في منتصف أغسطس/آب 2026، تحدث زيميني كاسي، أحد أبرز قادة حركة "فانو" ذات القاعدة الأمهرية، في مقابلة نادرة مع صحيفة "لو تان" السويسرية، معلنا أن الفصائل الرئيسية للحركة باتت تعمل تحت قيادة واحدة، بعد أكثر من عامين من محاولات جمع التشكيلات التي ظلت موزعة بين مناطق وقيادات مختلفة.
تنشط الحركة أساسا في إقليم أمهرة، ثاني أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان، بعد إقليم أوروميا، وإن امتد حضور بعض تشكيلاتها إلى مناطق مجاورة. ولذا كان منطقيا أن يمتد إعلان كاسي إلى ما هو أبعد من توحيد "فانو" نفسها؛ إذ كشف عن تفاهمات مع حوالي ست قوى مسلحة أخرى من قوميات ومناطق إثيوبية مختلفة، بينها أطراف تيغرانية وأورومية وصومالية وغوموزية وبيرتية (من شعب بيرتا)، "للعمل معا على إسقاط الحكومة، وفتح نقاش حول ترتيبات الدولة في مرحلة ما بعد سقوطها".
قبل يومين، توجت تلك الجهود بإعلان سبع حركات مسلحة مناوئة لرئيس الوزراء آبي أحمد الانخراط معا في "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل الوجود" بهدف إسقاط الحكومة في أديس أبابا، وعلى رأسها حركة فانو الأمهرية، والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي التي خاضت حربا مريرة مع الجيش في إقليم تيغراي، وجيش تحرير أورومو الذي يمثل القومية نفسها التي ينحدر منها رئيس الوزراء، بالإضافة إلى أربع حركات من إقليم أوغادين الصومالي وإقليم بني شنقول غوموز وإقليم عفر. وقد اتهمت الحركات السبع حكومة آبي أحمد بالمسؤولية عن "عملية إبادة وتدمير وإفقار تهدد إثيوبيا كدولة، وتنذر بتفكيكها"، بعد أكثر من 3 عقود من النظام الفيدرالي الذي نشأ في أعقاب إسقاط نظام الديرغ الشيوعي عام 1991.
تنبع أهمية الإعلان الذي جاء على لسان كاسي، وتصريحاته للصحيفة السويسرية قبل أسبوعين، من ملامسته مشكلتين لازمتا "فانو" منذ صعودها. فقد عانت الحركة منذ نشأتها من التشظي؛ إذ ظلت أقرب إلى شبكة من التشكيلات والقيادات المحلية التي اختلفت في مناطق نفوذها ودرجة استقلالها، وأحيانا في رؤيتها السياسية والعسكرية. وحتى سنوات قريبة، احتفظت أبرز جماعاتها بقيادات منفصلة، ولم يجمع بينها سوى قدر متفاوت من التنسيق. كما أن نفوذ الحركة ظل محصورا إلى حدٍّ كبير داخل الوسط الأمهري، ما يمنح التفاهم مع قوى القوميات الأخرى دلالة تتجاوز مجرد توسيع رقعة القتال، إذ يعني محاولة كسر عزلة "فانو"، وتحويل تمردها ذي القاعدة الأمهرية إلى جزء من جبهة أوسع في مواجهة الحكومة الفيدرالية.
يعد اسم "فانو" أقدم بكثير من "التمرُّد" الحالي، ولم يكن تاريخيا اسما لتنظيم بعينه. ويربط الباحثان أترساو نيتشو ويارد ديبيبي في دراسة لمعهد "ريفت فالي" المصطلح بتقاليد التطوع وحمل السلاح والارتحال خارج الأطر العسكرية النظامية؛ فالاسم يعني في الأمهرية "الشخص الذي يرتحل طوعا"، واستخدم لوصف جماعات المقاتلين التي لا تخضع لسلطة ثابتة.
