً أميركياً منذ عام 2016، وذلك بحسب ما أعلنته وزارة الخارجية الأميركية، وقد شمل هذا العدد أحد القاصرين الذين لم يرافقهم أحد من أهلهم، والذي جرى إجلاؤه في شهر تموز الماضي، وبحسب بعض التقديرات، مايزال عدد يقل عن عشر مواطنين أميركيين يقيمون في تلك المقار، غير أن وزارة الخارجية الأميركية لم ترد عندما طلب منها الإفصاح عن العدد بشكل دقيق.
يبدي القادة العسكريون الأميركيون قلقهم تجاه تأمين تلك السجون والمخيمات، إذ تحدث المفتش العام الأميركي عن تفاوت في التدريب الذي يحصل عليه الحرس من الكرد في تلك المقار نظراً لسحب تلك العناصر في معظم الأحيان من تلك الأماكن لمعالجة حالات انعدام للاستقرار في أماكن أخرى، إذ سبق أن اشتبكت "قسد" مع قوات الجيش السوري.
استغل تنظيم الدولة حالة انعدام الاستقرار، فصعد هجماته ضد "قسد" خلال هذا العام، كما عمل التنظيم على استغلال المناخ السياسي الهش وتخفيض المساعدات لإثارة القلاقل في مقار الاحتجاز بحسب ما ذكرته حنان.
في تشرين الثاني من عام 2024، وفي أثناء تقدم قوات المعارضة نحو دمشق، تسلل أحد قياديي التنظيم إلى مخيم الهول بحسب ما ذكره محققون أمميون، فاستبدل مقاتلين ذوي خبرة بمراهقين، وهذا ما ساعد عدداً من المقاتلين على الهروب، وبحسب ما ذكره هؤلاء المحققين الأمميين، فإن هذا الرجل أعاد تنشيط لواء أنصار العفيفات المكلف بجمع المعلومات الاستخباراتية داخل المخيم إلى جانب تجنيد الشباب.
تعلق حنان على ذلك اللواء فتقول: "إنه مسؤول عن تلقين العقيدة المتطرفة للأطفال، ولقد أصبح هذا اللواء بغاية القوة".
في شهر نيسان الماضي، داهمت قوات التحالف و"قسد" مخيم الهول بعد أن ساء الوضع الأمني فيه، إذ هاجمت خلايا نائمة تتبع لتنظيم الدولة شرطة المخيم، وأحرقت مكاتب تعود لبعض الجمعيات الخيرية. كما حاولت بعض تلك الخلايا تنظيم عملية هروب جماعي من المخيم، غير أن تلك العملية أسفرت عن اعتقال عشرين شخصاً ومصادرة بنادق من نوع AK-47 إلى جانب مصادرة مسدس وقنابل يدوية ومتفجرات مصنوعة منزلياً.
وفي شهر تشرين الثاني، ألقت القوات الكردية والأميركية القبض على زعيم كبير في تنظيم الدولة موجود داخل مخيم الهول بعد أن ظلوا يراقبونه لأيام.
لا يفرض مخيم الهول على محتجزيه التعتيم الإعلامي الصارم الذي يفرض على النزلاء في سجن السينا، ولذلك استغل تنظيم الدولة هذا الوضع لنشر دعايته، إذ يقوم التنظيم بإرسال رسائل دورية تحتوي على آيات قرآنية تصل إلى الهواتف الخلوية للمحتجزين، وتؤكد لهم بأن عملية إنقاذهم ستتم ذات يوم، كما تطلعهم على آخر المستجدات بالنسبة لأحدث عمليات التنظيم، وتتعهد تلك الرسائل بالثأر للمحتجزين عن فترة احتجازهم، ويستخدم المقاتلون وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم الخلايا النائمة والتواصل معها بالإضافة لنشر دعاية التنظيم.
في إحدى الرسائل الصوتية التي استمع إليها صحفيو وول ستريت جورنال، دعا التنظيم أتباعه للقيام و"الانضمام للجهاد ولخوض القتال بشكل منفرد إن لزم الأمر" وذلك نصرة للمحتجزين، وجاء في تلك الرسالة: "هل يمكن لأرواحهم أن تهدأ ولنسائهم وأطفالهم أن يعيشوا بسلام في وقت تحتجز نساء المؤمنين وأطفالهم خلف الجدران؟ أشعلوا الحرب واسحبوا سيوفكم، واضربوا الضربة تلو الأخرى".
ذكر أحد السجناء، واسمه حسين صالح، بأن تنظيم الدولة حاول اغتياله أربع مرات وذلك لتعاونه مع شرطة المخيم، ولهذا وصفوه بالخائن، فصار يعيش اليوم في منطقة آمنة محمية داخل المخيم برفقة غيره ممن تعرضوا لتهديدات من التنظيم.
في أثناء جلوسه أمام خيمته هناك، أخبرنا صالح، 42 عاماً بوجود: "عدد كبير من القتلة هنا، نظراً لأنهم صاروا يؤمنون بعقيدة تنظيم الدولة، وهؤلاء لا يمكلون المال، وتنظيم الدولة يدفع لهم في المخيمات، ولهذا سيقتلون أي شخص مقابل خمسين دولاراً".
Loading ads...
المصدر: The Wall Street Journal(link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


