المربغ نت – إذا سألت مجموعة من عشاق السيارات عن رأيهم في تويوتا، فمن المحتمل أن تحصل على إجابات متناقضة. البعض سيصفها بأنها الشركة الأكثر اعتمادية في العالم، بينما سيرى آخرون أنها أصبحت محافظة أكثر من اللازم أو متأخرة عن المنافسين تقنيًا. والمفارقة أن الرأيين يصفان الشركة نفسها.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن لشركة تُتهم أحيانًا بالتأخر أن تصبح في الوقت نفسه واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في تاريخ صناعة السيارات؟ وكيف استطاعت الحفاظ على مكانتها لعقود بينما صعد منافسون كثر ثم تراجعوا أو اختفوا؟
الإجابة لا تكمن في محرك معين أو سيارة بعينها، بل في فلسفة كاملة حول كيفية تطوير وتصنيع السيارات. فلسفة جعلت تويوتا لا تفكر فقط في السيارة التي ستبيعها اليوم، بل في السيارة التي ستظل تعمل بكفاءة بعد عشر أو عشرين سنة من الآن.
في عصر أصبحت فيه شركات السيارات تتنافس على جذب الانتباه بالعروض التقديمية الضخمة والشاشات العملاقة وأرقام التسارع المبهرة، تبدو تويوتا أحيانًا أقل حماسًا للدخول في هذا السباق. ولهذا السبب يعتقد بعض المتابعين أن الشركة متأخرة عن المنافسين.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
تويوتا لا ترفض التكنولوجيا، بل تتعامل معها بطريقة مختلفة. فبينما تسعى بعض الشركات إلى أن تكون أول من يقدم التقنية الجديدة، تسأل تويوتا سؤالًا آخر: هل هذه التقنية جاهزة فعلًا للاستخدام اليومي طويل الأمد؟ وهل ستظل تعمل بالكفاءة نفسها بعد سنوات من الاستخدام الحقيقي؟
هذا النهج قد يجعل الشركة تبدو أبطأ في تبني بعض التقنيات، لكنه في المقابل منحها سمعة يصعب شراؤها بالحملات التسويقية، وهي ثقة العملاء.
بمعنى آخر، الفرق ليس بين شركة تبتكر وأخرى لا تبتكر، بل بين شركة تركز على الوصول أولًا وشركة تركز على الوصول بشكل صحيح.
من السهل وصف تويوتا بأنها محافظة إذا نظرنا فقط إلى بعض منتجاتها الحالية، لكن العودة إلى التاريخ تكشف صورة مختلفة تمامًا.
عندما قدمت تويوتا سيارة بريوس عام 1997، كان كثير من الخبراء يشككون في مستقبل السيارات الهجينة. لم يكن هناك طلب واضح، ولم تكن البنية التقنية ناضجة كما هي اليوم، لكن الشركة قررت الاستثمار في هذا الاتجاه مبكرًا. وبعد سنوات قليلة أصبحت بريوس رمزًا عالميًا للسيارات الهجينة، وأجبرت الصناعة بأكملها على إعادة التفكير في مستقبل المحركات التقليدية.
الأمر نفسه حدث مع الهيدروجين. ففي الوقت الذي ركز فيه معظم المصنعين على السيارات الكهربائية فقط، استثمرت تويوتا مليارات الدولارات في تطوير خلايا الوقود الهيدروجينية، وأطلقت ميراي كواحدة من أوائل السيارات التجارية العاملة بهذه التقنية.
أما في قطاع السيارات الفاخرة، فقد كانت خطوة إنشاء لكزس واحدة من أكثر القرارات جرأة في تاريخ الصناعة. ففي أواخر الثمانينيات، كان الاعتقاد السائد أن السيارات الفاخرة حكر على الألمان. لكن لكزس LS لم تكتفِ بمنافسة الأسماء العريقة، بل دفعت كثيرًا من المنافسين إلى إعادة تقييم معايير الجودة والاعتمادية والهدوء داخل سياراتهم.
لهذا السبب، فإن وصف تويوتا بأنها شركة لا تبتكر يتجاهل عقودًا من القرارات التي ساهمت في تغيير اتجاهات الصناعة بأكملها.
