لم يعرف التاريخ أمّةً تتحدى القهر بالكوميديا كالأمة المصرية. فالمصريون، مذ كانوا، يجعلون من البؤس متعةً. وكلما نبشت في أحافير التاريخ عثرت للفكاهة المصرية على أثر. المنقّب المدقق في آثار مصر ورسومها، وما فيها من جلال وهيبة، قد يروّعه أنّ هذه العجائب الموحشة بدعتها أزاميل شعب ساخر منذ طفولة التاريخ.
منذ القديم، كما يقول الباحث والأديب المصري أحمد أمين (تـ1954)، عُرف المصريون بالفكاهة الحلوة والنادرة اللطيفة، "كما عُرفوا بالإعجاب بها والجدّ في طلبها والإمعان في الضحك منها"، كما أورد في الجزء الأول من كتابه "فيض الخاطر". وقد حفظ لنا الدهر بقيةً من طرائف قدماء المصريين، منها ما دُوّن في البرديات، ومنها ما نُقِش على جدران القبور، ومنها ما رُسم على قطع الفخار واللِّخَاف (ostraca)، بما يشهد لهذه الأمة بآيات الهزل والسخرية، حتى من الفراعنة والأرباب والكهنة.
من تلك البقية رسمٌ جداري يمثّل امرأةً يُظنّ أنها الملكة حتشبسوت، في وضع غير لائق مع مستشارها سننموت، حسب ما نقلت دراسة منشورة في مجلة البحوث الأوروبية للفكاهة.
وكانت الشائعات في ذلك العصر تغمز من قناة الملكة ووزيرها المهندس. ورسم فنان ظريفٌ آخر كاهناً مصرياً من كهنة أنوبيس يعبد فأراً. ولا يخفى ما في هذا من تعريض بالكهنة والديانة المصرية آنذاك. ولما طالت شيخوخة الملك رمسيس الثاني، سمّاه شعبه "الجنرال العجوز". وبلغ من ولع المصريين القدماء بالفكاهة أن جعلوا للضحك والمساخر إلهاً دعوه "بِسْ"، يُصوَّر في هيئة قزم بطين طروب.
والأمثلة في هذا الباب تنبئ بأنّ المصريين أمّة تقدّس الضحك منذ نشوئها، حتى قالت الأسطورة المصرية: خلق الرب آتوم البشر من الدموع وبرأ الآلهة بضحكة مقدسة.
ولم ينقطع المصريون عن حب الهزل والدعابة بزوال دول الفراعنة؛ ففي العصرين اليوناني والروماني عُرف أهل الإسكندرية بحب الضحك والسخرية وتأليف الأبيغرامات والنكت القاسية. وسرت شائعات في الزمن القديم، أنّ أريستوفانِس، الساخر الأعظم في العصور القديمة، كان مصرياً من نقراطس (مستعمرة إغريقية في مصر القديمة موقعها اليوم في محافظة البحيرة).
وبعد خضوع المصريين لروما، سخروا من ولاتهم وملوك الولايات الرومانية، ومن الإمبراطور الروماني نفسه وآلهته.
وكان أهل الإسكندرية يستخدمون المسرحيات الإيمائية (mimes)، للتهكم على الحكام الرومان. وحينما زار الملك هيرود أغريبا، ملك المملكة اليهودية، الإسكندرية في صيف 38 ميلادي؛ أخذ أهل الإسكندرية مجذوباً من المدينة يُدعى كاراباس، وألقوا عليه رداءً مزخرفاً، وصنعوا له من البردي تاجاً وصولجاناً مزيفاً، وشرعوا ينحنون له وينادونه "مارين" (أي "مولانا" بالسريانية)، استهزاءً بالملك اليهودي المعيَّن من الإمبراطور الروماني. كما استخدموا الدراما للإسقاط السياسي، مثل تصويرهم الإله أنوبيس في هيئة عاهر، تعريضاً بالفضائح في عهد الإمبراطور تيبريوس، وسخريتهم من الإمبراطور كاليغولا يوم مقتله، واستخفافهم بالربّات الرومانية مثل ديانا ربة الغابات، ولونا ربة القمر التي جعلوها في هيئة رجل.