وكان هؤلاء يمثلون مصدرا للمقاتلين المأجورين لحكام الأقاليم عند الحاجة، قبل أن يكتسب الاسم معنى وطنيا أوسع أثناء مقاومة الاحتلال الإيطالي بين عامي 1936-1941، حين ارتبط بصورة الفلاح أو المقاتل الذي يترك حياته العادية ويحمل السلاح دفاعا عن وطنه. ثم عاد المصطلح مجددا في ستينيات القرن الماضي داخل أوساط الحركة الطلابية الإثيوبية ذات التوجه الماركسي، وقد حمل هذه المرة دلالة ثورية، حتى إن هناك أناشيد في تلك المرحلة قرنت "فانو" برموز مثل جيفارا وهو تشي منه. وهكذا انتقلت الكلمة من المقاتل المأجور إلى المقاوم الوطني ثم المناضل الثوري، غير أن ذلك لم يحمل في أي مرحلة شكل مؤسسة عسكرية واحدة يمكن مدّ خط متصل بينها وبين "فانو" الحالية.
"استُخدم اسم فانو تاريخيا لوصف جماعات المقاتلين التي لا تخضع لقائد أو سلطة ثابتة"
تساعد هذه النشأة في فهم واحدة من أهم خصائص "فانو" اليوم، وهي أن الاسم أوسع من التنظيم. وعليه، يستطيع مقاتلون أو جماعات محلية في مناطق متباعدة أن يعرفوا أنفسهم بوصفهم "فانو" دون أن يعني ذلك بالضرورة خضوعهم لقائد واحد أو امتلاكهم برنامج سياسي متطابق. ومن هنا جاءت إحدى نقاط قوة الحركة وضعفها في الوقت نفسه؛ فقد أتاح لها طابعها المحلي التجذر داخل المجتمعات التي تعمل بينها والتجنيد من خلالها، لكنه جعل سؤال "من يمثل فانو؟" معضلة مستمرة كلما طرحت مسألة التفاوض أو القيادة أو اتخاذ قرار ملزم لجميع الفصائل.
وقد تبلور شكل "فانو" الحالي قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة. ففي احتجاجات أمهرة عام 2016، برزت شبكات شبابية حملت الاسم نفسه في مواجهة هيمنة "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي" التي حكمت البلاد منذ سقوط نظام الديرغ. ولم تكن "فانو" آنذاك حزبا ذا برنامج موحد، وإنما جزء من تعبئة محلية، أنتجتها مطالب التمثيل السياسي وقضايا الأمن والشعور بالتهميش. ورغم أن الاحتجاجات بدأت سلمية في جانب كبير منها، فإن إرث الاسم المرتبط بالمقاتل المحلي ظل حاضرا؛ إذ رصد توم غاردنر في كتابه: "مشروع آبي: الله والسلطة والحرب في إثيوبيا الحديثة"، مشاهد شبان مسلحين في غوندر ومناطق أخرى يطلقون النار في الهواء خلال تلك الاحتجاجات.
ومع اتساع احتجاجات أمهرة وتزامنها مع التعبئة في أوروميا، تصاعد الضغط على النظام القائم وتعمقت أزمته الداخلية، بما أسهم في تهيئة الطريق لصعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء عام 2018، ما يظهر مفارقة مبكرة في علاقة "فانو" بالرجل الذي تسعى اليوم إلى إسقاطه. وأبعد من ذلك، فقد شاركت تشكيلات من الحركة لاحقا إلى جانب قوات حكومته في حرب تيغراي التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بعد تصاعد الخلاف بين حكومة آبي أحمد والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي هيمنت على الائتلاف الحاكم السابق قبل أن تخسر نفوذها مع صعوده. وسرعان ما تحولت المواجهة إلى حرب واسعة شارك فيها الجيش الفيدرالي وقوات إقليمية ومقاتلون من "فانو" في مواجهة القوات التيغرانية، كما دخلت إريتريا الحرب إلى جانب الحكومة الإثيوبية قبل أن ينهار التحالف المؤقت بين البلدين.