كما يصعب الحديث عن تاريخ تويوتا دون التوقف أمام مجموعة من الطرازات التي تجاوز تأثيرها حدود المبيعات.
تعتبر كورولا مثالًا واضحًا على قدرة الشركة على بناء سيارة جماهيرية ناجحة لعقود طويلة، حتى أصبحت السيارة الأكثر مبيعًا في تاريخ العالم.
أما برريوس فقد غيرت نظرة العالم للسيارات الهجينة، وأثبتت أن تقليل استهلاك الوقود والانبعاثات يمكن أن يكون مشروعًا تجاريًا ناجحًا.
وفي المقابل، بنت لاندكروزر سمعة أسطورية جعلتها مرجعًا للاعتمادية في البيئات القاسية، من الصحاري إلى مواقع التعدين والمناطق النائية حول العالم.
كما نجحت هايلوكس في ترسيخ صورة تويوتا كصانع لمركبات قادرة على تحمل أقسى ظروف التشغيل، بينما مثلت لكزس LS نقطة تحول تاريخية أثبتت أن الجودة اليابانية تستطيع منافسة أفخم السيارات الأوروبية في نفس الاعوام!
أما ميراي فتعكس جانبًا آخر من شخصية الشركة؛ جانب لا يخشى الاستثمار في تقنيات قد لا تحقق نجاحًا فوريًا، لكنها قد تلعب دورًا مهمًا في مستقبل النقل.
إذا كانت هناك سيارة واحدة ساهمت في ترسيخ صورة تويوتا عالميًا، فربما تكون لاندكروزر.
فالقصة لم تكن يومًا مرتبطة بالأرقام أو المواصفات فقط، بل بالثقة. في كثير من المناطق النائية حول العالم، أصبحت لاندكروزر الخيار الأول للجهات الحكومية، وشركات النفط، وفرق الإغاثة، والمستخدمين الذين يعتمدون على سياراتهم في أماكن قد لا تتوفر فيها مراكز خدمة أو قطع غيار قريبة.
هذه السمعة لم تأتِ من الإعلانات، بل من سنوات طويلة من العمل في بيئات قاسية أثبتت فيها السيارة قدرتها على الاستمرار عندما تتعطل سيارات أخرى.
ولذلك لا ينظر كثير من مالكي لاندكروزر إليها باعتبارها مجرد سيارة، بل باعتبارها أداة يمكن الاعتماد عليها في أصعب الظروف ولم يات هذا فقط بسبب محرك اعتمادي.
عندما يتحدث المهندسون وخبراء الإدارة عن تويوتا، فإنهم لا يتحدثون غالبًا عن المحركات أو أنظمة التعليق أو صناديق التروس بل يتحدثون عن Toyota Production System أو TPS.
هذا النظام أصبح مرجعًا عالميًا في التصنيع والإدارة، ودرسته شركات من قطاعات مختلفة لا علاقة لها بالسيارات. السبب بسيط: النظام لا يركز على إنتاج عدد أكبر من السيارات فحسب، بل على إنتاج سيارات صحيحة من المرة الأولى.
تعتمد فلسفة TPS على مجموعة من المبادئ التي تبدو بسيطة نظريًا، لكنها شديدة الصعوبة في التطبيق العملي، مثل القضاء على الهدر، والتحسين المستمر، ومنع الأخطاء قبل وقوعها، وحل المشكلات من جذورها بدلًا من معالجة أعراضها فقط.
ومن داخل هذه المنظومة ظهرت بعض أشهر المفاهيم الإدارية في العالم الصناعي الحديث.
أحد أهم هذه المفاهيم هو Poka-Yoke، والذي يمكن تبسيطه باعتباره فلسفة لمنع الخطأ قبل وقوعه.