وفي أعقاب القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي، وقف الخطيب الإغريقي ديون خريسوستوموس، يخطب في شعب الإسكندرية في العصر الروماني، ونعى عليهم الاستغراق في المزاح قائلاً: "يا أصدقاء، هل لكم أن تتحلّوا لبرهةٍ بالرزانة، وتصغوا إلى كلماتي؟ فإنكم لا تزالون على الدوام مائلين إلى الخفة وقلة المبالاة، ولا ينضب المزاح واللهو والضحك فيكم".
وتراث السخرية عريق في مصر، إلى درجة دفعت خريسوستوموس إلى أن يعلن على الملأ أنه لا يخاف من سخرية أهل الإسكندرية ونكاتهم القاسية التي لم يسلم منها مواطن ولا مسؤول، إذ قال لهم: "لا أخشى صخبكم وضحككم وغضبكم وصفيركم ونكاتكم القاسية، وهي الوسائل التي تُرهبون بها جميع الناس، وتغلبونهم بها في كل مكان، سواء كانوا من العامة أم من ذوي السلطان".
على أنّ الإسكندرية كانت آنذاك مدينةً عالميةً تضمّ الإغريق واليهود بخلاف المصريين. وفي القرن الثاني الميلادي حرّر الإمبراطور الروماني أدريانوس (هدريان)، رسالةً إلى صهره سيرفيانوس يشكو إليه فيها من طباع المصريين، الذين يدبّجون أشعاراً ساخرةً (إبيغرامات) في أغانيهم الشعبية.
وهذا لا يعني الإقرار بأنّ الشعب المصري هو نفسه على ممر العصور، ولكن لما تشابهت الظروف تكررت العوارض. فكلما اشتد شعور المصري بالقهر نفث غضبه بالسخرية. ولعل الأديب الفرنسي من أصل مصري جيلبير سينويه، قد أصاب الحق حين كتب في رواية "المصرية": يولد المصري وفي قلبه بردية مكتوب فيها بحروف من ذهب أنّ السخرية هي المنقذ من اليأس". فإنّ في المصري ميلاً إلى تحويل القهر إلى نكتة، ومقابلة التجبّر بضحكة هازئة.
ولعلّ هذه هي فلسفة المصريين العدمية، التي يتوارثونها جيلاً بعد جيل، وتسري في من يعاشرهم بالأثر والعدوى.
ظلّ حب الضحك والفكاهة في نفوس المصريين بعد الغزو العربي، ولدينا قرائن وشهادات تاريخية تجعلنا نعزو انتشار الفكاهة وحب الضحك في مصر تحت الحكم الإسلامي إلى ضرب من التنفيس عن كبت كظيم، قد يستحيل أحياناً إلى شعور بالعدمية.
هذا العارض النفسي الاجتماعي لاحظه المتنبي في العصر العباسي، حين زار بلاد الأهرام في العهد الإخشيدي، وأوجز في بيته الخالد نوع الفكاهة المصرية ببصيرة عالم نفس قبل أكثر من ألف سنة، إذ قال:
"وكم ذا بمصر من المضحكات/ ولكنـــــــه ضحــــــك كالبكـــا".
وكان المصريون سبَّاقين في مقاومة الطغيان بالفكاهة منذ الدولة الأيوبية، إذ جعلوا من قراقوش، وزير صلاح الدين الأيوبي، أضحوكةً عابرةً للأجيال، بعد أن دوّن الأديب القبطي الأسعد بن مماتي في كتابه "الفاشوش في حكم قراقوش"، طائفةً من النكت التي أطلقها المصريون على هذا الوزير، يسخرون فيها من بطشه وحمقه.
من هذه النكت نادرةٌ تحكي عن جندي "نزل في مركب، وكان به فلاح وزوجته، وكانت الزوجة حاملاً، في سبعة أشهر، وضربها الجندي فسقطت. فذهب الفلاح إلى الأمير بهاء الدين قراقوش، وشكا إليه الجندي، فقال الأمير للجندي: خذ زوجة الفلاح عندك، وأطعمها واسقها، حتى تصير في سبعة أشهر ثم أعدها إلى زوجها. فقال الفلاح: يا مولانا، تركت أجري على الله! وأخذ زوجته وذهب".