"تبلور شكل فانو الحالي قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة"
سيطرت قوات أمهرية خلال القتال على مناطق في غرب تيغراي، في مقدمتها وولقايت وحمرا، وهي أراضٍ يطالب بها قوميون أمهريون، فيما يعدها التيغرانيون جزءا من إقليمهم. وقد غيرت الحرب طبيعة "فانو"، فبعد أن كانت في الأساس شبكات احتجاج وتعبئة محلية، أتاحت لها الحرب مجالا أوسع للتجنيد والتسليح واكتساب الخبرة القتالية، كما قاتلت بعض تشكيلاتها إلى جانب الجيش الفيدرالي والقوات الخاصة التابعة لإقليم أمهرة، واستفادت من شبكات الدعم اللوجستي والأمني والإداري التي وفرتها السلطات خلال الحرب. وعندما امتد القتال إلى داخل أمهرة عام 2021، خصوصا في وولو، أضاف الدفاع عن البلدات والمجتمعات المحلية دافعا جديدا للتعبئة، وأسهم في تحول "فانو" تدريجيا إلى قوة مسلحة أكثر رسوخا على الأرض.
لم يقع الصدام بين "فانو" والحكومة الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد دفعة واحدة؛ فقد ظهرت بوادره أثناء حرب تيغراي، حين رأت قطاعات أمهرية أن الحكومة الجديدة لم تحقق المنتظر منها، لا سيما في ما يتعلق بأمن الأمهرة المقيمين خارج إقليمهم. وقد ساهمت الهجمات على مجتمعات أمهرية في أوروميا في تغذية هذا الشعور، ما أنتج احتجاجات عام 2021 تحت شعار "كفى" (BEKA) تنديدا بما وصفه المشاركون فيها بـ "القتل على أساس الهوية"، وفي هذا المناخ عززت فانو مكانتها بوصفها "قوة للدفاع عن مجتمعات ترى أن الدولة عاجزة عن حمايتها".
بحلول نهاية 2021، كان التحالف الذي صنعته حرب تيغراي يتصدع. فبعد تراجع القوات التيغرانية من أمهرة، أوقفت الحكومة تقدم قواتها عوضا عن مواصلة الحرب حتى إسقاط "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، كما سكتت عن حسم ملف الأراضي المتنازع عليها بين أمهرة وتيغراي، وهو ما أغضب قوميين أمهريين رأوا أن الحرب توقفت قبل تحقيق أهدافها.
وفي الأشهر التالية، انتقلت السلطات من التعاون الحذر مع "فانو" إلى السعي لتحجيمها. ففي مايو/ أيار 2022، شنت السلطات الفيدرالية والإقليمية في أمهرة حملة اعتقالات واسعة طالت عناصر من "فانو"، ونشطاء وقوميين أمهريين وصحفيين، فضلا عن مسؤولين أمنيين سابقين. وقد وثقت تقارير صحفية اعتقال أكثر من 4 آلاف شخص، بالتزامن مع سحب التسهيلات التي تمتعت بها "فانو" طيلة الحرب، فضلا عن محاولة تفكيك تشكيلاتها وإعادة أفرادها إلى الحياة المدنية، ما أدى إلى مواجهات مسلحة محدودة.
"قرأت قطاعات أمهرية اتفاق بريتوريا على أنه تسوية تجاهلت مصالحهم"
ثم جاء اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 ليُعمق القطيعة؛ إذ أنهى الحرب بين حكومة آبي و "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" دون مشاركة "فانو" أو "ممثل مستقل" لإقليم أمهرة، كما أحال مصير المناطق المتنازع عليها بين الإقليمين إلى التسوية وفق الدستور الإثيوبي، بدلا من تثبيت السيطرة التي فرضتها القوات الأمهرية عليها أثناء الحرب، ما دفع قطاعات أمهرية إلى قراءة الاتفاق بوصفه تمهيدا محتملا لتفاهمات بين أديس أبابا والجبهة، قد تأتي على حساب مصالح أمهرة أو دون مشاركتها.
