2 أشهر
منصات الربح الإلكتروني.. فخ رقمي ينهش الجيوب ويمزق الأسر في إدلب
الأربعاء، 11 فبراير 2026
لم يعد انتشار منصات الربح الإلكتروني في إدلب ظاهرة هامشية أو حالات فردية معزولة، بل تحول خلال العامين الأخيرين إلى ما يشبه "وباءً رقميًا" ضرب مختلف الفئات الاجتماعية، من عمال يوميين ونازحين، إلى موظفين وطلاب جامعات وربّات منازل.
هذه المنصات لم تدخل إدلب دفعة واحدة، بل تسللت تدريجيًا، البداية كانت مع تطبيقات مثل Mystbox وTrannlly، ثم جاءت موجة DOBIBO التي انتشرت بشكل واسع عبر وسطاء محليين ومجموعات واتساب وتلغرام، قبل أن تصل الذروة مع منصة OptCoin ، التي تُعد الأكثر انتشارًا وتأثيرًا من حيث عدد الضحايا وحجم الخسائر.
وتعتمد هذه المنصات على نموذج احتيالي معروف عالميًا باسم "مخطط بونزي"، حيث يتم دفع أرباح المستخدمين الأوائل من أموال المستخدمين الجدد، من دون وجود أي نشاط استثماري حقيقي.
كثير من الضحايا لا يخسرون مدخراتهم فقط، بل يدخلون في دوامة من الديون، والضغط النفسي، والشعور بالذنب، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تفكك أسري حاد، وقرارات مصيرية مثل الطلاق.
قدمت منصة OptCoin نفسها على أنها منصة تداول تعتمد على "بوتات ذكية" قادرة على تحليل السوق تلقائيًا وتنفيذ الصفقات من دون تدخل المستخدم، وتَعِدُ بأرباح يومية ثابتة، مع مخاطر شبه معدومة.
هذا الخطاب التقني يلعب دورًا نفسيًا خطيرًا، لأنه يعطي انطباعًا بأن المستخدم لا يغامر فعليًا، بل يسلم أمواله لـ "نظام ذكي" يعرف ما يفعل.
الخبير الاقتصادي محمود إسماعيل في تصريح لموقع تلفزيون سوريا قال: "في الواقع، لا توجد أي مؤشرات حقيقية على أن منصة OptCoin مرتبطة بأي سوق مالي فعلي، سواء أسواق الفوركس أو العملات الرقمية، فالمنصة لا تمتلك أي تراخيص رسمية، ولا تخضع لأي جهة رقابية معروفة، كما لا توجد عناوين شركات واضحة أو إمكانية لربط الحسابات بمنصات عالمية معترف بها".
ويضيف: "كل ما يراه المستخدم هو أرقام داخل التطبيق، تُصمم خصيصًا لإبقائه داخل المنصة أطول فترة ممكنة".
وأشار "إسماعيل" إلى أن الآلية المتبعة متكررة ومعروفة في هذا النوع من المنصات، حيث يبدأ الأمر بإيداع صغير، يتبعه سحب ناجح لمبلغ بسيط بهدف بناء الثقة، ثم يتم تشجيع المستخدم على زيادة الإيداع بحجة "فتح مستويات أرباح أعلى"؛ وبعد ذلك، تتوقف عمليات السحب بحجج مختلفة، مثل الصيانة، أو التحقق الأمني، أو حتى التذرع بمناسبات عالمية كـ "عيد الشكر"، قبل أن تختفي المنصة بالكامل.
ويوضح الخبير الاقتصادي أن الأخطر في هذه الظاهرة هو أن كثيرا من المستخدمين، وحتى بعد إدراكهم أن المنصة قد تكون احتيالية، يستمرون في الترويج لها بدافع الأمل في تعويض خسائرهم قبل الانهيار، وترويجها في محيطهم الاجتماعي لانهم يحصولن على دعم أكثر وفق فتح حسابات تحت حسابهم الرسمي مما يضاعف الربح وبهذه الطريقة، تتحول الضحية نفسها إلى جزء من شبكة الخداع من دون وعي، وتصبح العلاقات الاجتماعية أداة احتيال غير مباشرة تُستخدم لاستقطاب ضحايا جدد.
من Mystbox إلى Trannlly، ثم DOBIBO، وصولًا إلى OptCoin، تكررت القصة ذاتها بأسماء مختلفة وواجهات أكثر احترافًا، في حين كانت الخسارة واحدة: أموال اختفت، وديون تراكمت، وأسر تفككت، وأفراد دفعوا ثمن الطمع واليأس معًا.