في كثير من المصانع، يتم اكتشاف العيوب بعد حدوثها ثم إصلاحها. أما في تويوتا، فالسؤال مختلف تمامًا: لماذا ننتظر الخطأ أصلًا؟
لهذا السبب تُصمم كثير من العمليات الإنتاجية بحيث يصبح ارتكاب الخطأ صعبًا أو مستحيلًا. فقد تُصمم قطعة لا يمكن تركيبها إلا في اتجاه واحد، أو وصلة لا يمكن إدخالها في مكان غير مخصص لها، أو أداة تمنع العامل من تجاوز خطوة ضرورية.
الفكرة ليست افتراض أن العامل لن يخطئ، بل الاعتراف بأن الخطأ البشري أمر طبيعي، ثم تصميم النظام بحيث لا يتحول هذا الخطأ إلى مشكلة تصل إلى العميل وحتى تسهل عملية الصيانة لعقود وتقلل من سعر مصنعيات الورش بعد البيع ومثرة الورش لسهولة العمل على السياره
وربما تكون هذه الفلسفة من أكثر الأسباب التي ساهمت في بناء سمعة تويوتا في الاعتمادية على مدى عقود.
في معظم المصانع، يُنظر إلى توقف خط الإنتاج باعتباره خسارة مباشرة، أما في تويوتا، فالأمر مختلف.
إذا اكتشف أحد العاملين مهما كانت مهتمة عامل نظافة او كبير المهندسين مشكلة قد تؤثر على الجودة، يمتلك صلاحية التدخل من خلال نظام يعرف باسم Andon، والذي قد يؤدي إلى إبطاء أو إيقاف جزء من خط الإنتاج لحين معالجة المشكلة.
قد يبدو القرار مكلفًا على المدى القصير، لكنه يعكس طريقة التفكير داخل الشركة. فإيقاف الخط لدقائق معدودة اليوم أرخص بكثير من استدعاء مئات الآلاف من السيارات لاحقًا بسبب مشكلة كان يمكن اكتشافها مبكرًا.
هذه الثقافة تعكس قناعة راسخة داخل تويوتا بأن الجودة مسؤولية الجميع بداية من العامل والمورد والمهندس والمشرف، وليست مسؤولية قسم الفحص النهائي فقط.لهذا نسبة وجود خطاء غير مكتشف في سيارات تويوتا اقل بكثير من اي علامة او صانع اخر.
إذا كان هناك مفهوم واحد يلخص طريقة عمل تويوتا، فهو Kaizen أو التحسين المستمر.
فالشركة لا تعتمد فقط على الاختراقات التقنية الكبرى، بل على آلاف التحسينات الصغيرة التي تتراكم بمرور الوقت. قد يكون التحسين مجرد تعديل بسيط في طريقة العمل، أو تغيير في تصميم قطعة، أو خطوة إضافية لضمان الجودة.
كل تحسين يبدو محدود التأثير بمفرده، لكن تراكم آلاف التحسينات على مدى سنوات طويلة هو ما يصنع الفارق الحقيقي.
ولهذا السبب يجد المنافسون أحيانًا صعوبة في تقليد تويوتا. فالأمر لا يتعلق بسر واحد أو تقنية واحدة، بل بثقافة مؤسسية تراكمت عبر عقود.
في كثير من الأحيان، تبدو بعض شركات السيارات وكأنها تتنافس على من يضيف أكبر عدد من المزايا الجديدة في أقصر وقت ممكن.
أما تويوتا فتتبنى نهجًا مختلفًا. فهي لا تسأل فقط عما إذا كانت التقنية الجديدة جذابة أو مبتكرة، بل تسأل ما إذا كانت قادرة على تحمل سنوات طويلة من الاستخدام الحقيقي.
لهذا السبب قد تتأخر الشركة أحيانًا في تبني بعض الاتجاهات الجديدة، لكنها غالبًا ما تقدمها بعد الوصول إلى درجة أعلى من النضج والاستقرار.
وبالنسبة لشركة بنت سمعتها على الاعتمادية، فإن هذا الخيار يبدو منطقيًا حتى لو كان أقل إثارة من الناحية التسويقية.
الاعتمادية التي ارتبط اسم تويوتا بها لم تأتِ بالصدفة، ولم تكن نتيجة استخدام محركات بسيطة فقط.
