ساعة واحدة
ليس آخرها إقالة "خيير".. اجتياز هذه التحديات المحك الحقيقي لنجاح الحكومة المغربية
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

دشنت الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ولايتها الممتدة بين 2026 و2031 في سياق سياسي متزامن مع تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، وتطلعات متزايدة لدى الشباب، وتحديات مرتبطة بتصحيح اختلالات ورش الحماية الاجتماعية، واستعادة الثقة في المؤسسات، وتحسين فاعلية السياسات العمومية، في ظل ظرفية دولية معقدة سمته الأساسية التقلب وسيادة اللايقين.
يمكن قراءة الملامح الأولى لظروف الإعلان عن الحكومة الجديدة من خلال أربعة مداخل مترابطة: الإعفاء المبكر لوزيرة منتدبة من طرف الملك بعد تعيينها بأقل من 48 ساعة، وطبيعة التوازنات داخل الأغلبية، والاختيارات التي يتضمنها البرنامج الحكومي، ثم التحديات والفرص التي ستحدد قدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.
أثار إعفاء الوزيرة مديحة خيير، بعد أقل من 48 ساعة على تعيينها، اهتماما سياسيا وإعلاميا لافتا، وقد جاء القرار عقب تداول معطيات إعلامية بشأن إدانة سابقة مرتبطة بها، وانتهى بقبول الملك طلب رئيسة الحكومة إعفاءها، وفق المقتضيات الدستورية المنظمة لتعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم.
تكمن أهمية هذا الإعفاء في دلالته السياسية والمؤسساتية، فمن جهة يكشف التفاعل السريع عن رغبة واضحة في احتواء أزمة محتملة قبل أن تتحول إلى مصدر للتشويش على صورة الحكومة وهي في بداية ولايتها، ومن جهة ثانية يؤشر على خلل في اختبار أهلية المرشحين، ويثير إشكالية المسؤولية السياسية من طرف الحزب الذي اقترحها.
يمكن اعتبار القرار مثالا على التدبير الاستباقي للمخاطر السياسية، إذ فضلت الحكومة احتواء الجدل مبكرا عوض الدخول في مواجهة طويلة مع الرأي العام الذي تبلور في وسائل التواصل الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تبرهن على أن كلفة الخطأ في اختيار المسؤولين قد تكون مرتفعة، خصوصا في سياق تتزايد فيه مطالب النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما سيؤدي مستقبلا إلى ضرورة تحسين إجراءات الانتقاء والتحقق قبل التعيين.
أثار إعفاء الوزيرة مديحة خيير، بعد أقل من 48 ساعة على تعيينها، اهتماما سياسيا وإعلاميا لافتا، وقد جاء القرار عقب تداول معطيات إعلامية بشأن إدانة سابقة مرتبطة بها، وانتهى بقبول الملك طلب رئيسة الحكومة إعفاءها، وفق المقتضيات الدستورية المنظمة لتعيين أعضاء الحكومة وإنهاء مهامهم
تستند الحكومة الجديدة التي ضمت في عضويتها 32 وزيرا ووزيرا منتدبا، إلى أغلبية برلمانية تضم أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بما يوفر لها قاعدة عددية مريحة نسبيا داخل مجلس النواب.
لكن التوزيع الوزاري يكشف عن تفاوت في طبيعة الحضور القطاعي ومراكز التأثير، بحيث يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في موقع مركزي، بالنظر إلى طبيعة القطاعات التي أُسندت إليه، ومن بينها المالية والعدل وعدد من القطاعات المرتبطة بالسياسات الاجتماعية والشباب والمرأة والأسرة والثقافة والتعليم العالي والسكنى والتعمير والعلاقة مع البرلمان، بالإضافة إلى رئاسة مجلس النواب، وهو ما يمنحه حضورا يتجاوز عدد الحقائب إلى امتلاك مواقع مؤثرة في توجيه السياسات العمومية.
أما حزب الاستقلال، فيبدو أن مشاركته تحافظ على قدر من الاستمرارية في موقعه داخل الخريطة الحكومية، من دون أن تعكس بالضرورة تحولا كبيرا في موازين القوة لصالحه.
أما بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فإن مشاركته تثير سؤالا حول طبيعة الوظيفة السياسية التي سيؤديها داخل الحكومة، خصوصا وهو الحزب الوحيد الذي لم يشارك رئيسه في الحكومة، وهو ما يجعل مشاركته أقرب إلى استكمال التوازن الحزبي للأغلبية وتوسيع قاعدتها السياسية، كما أن طبيعة القطاعات المسنودة إليه، تطرح سؤالا حول مدى قدرة الحزب على تحويل مشاركته إلى تأثير ملموس في السياسات والقرارات، خصوصا وأن جميع وزرائه منتدبون لدى وزراء آخرين، باستثناء وزير الصحة الذي لا ينتسب للحزب أصلا، ولكنه شخصية تقنوقراطية استوزرت باسم الحزب.