هيام (29 عامًا)، من ريف إدلب، لم تدخل عالم منصات التداول بدافع المغامرة أو حب المخاطرة، بل بدافع الحاجة، تقول في حديثها لـ موقع تلفزيون سوريا إن البداية كانت مع منصة DOBIBO، بعد أن سمعت قصصًا متكررة عن أشخاص من محيطها حققوا أرباحًا سريعة خلال فترة قصيرة.
وتوضح هيام أنها باعت كامل مصاغها الذهبي، والذي كانت قد جمعته على مدار سنوات زواجها، وأودعت نحو 1500 دولار في المنصة بعلم زوجها.
تقول: "في البداية، كنت أرى الأرباح تتراكم داخل التطبيق بشكل يومي، وكانت الأرقام ترتفع أمام عيني، ما جعلني أعتقد أنني أخيرًا وجدت وسيلة لتحسين وضعنا المعيشي”، بعد أسابيع قليلة، توقفت منصة DOBIBO بشكل مفاجئ، واختفت الأموال بالكامل.
لم يكن الأمر مجرد خسارة مالية بالنسبة لهيام، بل صدمة نفسية واجتماعية تقول: "بدأت الخلافات مع زوجي، خاصة بعدما خسرنا كامل المصاغ، كنت أشعر بالذنب يوميًا".
لكن الصدمة الأكبر لم تكن هنا، بدافع الطمع والرغبة في تعويض الخسارة، استدانت هيام مبلغ 2000 دولار من معارفها، وأودعته في منصة OptCoin، التي بدت أكثر احترافًا من سابقتها، بواجهة شبيهة بمنصات التداول العالمية ورسوم بيانية وأزرار تنفيذ صفقات؛ خلال أسابيع، ارتفع رصيدها إلى نحو 8000 دولار.
تقول: "كنت أتابع الرصيد يوميًا، وكنت قريبة جدًا من سحب المال، لكن الطمع جعلني أنتظر ليصل إلى 10 آلاف"، فجأة توقفت المنصة بحجة "عطلة عيد الشكر"، ثم اختفت نهائيًا عندما أخبرت زوجها بالحقيقة، انتهى الأمر بالطلاق.
اليوم، تؤكد هيام أنها ما تزال عاجزة عن سداد الدين، ولم تجرؤ حتى الآن على إخبار والدها بحاجتها إلى 2000 دولار لتسديد ما عليها، "لم أخسر المال فقط، خسرت زواجي واستقراري وثقة عائلتي بي".
أما عبد القادر النجار (33 عام) من مدينة سلقين شمال غربي إدلب، لم يكن يحلم بالثراء أو الرفاهية، بل كان يبحث فقط عن دخل إضافي يعينه على مواجهة ضعف العمل وغلاء المعيشة.
يقول لـ موقع تلفزيون سوريا إن دخوله إلى منصة OptCoin كان في البداية بحذر، وبالحد الأدنى المسموح به وهو 300 دولار، بعد شهر أصبح المبلغ 600 دولار، ثم 1200 دولار، يقول عبد القادر.
ويضيف أنه سحب المبلغ كاملًا في البداية، وقرر التوقف عن التداول، لكنه لم يستطع العودة إلى عمله الطبيعي بعد أن اعتاد على فكرة الربح السريع؛ "أصبحت أقارن بين يوم عمل شاق في النجارة وربح بسيط، وبين أرقام تظهر على الشاشة دون أي جهد"، هذا الشعور دفعه لاتخاذ القرار الأخطر في حياته، قرر بيع منزله الوحيد، وأودع كامل ثمنه، نحو 10 آلاف دولار، في منصة OptCoin، إضافة إلى الأرباح السابقة، يقول: "كنت مقتنعًا أنني خلال أشهر قليلة سأضاعف المبلغ وأشتري منزلًا أفضل لكن المنصة أغلقت فجأة".
يروي عبد القادر أن الصدمة كانت قاسية إلى درجة إصابته بأزمة قلبية نُقل على إثرها إلى المشفى، ويؤكد أنه خسر منزله، وخسر كل ما ربحه سابقًا، "أدركت متأخرًا أن الأرباح التي رأيتها لم تكن حقيقية، بل أرقام مصممة لإبقائنا داخل الفخ".