بل هي نتيجة استثمارات ضخمة في الاختبارات والتطوير، وملايين الكيلومترات من التجارب، وساعات لا تُحصى من العمل الهندسي، بالإضافة إلى ثقافة تنظيمية ترى أن الجودة تبدأ منذ اللحظة الأولى للتصميم.
صحيح أن تويوتا ليست شركة مثالية، فقد واجهت استدعاءات وأخطاء وانتقادات مثل أي مصنع سيارات آخر. لكن ما يميزها هو أن التعامل مع الخطأ جزء من ثقافة التطوير نفسها، حيث يُنظر إلى كل مشكلة باعتبارها فرصة لفهم السبب الجذري ومنع تكرارها مستقبلًا.
عند النظر السطحي، يسهل على البعض وصف تويوتا بأنها متأخرة تقنيًا مقارنة بالمنافسين، خصوصًا عند مقارنتها بشركات تطرح شاشات أكبر، وأنظمة أكثر تعقيدًا، وتجارب قيادة تبدو أكثر “استعراضًا” على الورق.
لكن هذا الانطباع يتغير تمامًا عند العودة إلى تاريخ الشركة نفسه، حيث يتضح أن تويوتا لم تكن يومًا خارج سباق التكنولوجيا، بل في كثير من المراحل كانت تسبق زمنها بهدوء. فمثلًا، سيارات مثل الكرسيدا في الثمانينيات والتسعينيات كانت تقدم حلولًا متقدمة بالنسبة لعصرها، من عدادات رقمية في بعض الفئات، إلى أنظمة حقن إلكتروني ومحركات سداسية الأسطوانات مثل عائلات 1JZ و2JZ التي أصبحت لاحقًا من أكثر المحركات احترامًا في عالم التعديل والأداء، ليس فقط لقوتها، بل لقدرتها الاستثنائية على التحمل تحت ضغط عالٍ لسنوات طويلة.
وحتى فكرة الاعتماد على تقنيات موثوقة قبل انتشارها كانت واضحة مبكرًا في سيارات تويوتا التي سبقت زمنها في دمج البساطة مع الاعتمادية بطريقة يصعب تكرارها. واليوم، رغم الصورة النمطية عن المحافظة، ما زالت تويوتا تقدم حلولًا غير تقليدية مثل محركات ثلاثية الأسطوانات تيربو صغيرة السعة لكنها عالية الكفاءة، إلى جانب نواقل حركة CVT تم تطويرها لتعمل بسلاسة واعتمادية أعلى من المتوسط في السوق عكس باقي الصناع اللي عندهم مشاكل في اعتمادية القير، بالإضافة إلى منظومة GR التي أعادت تعريف مفهوم الأداء داخل الشركة، وقدمت سيارات رياضية حقيقية أثبتت أن تويوتا قادرة على الجمع بين المتعة والاعتمادية في معادلة واحدة دون التضحية بأي طرف على حساب الآخر.
كثير من الناس ينظرون إلى تويوتا ويرون سيارة ناجحة أو محركًا اعتماديًا أو طرازًا حقق مبيعات مرتفعة. أما المهندسون وخبراء الإدارة فيرون شيئًا أعمق بكثير: منظومة متكاملة بُنيت على عقود من التحسين المستمر والانضباط والقدرة على التفكير بعيد المدى.
ولهذا السبب لم تصبح تويوتا واحدة من أكبر شركات السيارات في العالم لأنها كانت الأقل ابتكارًا، ولم تحقق مكانتها لأنها تخشى التكنولوجيا. على العكس، تاريخ الشركة مليء بالمشروعات الجريئة والرهانات الكبيرة، من السيارات الهجينة إلى الهيدروجين ومن لكزس إلى لاندكروزر.
Loading ads...
لكن ما يميزها حقًا هو أنها فهمت مبكرًا أن الابتكار لا يُقاس بمدى الضجيج الذي يصاحبه عند الإطلاق، بل بقدرته على الاستمرار والعمل بكفاءة لملايين العملاء ولسنوات طويلة بعد أن تنتهي العناوين الصحفية ويبدأ الاستخدام الحقيقي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