وقد لاحظ فكاهة المصريين بعض المؤرخين ومن مرَّ بهم من الرحالة الشرقيين والغربيين، مثل ابن بطوطة، الذي زار مصر عام 1325م، وكتب: "وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو". وابن خلدون، الذي قال، في ما رواه تلميذه المقريزي: "أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب" يقصد من قلة مبالاتهم وإقبالهم على الهزل والدعابة. ولعلها من أقدم الإشارات إلى فكاهة المصريين العدمية.
وتأثير فكاهة المصريين تعدّاهم إلى غيرهم، وأثّر في من خالطهم من الشعوب؛ فقد شاعت في العصر المملوكي أزجال وأشعار ابن سودون اليشبغاوي، صاحب كتاب "نزهة النفوس ومضحك العبوس"، وهو تركي متمصّر، ربما تأثر بظرف المصريين حتى صار من أئمة هذا الباب.
ولدينا شاهد من العصر العثماني على رسوخ هذا الطبع في نفوس المصريين. فقد مرَّ الرحالة التركي أوليا جلبي بمصر عام 1671، ووصف حال المصريين في القاهرة قائلاً: "كلٌ يمضي وقته في الطرب واللذة... ولا تحدث في القاهرة زينات وأفراح دون أن تكون مترافقةً مع أمثال هذه الأمور من الطرب واللذة والبهجة والسرور"، حسب كتابه "سياحتنامة". ولفت نظره الفارق الكبير بين فكاهة القاهرة وصخبها وجدّ إسطنبول ونظامها.
وحاول جلبي تفسير ميل المصريين إلى البهجة بالتنجيم والاقتصاد، في عصور البحبوحة والرخاء، قائلاً: "وأما كثرة السرور والأفراح بمصر فناشئة عن كونها إقليماً آخر، فهي ولاية جزيرة القاهرة... طبع مصر 'زُهري' فلذا يميل شعبها إلى الموسيقى والغناء واللهو والطرب".
وأما التفسير العقلاني فتمثّل في قوله: "إنّ شعبها الكبير العدد، كثير المال الذي يساعده على الإنفاق في الطرب والذوق والصفا". كما عدّ المصريين "ميّالين للطرب واللذة والصفاء والشقاء رغم أنوفهم. فكلما يتمكنون من فرص يقيمون أفراحاً عظيمة".
كما انتبه المؤرخ الأمريكي جين كرستوفر هيرولد، في كتابه "بونابرت في مصر"، إلى أنّ تردّي أوضاع المصريين، تحت الحكم العثماني قبل الحملة الفرنسية، حملهم على السخرية وقلة المبالاة، حيث كانت السلطة يتقاسمها البكوات المماليك والولاة الأتراك، الذين كانوا يعيشون "عيشة الترف والفخفخة على حساب باقي السكان". وكانوا يقيمون احتفالات بهيةً تتخللها عقوبات علنية بشعة، ويعلّق هيرولد: "بينما تقف بقية الشعب يرقبون في سخرية يشوبها عدم المبالاة".
ثم جاء نابوليون يقود جيشاً جرّاراً، وقاومه المصريون بالنكت، وهزئوا بقادة الحملة وجنودها بسخرية مرة، ضاقت بها صدور الفرنسيين، وحظرتها شرطتهم التي اشترطت على عوام مصر "إذا مرّ عليهم جماعة من العسكر مجروحين أو منهزمين لا يسخرون منهم ولا يصفقون عليهم كما هي عادتهم"، كما يذكر المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي في "مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس".
ولم يقتصر استهزاء المصريين بالفرنسيين على العامة بل شمل مثقفيهم أيضاً؛ إذ سخر الجبرتي، من محاولة الفرنسيين إطلاق منطاد للطيران في ساحة الأزبكية، وشبَّهه بأنه "مثل الطيارة التي يعملها الفرّاشون بالمواسم والأفراح" وفق ما ورد في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار".