وسرعان ما تحول هذا التوتر المتراكم إلى مواجهة مفتوحة في أبريل/نيسان 2023، بعدما قررت الحكومة حل القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمج أفرادها في الجيش أو الشرطة. كان القرار عاما على مستوى البلاد، لكن وقعه في أمهرة كان مختلفا؛ إذ خشي معارضوه أن يؤدي تفكيك قوات أمهرة الخاصة إلى ترك الإقليم مكشوفا أمام تهديدات من تيغراي وأوروميا. وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى تمرد مسلح، بعدما رفض كثير من أفراد القوات الخاصة نزع سلاحهم وانضموا إلى "فانو". وبذلك، انتهت عمليا علاقة التحالف التي جمعت الحركة بالحكومة في حرب تيغراي، وبدأت المواجهة التي تحولت منذ أغسطس/آب 2023 إلى معارك في شتى أنحاء الإقليم.
وفق تصريحات وزير السلام الفيدرالي بينالف أندوالم، انضم نحو نصف أفراد قوات أمهرة الخاصة السابقة إلى جماعات مسلحة مثل "فانو" بعد رفضهم نزع السلاح أو الاندماج في أجهزة الدولة. ورغم أن هذه النسبة ليست إحصاء مستقلا أو نهائيا؛ إذ تطرح مصادر أخرى تقديرات مختلفة، فإنها توضح حجم المشكلة التي تواجهها الحكومة الحالية؛ إذ دخل إلى التمرد مقاتلون مدربون يحملون السلاح والخبرة العسكرية، ما رفع قدرة تشكيلات كانت قبل سنوات أقرب إلى شبكات محلية غير نظامية.
ظهرت آثار هذه القدرة مع اندلاع مواجهات أغسطس/آب 2023، حين تمكن مقاتلو "فانو" من دخول أجزاء من مدن رئيسية، بينها بحر دار وغوندر ولاليبيلا. لكن هذه المكاسب كشفت أيضا حدود الحركة من ناحية أخرى؛ إذ استعادت القوات الفيدرالية المراكز الحضرية الرئيسية، وبقي امتلاك الجيش لسلاح الجو والمسيرات والمدفعية والقوات النظامية عائقا أمام احتفاظ "فانو" بالمدن لفترات طويلة.
ومن ثم، أخذ الصراع شكلا أكثر ملاءمة لطبيعة "فانو". فبدلا من محاولة السيطرة على المدن، رسخت الحركة وجودها في مناطق ريفية واسعة، مع شن هجمات على القوات والطرق والبلدات والدخول إلى بعض المراكز الحضرية لفترات محدودة. ولذلك يصعب رسم خط ثابت بين مناطق سيطرة فانو ومناطق سيطرة الحكومة؛ فالدولة تحتفظ بالمراكز الحضرية الرئيسية والطرق المهمة، بينما تستطيع "فانو" فرض حضور في الريف والسيطرة مؤقتا على مواقع وبلدات دون أن يعني ذلك امتلاك إدارة مستقرة عليها.
"منذ عام 2025 باتت فانو قادرة على تنسيق عمليات قتالية متزامنة"
ورغم غياب تقدير موثوق لعدد مقاتلي الحركة أو حجم الزيادة التي أحدثتها التعبئة في السنوات الأخيرة، أظهرت تطورات القتال عامي 2025 و2026 ارتفاع قدرتها على تنسيق عمليات متزامنة. ففي مارس/آذار 2025، أطلقت تشكيلات "فانو" في وولو وغوندر وشوا وغوجام العملية "أندينت" (تعني الوحدة) التي شملت عشرات المعارك ضد المواقع الحكومية بصورة منسقة، قبل أن يتراجع مستوى القتال بعد الموجة الأولى.