في المقابل، يتيح وجود حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة فرصة لاستثمار رصيده السياسي والاجتماعي، خصوصا في القضايا التي تتطلب الحوار مع النقابات والفاعلين التربويين والاجتماعيين، ويكتسب إسناد قطاع التربية الوطنية إلى نبيل بنعبد الله أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى مركزية الإصلاح التعليمي وحساسية العلاقة بين الوزارة والفاعلين داخل المنظومة التربوية.
ومن جهة أخرى، يبرز تعيين حسن طارق أمينا عاما للحكومة بوصفه اختيارا يستحق الانتباه، بالنظر إلى أهمية هذه المؤسسة في التنسيق القانوني والإداري للعمل الحكومي وضمان انسجام النصوص والقرارات، غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التعيين ستتحدد من خلال طبيعة الأدوار التي ستضطلع بها الأمانة العامة، ومدى مساهمتها في تطوير السياسة التشريعية وتجويدها.
وبذلك، لا ينبغي اختزال هندسة الحكومة في عدد الحقائب التي حصل عليها كل حزب، بل يتعين تحليلها من خلال ثلاثة عناصر: مواقع القرار، والقدرة على التأثير في الأولويات الحكومية، ومدى امتلاك كل مكون حزبي هامشا فعليا للدفاع عن برنامجه داخل الأغلبية.
رهان الحكومة على التواصل يستبطن هاجس الحذر من معارضة العدالة والتنمية.
من المؤشرات اللافتة في التشكيلة الجديدة الرهان على شخصيات تمتلك حضورا إعلاميا أو قدرة على التواصل السياسي، سواء من خلال خبرتها التدبيرية أو خطابها العمومي أو انتمائها إلى أجيال سياسية أكثر استعدادا للتفاعل مع النقاش العام.
ويبدو هذا الاختيار مفهوما، باستحضار تجربة الحكومة السابقة التي فشلت في التواصل السياسي بالمقارنة مع خطاب المعارضة، وذلك في سياق تتسع فيه الفجوة بين المؤسسات والمواطنين، وتتزايد فيه أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الانطباعات السياسية وفي توجيه النقاش العمومي، فالحكومة لا تحتاج فقط إلى مسؤولين قادرين على تدبير القطاعات، بل تحتاج أيضا إلى شخصيات تستطيع تفسير القرارات، والدفاع عن الاختيارات، والإنصات إلى الانتقادات، وتقديم حصيلة قابلة للنقاش والتقييم.
كما يمكن قراءة هذا الرهان في ضوء حضور معارضة يقودها حزب العدالة والتنمية، الذي راكم تجربة في التواصل السياسي والتعبئة الحزبية بقيادة أمينه العام رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، فضلا عن استمرار النقاش بشأن عدد من الملفات ذات الحساسية الاجتماعية والثقافية، ومنها إصلاح مدونة الأسرة وقضايا الشباب والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والقدرة الشرائية للمواطنين..
لا ينبغي اختزال هندسة الحكومة في عدد الحقائب التي حصل عليها كل حزب، بل يتعين تحليلها من خلال ثلاثة عناصر: مواقع القرار، والقدرة على التأثير في الأولويات الحكومية، ومدى امتلاك كل مكون حزبي هامشا فعليا للدفاع عن برنامجه داخل الأغلبية
قدمت الحكومة برنامجها للفترة 2026-2031، متضمنا أولويات تتعلق بالنمو الاقتصادي، وتقوية الدولة الاجتماعية والتشغيل ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية وتطوير الاستثمار. ومن بين الأهداف المعلنة تحقيق معدل نمو متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وحصر عجز الميزانية دون 3 في المائة، واستقرار التضخم في حدود 2 في المائة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
ويتوزع البرنامج الحكومي على سبع أولويات، تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الإستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب، وبناء اقتصاد قادر على تمويل هذه الطموحات.
ويمثل الالتزام بمحاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح اختبارا أساسيا لمصداقية الحكومة، خصوصا أن مكافحة الفساد لا تتعلق فقط بإقرار القوانين، بل كذلك بفاعلية تطبيقها، واستقلال آليات المراقبة، وضمان تكافؤ الفرص أمام الجميع، وستكون المصداقية رهينة بالانتقال من إعلان النوايا إلى إجراءات واضحة ونتائج قابلة للقياس.