ودرس شابرول، أحد علماء الحملة الفرنسية، عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين، وراعه انتشار تعاطي الأفيون في المقاهي المصرية، حتى ليدمنه ثلثا الحرفيين، ويتخذه العامة وسيلةً للانتشاء. ووجد أنّ هؤلاء الحشاشين وهم في حالة بهجة شديدة ويقهقهون بملء أشداقهم يكونون "بمثابة تسلية بهيجة للناس بسبب هذيانهم وحركاتهم المجنونة"، حسب ما يورد علماء الحملة الفرنسية في كتاب "وصف مصر: دراسة في عادات وتقاليد سكان مصر المحدثين".
وعندما زار الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير، مصر في الفترة نفسها (بين عامي 1849 و1850)، كتب وفق كتاب "فلوبير في مصر" الذي جمع فيه الباحث الأمريكي فرانسيس ستيمولر، رسائل فلوبير ويومياته وملاحظاته الشخصية: "إننا في أوروبا، نتصور العربي شخصاً غاية في الجد. أما هنا، فهو مرح للغاية، وفنان في إيماءاته وزينته. والختان والزواج على ما يبدو ليسا إلا ذريعة للفرح والعزف الموسيقي".
وفي نهاية القرن التاسع عشر، وجد المستشرق الإنكليزي ستانلي لين بول (1854-1931)، كما ورد في كتابه "الحياة الاجتماعية في مصر: وصف للبلد وأهلها"، أنّ حرافيش مصر يضحكون من القراقوز حتى تؤلمهم جُنُوبهم، فهم يضحكون على أي شيء وكل شيء يصادفونه، ويضحكون أينما رحلوا وحلوا، ومهما كانت همومهم وفقرهم.
تبدّلت فكاهة المصريين بمرور الزمن، حتى ظهرت منتديات الفكاهة وأنديتها في مصر. وكان مقهى "المضحكخانة" في حي السيدة زينب، منتدى المصريين الظرفاء الذين احترفوا الفكاهة. وكان هذا المقهى العجيب "يشترط لدخول مجلسه وضع رسالة في التنكيت والقفش، حتى إذا حازت عنده قبولاً ضُمَّ مُقدّمُها إلى مجلس النادي"، وفق ما يذكر الروائي جمال الغيطاني في "ملامح القاهرة في ألف سنة"، وربما كان هذا المنتدى المصري أول منتديات الفكاهة في المنطقة الناطقة بالعربية.
وجمع ظريف مصري يدعى الشيخ حسن الآلاتي، طُرف ونوادر المضحكخانة في كتاب بعنوان "ترويح النفوس ومضحك العبوس"، طُبع سنة 1889، يشبه في أسلوبه أضاحيك أحد الظرفاء المصريين في العصر العثماني، وهو يوسف بن محمد الشربيني صاحب كتاب "هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف".
وظلت مصر حافلةً بالجمعيات والأندية المشتغلة بالضحك والفكاهة حتى مطلع القرن الماضي، حتى صنّف مثقف مصري يُدعى محمد عمر كتاباً بعنوان "حاضر المصريين أو سرّ تأخرهم"، سنة 1902، شنَّع فيه على انتشار مثل هذه الجمعيات من جهة أنها من مظاهر تأخر البلاد.
وظل المصريون يدمنون الفكاهة، في العصر الخديوي حتى نهاية العصر الملكي، ولا أدلّ على ذلك من ازدهار الصحافة الساخرة في مصر، التي تُعدّ من أعرق دول العالم في هذه الصحافة، مثل صحف "أبو نظارة" (1878)، و"أبو زمارة" و"التنكيت والتبكيت" (1881)، ومجلات "حمارة مُنِيَّتي" (1900)، و"خيال الظل" (1907)، و"الكشكول" (1920)، و"البغبغان" (1924)، و"أبو قردان" (1924)، و"المصيدة" (1925)، و"الخازوق" (1933)، و"آخر ساعة المصورة" (1933) و"الباشكاتب" (1934) و"الصرخة" (1938) و"إشمعنى" و"البعكوكة" التي كانت من أكثر الصحف السيارة نَفاقاً بين عموم المثقفين، و"أضحك" (1946).