سامي (39 عام)، موظف في شركة خاصة بريف إدلب، يتقاضى راتباً شهرياً لا يتجاوز 200 دولار، يقول لـ موقع تلفزيون سوريا إنه كان يقتطع جزءًا من راتبه شهريًا على مدار أكثر من عام، بهدف شراء منزل صغير لعائلته، ويفاجأ سامي بأن زوجته، من دون علمه، أودعت مبلغ 1000 دولار في منصة OptCoin، بعد أن أقنعها أحد معارفها بأنها فرصة مضمونة لا تتكرر، وخلال شهر واحد، تضاعف المبلغ إلى 2000 دولار، ثم إلى 4000 دولار في الشهر التالي، "عندما أخبرتني، كانت المنصة قد أغلقت"، يقول سامي.
ويضيف أن الصدمة لم تكن في الخسارة فقط، بل في فقدان الثقة، "هذا المبلغ جمعته بحرمان نفسي وأطفالي من أبسط الأشياء، وعندما ضاع، شعرت أن كل تعبي ذهب هباء"، وانتهى الخلاف بطلاق زوجته، ويؤكد سامي أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لديه.
أما أمينة (40 عامًا)، أرملة من إدلب، تقول لـ موقع تلفزيون سوريا إنها ابتاعت آخر قطعة من مصاغها الذهبي للاشتراك في منصة DOBIBO، قبل أن تُغلق وتختفي الأموال، "لم يكن لدي مصدر دخل ثابت، وكنت أبحث عن أي وسيلة لإعالة أطفالي"، بعد الخسارة، استدانت أمينة 500 دولار من إحدى قريباتها، وأودعتها في منصة OptCoin، على أمل تعويض ما فقدته، لكن السيناريو تكرر بحذافيره، واختفت الأموال مرة أخرى، تقول: "لم يعد لدي ما أبيع أو أستدين خسرت كل شيء، حتى الأمل".
وتعتمد منصات مثل OptCoin على نموذج احتيالي معروف عالميًا باسم مخطط بونزي، حيث تُدفع أرباح المشتركين الأوائل من أموال الداخلين الجدد، من دون وجود أي نشاط استثماري حقيقي.
وتستغل هذه المنصات ضعف الوعي المالي لدى المستخدمين، مستخدمة مصطلحات تقنية مثل "بوتات ذكية" و"خوارزميات تداول" لإضفاء مظهر احترافي ومقنع.
واجهات التطبيقات تحاكي منصات تداول حقيقية، مع رسوم بيانية وأزرار شراء وبيع وهمية، في حين تكون الأرباح مجرد أرقام برمجية لا يقابلها أي رصيد فعلي، والسماح بعمليات سحب صغيرة في البداية يُستخدم كفخ لبناء الثقة، قبل دفع الضحايا لإيداع مبالغ أكبر.
ورغم التحذيرات المتكررة من خبراء الأمن الرقمي والاقتصادي، تستمر هذه المنصات في الظهور بأسماء جديدة، مستفيدة من غياب الأطر القانونية، وضعف الرقابة، وحاجة الناس الماسة للدخل.
في إدلب، لم تقتصر الخسائر على المال فقط، بل امتدت إلى تفكك أسر، وأزمات نفسية حادة، وديون طويلة الأمد؛ قصص هيام وعبد القادر وسامي وأمينة ليست حالات فردية، بل نماذج متكررة لمئات الضحايا الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مدخرات وبلا أمان اقتصادي أو اجتماعي.
وسبق أن حذر مصرف سورية المركزي، في 19 أغسطس من العام المنصرم، المواطنين السوريين من مخاطر التعامل بالعملات الرقمية، عبر بيان توعوي نشره على معرفاته الرسمية، بعد رصده نشاطات وتداولًا غير رسمي لهذه العملات.
وعرف المصرف العملات الرقمية بأنها عملات افتراضية مؤلفة من أكواد رقمية يتم تداولها إلكترونياً عبر الإنترنت، ولا تخضع لأي إشراف أو ترخيص رسمي، ولا تُعد عملة قانونية معتمدة أو صادرة عنه، ما يجعل عمليات البيع والشراء بها غير قانونية.
Loading ads...
وأكد البيان أن التعامل بهذه العملات ينطوي على مخاطر متعددة، أبرزها غياب الإطار التنظيمي، وإمكانية استخدامها في أنشطة غير مشروعة، وصعوبة استرداد الأموال عند التعرض للخسارة، إضافة إلى انتشار عمليات النصب والاحتيال عبر منصات غير موثوقة أو هجمات قرصنة، فضلًا عن التقلبات الحادة في أسعارها. ودعا المصرف حينها إلى عدم الانسياق وراء وعود الأرباح السريعة، مؤكدًا أن المسؤولية الكاملة عن هذا النوع من النشاطات تقع على عاتق المتعاملين بها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