ظهر ذلك بصورة أوضح في انتخابات يونيو/حزيران 2026، قبل نحو شهرين من إعلان كاسي، إذ أطلقت "حركة فانو أمهرة الوطنية" عملية واسعة يوم الاقتراع، وسجَّل "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) ما لا يقل عن 90 اشتباكا مع قوات الأمن في مختلف أنحاء أمهرة خلال يوم واحد، في ما عد أعلى عدد للاشتباكات في يوم واحد منذ بدء التمرد عام 2023. لربما يعكس هذا الرقم قدرة أكبر على جمع الفصائل وتوحيد جهودها انعكس ميدانيا قبل الإعلان الأخير، لكنه لا يثبت نشأة قيادة عملياتية متماسكة بالكامل؛ فالقتال انخفض بالفعل في اليوم التالي، ثم عاد إلى مستوياته المعتادة، بما يعيد إظهار الفارق بين القدرة على حشد قوة كبيرة لعملية متزامنة والقدرة على الحفاظ على زخم هجومي فترة طويلة.
قبل أيام من مقابلة كاسي في أغسطس/آب، ظهرت إشارة أخرى إلى تغير نطاق الحركة نفسها. ففي مناطق من غرب أوروميا، زاد نشاط تشكيلاتها بنسبة 80% بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهي زيادة ربطتها التقارير بصعود قيادة "بيزامو"، وهي مجموعة مسلحة محلية تعمل باسم "فانو" منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. وفي أغسطس/آب 2026، أعلنت "حركة فانو أمهرة الوطنية" أن "بيزامو" أصبحت تحت قيادتها رسميا.
ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره دليلا على أن محاولة تجاوز حدود أمهرة لم تبدأ مع تصريحات كاسي، بل سبقتها تحركات فعلية على الأرض، قبل أن تُتوج بإعلان التحالف السباعي الأخير. غير أن التوسع الجغرافي لا يعني بالضرورة بناء قاعدة مستقرة أو تحالف عابر للقوميات؛ ففي أغسطس/آب نفسه قاتلت عناصر من "جيش تحرير أورومو" إلى جانب قوات إقليمية ضد "بيزامو"، كما شهدت المنطقة احتجاجات محلية على هجمات "فانو"، ما يوضح أن الانتشار خارج أمهرة لا يعني بالضرورة اكتساب نفوذ مستقر، وقد يخلق خصوما جددا بقدر ما يفتح جبهات إضافية ضد الحكومة.
"التوسع الجغرافي لا يعني بالضرورة بناء قاعدة مستقرة أو تحالف عابر للقوميات"
وتشير المحصلة إلى أن أكثر من 3 أعوام من الحرب لم تؤد إلى انهيار قدرة الدولة على القتال، رغم أنها منعت الحكومة من استعادة احتكار القوة في أجزاء واسعة من أمهرة، ورفعت قدرة الحركة على شن عمليات متزامنة وتهديد الطرق والمراكز الحضرية والتوسع أحيانا خارج الإقليم، لكن دون أن تثبت قدرتها على الاحتفاظ بالمدن الكبرى أو بناء سيطرة إقليمية متصلة أو نقل الحرب بصورة مستدامة إلى مركز الدولة. ولكن إذا كانت "فانو" قد بلغت هذا الحد رغم تشظيها، يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحا: ما الذي قد يتغير إذا نجحت فعلا في تحويل تشكيلاتها المتعددة إلى قيادة عملياتية موحدة؟ وما الذي قد يترتب إذا تمكن التحالف العابر للقوميات، الذي أعلنته سبع حركات مسلحة في سبتمبر/أيلول 2026، من الانتقال من إعلان سياسي إلى تنسيق عسكري مستدام؟
تتوقف الإجابة على عوامل عدة، منها مدى نجاح الحركة في توحيد قرارها وتنسيق تحالفاتها على الأرض، وقدرة الدولة على الصمود، فضلا عن اتجاه المواقف الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع. فمن الناحية التنظيمية، تمكنت "فانو" من قطع خطوة مؤثرة خلال عام 2026، بعد إعلانها تأسيس "حركة فانو أمهرة الوطنية" وإنشاء قيادة سياسية وعسكرية مشتركة برئاسة كاسي، الذي تحدث لاحقا عن تشكيلات وولو وشوا وغوندر ووليغا على أنها جزء من حركة تعمل تحت قيادة واحدة.