وقد غمزت هذه الصحف من قناة الخديوي إسماعيل وأيضاً توفيق وعباس حلمي، وأفراداً من العائلة المالكة وعلى رأسها الملك فؤاد وابنه الملك فاروق. كما انتقدت الأحزاب السياسية مثل الحزب الوطني وحزب الوفد والأحرار الدستوريين، وسخرت من الساسة ورؤساء الحكومة مثل إسماعيل صدقي والزعيم سعد زغلول، ولم يسلم من تهكّمها المندوب السامي البريطاني سواء اللورد كرومر أو اللورد جورج لويد.
وبعد أفول المملكة المصرية، اتخذت السخرية المصرية صورةً أخرى في العصر الجمهوري، الذي كان العصر الذهبي للنكتة المصرية، بعد الارتداد إلى عصور الاستبداد.
وأومأ جيلبير سينويه، إلى ظاهرة التنكيت في عهد عبد الناصر، حيث كتب في كتابه "البكباشي والملك": "اليوم على كل حال، ليس من المستحب أن يجهر المرء برأيه في شوارع القاهرة؛ ومن ثم يتواسى الناس بين جدران المنازل، وفي عتمة المقاهي بتبادل النكت التي سمحت للعامة بالاستمرار في الحياة رغم الجوع والخوف، كما لو أن كل هذه المصائب لا تعنيهم".
ونكأت هزيمة حزيران 1967 هذا الكبت المجتمعي، في هيئة انفجار نووي من السخرية والنكت اللاذعة، التي أزعجت الرئيس عبد الناصر، وخصّص لرصدها وتحليلها جهاز الهيئة العامة للاستعلامات، إلى درجة أنّ الرئيس المصري، بحسب شهادة سكرتيره سامي شرف، "طلب في أحد الأيام من أجهزته وقف النكات السياسية لأنها إسرائيلية المصدر".
وفي المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي في جامعة القاهرة قال عبد الناصر: "بطّلوا نكت"، وفق هشام جابر في كتابه "النكتة السياسية عند العرب"، كما يذكر عبد الله إمام في كتابه "سامي شرف رجل المعلومات الذي صمت طويلاً… عبد الناصر هكذا كان يحكم مصر".
وهذا التلازم بين الكآبة العامة وإفشاء النكت ليس اعتباطاً ولا رمية نرد؛ فالنكتة مقاومة ناعمة للكبت والاستبداد، تخفي وراءها شعوراً باليأس والإحباط. وهذه القهقهة التي وقودها المرارة، لاحظها السفير السوفياتي في مصر بين 1970 و1974، فلاديمير فينوغرادوف، وعدَّ "القدرة على تحمّل المصائب بروح ساخرة" سمةً متأصلةً في المصريين. واسترعت انتباهه النكات التي أطلقوها على الرئيس السادات، حتى قال في مذكراته "مصر من ناصر إلى حرب أكتوبر من أرشيف سفير": "ليس من قبيل المصادفة أن شاعت هذه الطرفة الساخرة التي تقول إنّ نابليون هُزم في مصر بفضل النكات التي استهدفه بها المصريون".
وفي العقود التالية على السادات، فاق استغراق المصريين في السخرية كل حد، حتى لتمتلئ بها اليوم وسائل التواصل الاجتماعي. ومن يتحرَّ كلام المصريين يجد أن ولعهم بالفكاهة يجاوز المعقول، فهم أكثر الشعوب الناطقة بالعربية تفضيلاً للكوميديا.
جاء في دراسة عام 2014، شملت ست دول ناطقة بالعربية، أنّ ثلثي المصريين (66%)، يفضلون البرامج الكوميدية، في حين كان متوسط تفضيلها في العالم الناطق بالعربية 58%". وفي دراسة أخرى عام 2018 شملت سبع دول عربية، قال ثلثا المصريين (66%) أيضاً إنهم يفضلون الأفلام الكوميدية في حين كان متوسط تفضيلها في العالم الناطق بالعربية هو 56%.
والمفارقة الجديرة بالتأمل، أنّ الشعب المصري برغم ولعه بالكوميديا واستغراقه في الضحك والفكاهة، يستقر في ذيل الأمم في مؤشر السعادة. فبحسب آخر إحصاءات مؤشر السعادة العالمي الصادر في عام 2026 تستقر مصر في المرتبة 139 من أصل 147 دولةً.
وعليه، الفكاهة في مصر ليست فكاهة سعادة. والمصريون وإن كانوا أميل إلى الظرف والفكاهة لكنهم أبعد ما يكونون عن الشعور بالسعادة. والسؤال: كيف نفسّر فكاهة المصريين برغم أنهم من أقل شعوب العالم سعادة؟
وإذا كان المصريون يضحكون من غير أن يكونوا سعداء، فهل يستمتعون بالضحك أو يستجيرون به؟ هل تصاب الأمم بضرب من التوعك النفسي؟ هل الفكاهة سمة نفسية اجتماعية متأصلة في أجيال المصريين أم أن ذيوعها والإقبال عليها محاولة نفسية دفاعية للهروب من الكرب؟ وهنا يطل علينا المتنبي برأسه مردّداً أنّه "ضحك كالبُكا".
وهذا العارض في طباع المصريين، أجاد وصفه الكاتب المصري أحمد ضيف (ت. 1945) في الربع الأول من القرن الماضي، حينما وصف المصري بأنه صبور بطبعه، يشتغل أشق الأعمال غير متألم ولا جزع "ومع ذلك فهو ممتلئ نشوة وسروراً، خفيف الروح يميل إلى (التنكيت والتبكيت) فكه المجلس، يمزج الهزل بالجد في حديثه. حلو المعاشرة كثير الضحك بعيد أحياناً عن النظر في المسائل الجدية، كثير التسامح لين الجانب. حتى لقد يقابل كلمة السوء تصيبه من عدو يريد أن ينكل به، أو صديق خبيث يريد أن يهزأ به بقهقهة و(بنكتة بلدية) أو بفكاهة ظريفة".
أن يُخرِج شعبٌ مهرجاً فهذه صدفة سعيدة، أما أن يكون شعبٌ جُلُّه من المهرجين فهذه مأساة. لمَ احتاج المصريون إلى الفكاهة؟ فالسعادة شيء والفكاهة شيء آخر. ومثلما يختلف الضحك عن الفكاهة؛ إذ ليس كل ضحك ينمُّ عن فكاهة، فالدغدغة تُضْحِك دون فكاهة، واستنشاق غاز أكسيد النيتريك يثير الضحك دونما علاقة بالدعابة، فكذلك تنماز الفكاهة عن السرور.
والفكاهة إن كانت تلزم المتعة لكنها لا تكفل السعادة؛ فإن مدمن المخدرات وإن أصاب من المتعة قدراً لا يصيبه الأصحاء، لكن من يجرؤ على الزعم بأنه أسعد منهم حالاً؟ وهكذا شأن مدمني الكوميديا: ظرفاء بمقدار ما هم تعساء. والكوميديا التي لا غرض لها إلا إشاعة الضحك، واستحلاب هرمون الإندروفين حلباً، لا تعدو أن تكون مخدراً لا علاجاً؛ فالسعادة لا تُشترى بالدغدغة ولا بأسطوانة من غاز الضحك.
وما دام الضحك يفرز هرمون الإندروفين المضاد للألم -للضحك مآرب علاجية- فإنْ أدمن المرء الفكاهة استدراراً للضحك، ومن ثم الإندروفين، أفلا يكون هذا من آيات آلامه؟ ويكون ضحكه صورةً أخرى للبكاء؟ ألا يحق عندها أن نوافق نيتشه حين قال إنّ الإنسان قد اخترع الضحك لأنه أشدّ من يحسّ بالألم؟ كأنَّ إدامة الضحك وإدمانه ليسا آيةً على السعادة، بل ربما محاولة للانفلات من الاكتئاب. ولا ننسى في هذا المقام أنّ فولتير حين قال إنّ السماء أفاءت علينا هبتين توازن بهما مشقَّات الحياة: الأمل والنوم، علَّق كانط على الجملة في كتابه "نقد ملكة الحكم"، وأضاف "الضحك".
ويضيق المقام عن استقصاء نظريات الفلاسفة والمفكرين في ربط الضحك والفكاهة بالكبت والاكتئاب، وهي مسائل قمينة بأن يستقل بها مقال آخر. وحسبنا في هذا الموضع الإشارة إلى بعض تأملات فرويد في الفكاهة، التي عدّها في كتابه "النكات وعلاقتها باللاوعي"، من وسائل النفس الدفاعية في مواجهة الصعاب لتلافي الكَدَر ولتحويل المشقة إلى لذة، وهذا الاستنتاج خلاصة ما انتهت إليه الأبحاث الحديثة، التي أجراها علماء النفس المختصون في الدعابة، وأماطوا فيها اللثام عن دور الفكاهة في التحايل على القلق والكآبة.