ولكن في أعقاب إعلان كاسي عن التفاهم مع قوى من تيغراي وأوروميا في أغسطس/آب، ظهرت اعتراضات من داخل الحركة نفسها، إذ قال إسكندر نغا، أحد أبرز شخصيات "فانو"، إن هناك أعضاء لم يكونوا على علم بشأن التحالف المعلن، وإن العلاقة مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" تظل من القضايا الخلافية. ولا يعني ذلك أن التنظيم عاد إلى نقطة الصفر، لكنه يكشف الفرق بين الإعلان عن مظلة وقيادة مركزية وبين امتلاك تفويض مستقر لاتخاذ قرارات إستراتيجية نيابة عن جميع مكوناتها.
أما خارج "فانو"، فتتجسد المشكلة بصورة أعمق. ففي مايو/أيار 2026، أعاد جناح "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، بقيادة دبرصيون جبر ميكائيل، تفعيل المجلس التشريعي الذي كان يحكم الإقليم قبل حرب 2020، وأعاد المجلس انتخاب دبرصيون رئيسا لتيغراي، في تحدٍّ للإدارة المؤقتة التي تشكلت بعد اتفاق بريتوريا، والتي رفض رئيسها تاديسي وردي التنحي. وهكذا تنافس داخل الإقليم مركزا سلطة، قبل أن تميل الكفة لاحقا لمصلحة دبرصيون، مع نجاح حكومته في تجريد الإدارة المؤقتة من صلاحياتها وفرض سيطرة حكومته الفعلية داخل الإقليم دون الاعتراف بها اتحاديا. على إثر ذلك، انتقلت الأزمة في أغسطس/آب إلى مواجهة عسكرية بين القوات التيغرانية والجيش الفيدرالي في أعنف تصعيد بين الطرفين منذ اتفاق بريتوريا.
يمنح هذا التصعيد التقارب بين جناح دبرصيون و "فانو" وزنا أكبر مما كان عليه قبل أشهر، لكنه لا يبدد تناقضاته الأساسية، وفي مقدمتها إرث الحرب الأخيرة بين الطرفين، والخلاف على الأراضي المتنازع عليها بين أمهرة وتيغراي، وهي ملفات لا يزال غير واضح مصيرها في ظل محاولة تشكيل تحالف مستدام وفقا للإعلان السباعي.
وبشكل مماثل، لا يكفي العداء المشترك للحكومة لصنع تحالف متماسك في بقية الأقاليم. ففي غرب أوروميا، قاتلت في أغسطس/آب 2026 عناصر من "جيش تحرير أورومو" إلى جانب قوات إقليمية ضد مقاتلي "فانو"، في مثال واضح على أن خصوم أديس أبابا قد يظلون خصوما لبعضهم أيضا. كما تبدو الصورة ملتبسة في الإقليم الصومالي. ففي يونيو/حزيران من العام نفسه، أكدت "الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين" التزامها باتفاق السلام الذي وقعته مع الحكومة عام 2018، ونفت ارتباطها بجماعات مسلحة، قبل أن يصدر في أغسطس/آب بيان آخر باسم الجبهة يعلن استعدادها للعمل مع القوى التي تسعى إلى تغيير حقيقي في إثيوبيا، مشيرة في البيان نفسه إلى فشل الحكومة الفيدرالية في تنفيذ اتفاقيات السلام السابقة ورفضها للحوار الحقيقي.