قد يكون الضحك أحد أقانيم التمرد، وتصير الفكاهة من آلات الاعتراض، لمكافحة القلق والغضب والقنوط. وهذا ما عبّر عنه الدكتور مصطفى حجازي، في كتابه "التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، عندما قال إنّ النكات "من أشكال العدوانية التي تشيع ضد المتسلط، وتتخذ شكل التعبير المقنّع"، وإنها تعتمل في نفس الإنسان المقهور حين يصعب عليه التعبير الصريح، وإنها عدوانية خفيّة وتمرّد برغم الرضوخ الظاهري.
كما أضاف حجازي أنها "ظاهرة يكاد لا يخلو منها مجتمع يعيش أهله في حالة رضوخ". إذ يحاول المواطن المقهور النيل ممن يتسلط عليه، بالحط من قدره والتعالي عليه بضحكة النصر. وعدّ الدكتور حجازي أنّ "محاولة النيل من المتسلط تصبح قيمةً بحدّ ذاتها باعتبارها نوعاً من البراعة والحذق (كما يشيع جماهير المصريين)"، لأنّ المقهور يتربص دوماً بمن يتسلط عليه لينال منه كلما استطاع، وكيفما سمحت الظروف.
ولعل هذا هو سرّ فكاهة المصريين. فهم أمّة تمرّست بالاستبداد وقاست من ألوان المظالم مقدار ما طال عهدها بالحضارة. وقد سبق عباس العقاد في كتابه "جحا الضاحك المضحك"، إلى تفسير هذا العارض، حين قال إنّ المصريين أمة مشهورة من قديم الزمن "بالقفش" والنكتة السريعة" مستوعباً الفارق بين النكتة المصرية ونكت الأمم الأخرى قائلاً: "وإنما تزيد النكتة المصرية بطابع خاص بها وهو الجمع بين التنفيس عن الحرج وبين وصف الحاكمين بالغفلة والبلاهة. وسبب هذا الفارق أيضاً راجع إلى الظروف الاجتماعية لا إلى طبيعة الضحك في النفس الإنسانية".
حقَّ لنا الآن التمييز جيداً بين الشعوب السعيدة والشعوب الفَكِهَة أو بالأحرى "المستجيرة بالفكاهة"، التي تفزع إلى الفكاهة هروباً من القلق وتنفيساً للغضب وعلاجاً للاكتئاب. ولعلّ ما يسري على الأفراد يسير على الشعوب، فما الشعب في المنتهى إلا حاصل مجموع أفراده. وإذا كانت الهستيريا التي تصيب الفرد تصيب الجماعة أيضاً، فماذا يمنع أن يكون الاكتئاب الذي يصيب المرء يصيب الشعب، ويكون استخدام الفكاهة لترويض القهر ودرء القلق والتملص من أعباء الحياة، وإدمان الكوميديا ضرباً من العدوى الهستيرية الخبيثة؟
إنْ كان شرّ البَليّة ما يضحك، فإن شرّ الضحك ما كان عن بلاء، فمن الضحك ما هو وباء.
Loading ads...
إدمان الضحك ومعاقرة الفكاهة جعلا أرض الكنانة أقرب ما تكون إلى سيرك عملاق، تدور فيه فقرة كوميدية واحدة، لا تفتأ تُعاد وتكرر بألف شكل ولون، يؤدّيها مهرّجون غاية في البؤس والتعاسة، وسط عاصفة رملية من القهقهة والتصفيق الحار، وجمهور غارق في ضحك موصول، في هيئة أشبه بهستيريا جماعية. لهذا فإن جاز لنا تنقيح مقولة جيلبير سينويه: يولد المصري وفي قلبه بردية مكتوب فيها بحروف من ذهب: إن هذا الجحا الصغير نتاج 5 آلاف سنة من الانتخاب السياسي للاستبداد وحكم الفراعين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