"خصوم الحكومة في أديس أبابا قد يكونون خصوما لبعضهم أيضا"
تُصعِّب هذه التناقضات اعتبار التحالف السباعي تحالفا عسكريا كاملا، وتجعله أقرب إلى إطار تنسيقي ومظلة سياسية. وفي الوقت نفسه، تمتلك الدولة ورقة التفاوض مع بعض فصائل "فانو" وقياداتها بصورة منفصلة بدل انتظار اتفاق شامل مع الحركة كلها. وقد ظهرت ملامح هذا النهج بالفعل في محاولات التسوية الجزئية العام الماضي، حين وقعت حكومة أمهرة اتفاقا مع ممثلين عن إحدى تشكيلات "فانو" رغم اعتراض قيادة التنظيم على شرعية تمثيلهم. وإذا اتسعت الخلافات داخل الحركة بشأن العلاقة بتيغراي أو إريتريا أو الهدف النهائي من الحرب، فقد يصبح استقطاب بعض الفصائل وعزل أخرى أحد أهم أدوات الحكومة لإضعاف مشروع توحيد فانو نفسها، بما يؤثر على مصير التحالف السباعي المعلن مؤخرا.
فضلا عن ذلك، لا تظهر الدولة، رغم استنزافها، علامات انهيار وشيك؛ فقد احتفظ "حزب الازدهار" بأغلبية برلمانية واسعة في انتخابات يونيو/حزيران 2026، رغم تحفظ منظمات حقوقية على شفافية الانتخابات في أثناء اقتتال أهلي واسع، فيما استمر برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، الذي أتاح في يوليو/تموز تمويلا إضافيا لإثيوبيا.
مع ذلك، يظل التحالف السباعي المعلن تهديدا جديا للحكومة، حيث يضعها على أقل تقدير تحت ضغوط متزامنة ومترابطة يصعب احتواؤها في الوقت نفسه. وقد ظهر جانب من ذلك بالفعل خلال عام 2026، حين استغلت "فانو" نقل قوات حكومية من أمهرة باتجاه تيغراي لتوسيع بعض عملياتها، بما يوضح كيف يمكن لتزامن المواجهات أن يشتت القوات والموارد الفيدرالية، حتى في غياب قيادة عسكرية موحدة.
من زاوية أخرى، تحتمل المواجهة انخراطا متزايدا لقوى إقليمية، في ظل تشابك الصراع الداخلي الإثيوبي مع خصومات أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لكن ذلك لا يعني وجود محور خارجي موحد يعمل ضد الحكومة أو يدعم "فانو"، على الأقل حتى اللحظة.
ويظهر ذلك في علاقة إثيوبيا وإريتريا التي تدهورت بشدة بعدما كان البلدان حليفين خلال حرب تيغراي. فقد قاتلت أسمرة إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" خلال حرب 2020-2022، قبل أن يشكل اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بداية شرخ في التحالف بينهما، إذ أنهت الحكومة الإثيوبية الحرب باتفاق منفصل مع الجبهة دون مشاركة إريتريا في المفاوضات، رغم دورها العسكري الواسع في الحرب، كما أبقى الاتفاق الجبهة قوة سياسية رئيسية في تيغراي، في حين ظلت أسمرة تنظر إليها بوصفه خصما أمنيا قديما. وتلا ذلك عودة اسم ميناء "عَصَب" الإريتري إلى النقاش، مع تكرار آبي أحمد أن حصول إثيوبيا الحبيسة على منفذ بحري مسألة وجودية، وهو ما تعاملت معه أسمرة باعتباره مساسا محتملا بسيادتها.
وبحلول عام 2026، ظهرت "فانو" داخل هذا التوتر، بعدما أعلنت الشرطة الإثيوبية في يناير/كانون الثاني ضبط نحو 56 ألف طلقة قالت إنها أرسلت من إريتريا إلى متمردين في أمهرة، متهمة أسمرة بمحاولة تسليح خصوم الحكومة، بينما نفت إريتريا تدخلها في الشؤون الإثيوبية. ومع أن هذا الاتهام لا يكفي لإثبات وجود دعم إريتري منظم لـ "فانو"، لكنه يوضح كيف أصبح تمرد أمهرة جزءا من الاتهامات المتبادلة بين الدولتين، في حين يزداد تعقيد المشهد مع توثيق الصلات المرجح بين إريتريا وجناح دبرصيون داخل تيغراي، بما يضع أسمرة على مقربة من خصمين مختلفين لآبي أحمد.
ظهر جانب آخر من هذا التشابك في اجتماع تنسيقي في بورتسودان، الذي استضاف قوى معارضة إثيوبية مع مشاركين إريتريين وشخصيات سودانية في مايو/أيار 2026، ما يُظهر انتقال التواصل بين خصوم آبي من اتصالات ثنائية متفرقة إلى محاولة جمعهم في مساحة واحدة وإن لم يثبت، في حد ذاته، نشوء تحالف سياسي أو عسكري. وبحسب ما أورده معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، تنظر الحكومة الإثيوبية إلى هذا التقارب بوصفه تهديدا محتملا لمناطق حدودها مع إريتريا والسودان، لا سيما مع تدهور العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم. فقد اتهم الجيش السوداني إثيوبيا بالضلوع في هجمات بالمسيرات، وقال إن بعض الطائرات استخدمت الأراضي الإثيوبية في تنفيذها، وهي اتهامات نفتها أديس أبابا. وفي المقابل، تنظر الحكومة الإثيوبية بريبة إلى "علاقات مزعومة" للقوات المسلحة السودانية بجناح دبرصيون في تيغراي وإريتريا.
في الوقت ذاته، تميل المؤسسات الأفريقية والقوى الغربية الرئيسية إلى احتواء الصراع والحفاظ على قنوات التفاوض، بما يعكس توجها أقرب إلى منع تفكك الدولة الإثيوبية من تشجيع تغيير السلطة بالقوة. وهكذا يعمل العامل الخارجي في اتجاهين متعاكسين؛ فخصومات أديس أبابا مع بعض جيرانها ربما تفتح أمام معارضي آبي مساحات أوسع للتواصل والمناورة، بينما تدفع القوى الأفريقية والغربية الكبرى نحو كبح التصعيد.
هكذا يظل مسار الصراع الداخلي العامل الأهم في تحديد مستقبل إثيوبيا. فما زال أثر التحالف السباعي الذي أعلن أخيرا محدود الوضوح على الأرض، ولم تتبين بعد قدرته على تحويل تفاهماته السياسية إلى تنسيق عسكري مستدام. لكن مجرد جمع سبع حركات مسلحة من ستة أقاليم إثيوبية محورية، تمتد من الشمال إلى الشرق والجنوب، في مواجهة حكومة أديس أبابا، يكشف حجم التحول الجاري.
Loading ads...
ويأتي ذلك في لحظة تتداخل فيها أزمات البلاد الداخلية مع توترات إقليمية حادة على حدودها مع إريتريا والسودان والصومال. لذلك، لا يبدو الإعلان مجرد حلقة جديدة في سلسلة التمردات الإثيوبية، بل مؤشرا إلى أن البلاد تقف أمام مرحلة قد تعيد طرح الأسئلة الكبرى التي رافقت سقوط نظام الديرغ عام 1991: شكل الدولة، وحدود السلطة المركزية، ومستقبل الفيدرالية، وكيف يمكن إدارة التنافس بين القوميات من دون أن يتحول مرة أخرى إلى حرب مفتوحة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