كما يظل تحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية من أبرز انتظارات المواطنين، غير أن توسيع التغطية الاجتماعية لا يضمن وحده جودة الخدمات، ما لم يصاحبه إصلاح للمؤسسات، وتحسين للتدبير، وتوفير للموارد البشرية والمالية، وتقليص للفوارق المجالية في الولوج إلى المرافق العمومية.
ويشكل خلق فرص الشغل أحد أهم معايير الحكم على نجاح الحكومة، ولا يكفي في هذا المجال إعلان أهداف النمو، بل يتعين توضيح كيفية تحويل الاستثمار إلى وظائف مستقرة، وتحسين الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، وتوسيع فرص المبادرة الاقتصادية، خصوصا لدى الشباب.
وتفرض الأوضاع المالية للصناديق الاجتماعية، ولا سيما أنظمة التقاعد، إصلاحات يصعب تأجيلها إلى ما لا نهاية، لكن هذه الإصلاحات تحتاج إلى مقاربة تشاركية توزع الأعباء بصورة منصفة، وتحمي الحقوق المكتسبة، وتراعي الفوارق بين الفئات المهنية والاجتماعية، كما أن ضبط عجز الميزانية ينبغي ألا يتحول إلى هدف منفصل عن تحسين جودة الخدمات العمومية.
تواجه الحكومة الجديدة تحديات معقدة، يتقدمها ضعف الثقة في العمل السياسي واستمرار الانتظارات الاجتماعية وضغط التشغيل وإصلاح أنظمة التقاعد، وتحسين خدمات الصحة والتعليم. كما أن الشباب لا ينتظرون فقط برامج اجتماعية أو فرصا اقتصادية، بل يتطلعون أيضا إلى مؤسسات أكثر إنصاتا، وإلى شعور ملموس بأن المشاركة السياسية قادرة على التأثير في القرارات
كما أن نجاح البرنامج يقتضي ربط السياسات الاقتصادية بالتنمية الترابية، وتعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، وتحسين فاعلية الاستثمار العمومي، وضمان وصول آثاره إلى المناطق والفئات الأقل استفادة.
وعلى هذا الأساس، لا تقاس قيمة البرنامج الحكومي بعدد الوعود التي يتضمنها، بل بمدى وضوح آليات التنفيذ، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، ونشر مؤشرات التقييم، والاستعداد لتصحيح الاختلالات عند ظهورها.
تواجه الحكومة الجديدة تحديات معقدة، يتقدمها ضعف الثقة في العمل السياسي واستمرار الانتظارات الاجتماعية وضغط التشغيل وإصلاح أنظمة التقاعد، وتحسين خدمات الصحة والتعليم. كما أن الشباب لا ينتظرون فقط برامج اجتماعية أو فرصا اقتصادية، بل يتطلعون أيضا إلى مؤسسات أكثر إنصاتا، وإلى شعور ملموس بأن المشاركة السياسية قادرة على التأثير في القرارات.
ومن هنا، فإن أحد الاختبارات المركزية للحكومة يتمثل في قدرتها على تحويل الاستقرار العددي للأغلبية إلى فاعلية سياسية وتدبيرية، فقد تكون الحكومة قوية من حيث عدد المقاعد، لكنها تواجه صعوبات إذا غاب الانسجام بين مكوناتها، أو طغت الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، أو لم تتمكن من بناء علاقة منتظمة مع المعارضة والنقابات والفاعلين المدنيين والشباب.
ومع ذلك، تتوفر أمام حكومة المنصوري فرص مهمة، فاستعداد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 يمكن أن يشكل رافعة لتطوير البنيات التحتية والنقل والخدمات والاستثمار، شريطة ألا تستفيد منه الشركات الكبرى فقط، بل ينبغي أن يمتد أثره إلى المقاولات المتوسطة والصغرى بما يسهم في خلق فرص الشغل وتحسين شروط العيش وتطوير الاقتصاد المحلي، كما يمكن للبرنامج الذي أطلقه الملك والمتعلق بتقليص الفوارق المجالية بميزانية 220 مليار درهم على مدى ثماني سنوات أن يمثل رافعة مهمة للإصلاحات الترابية ومعالجة إشكالات التنمية في المناطق القروية والجبلية المهمشة.
يظل التحدي الأكبر هو بناء قدرة الحكومة على تجديد الثقة في المؤسسات عبر الإنجازات السريعة من جهة وعبر النجاح في امتحان النزاهة والشفافية، وهو ما سيحدد القيمة السياسية الحقيقية لهذه التجربة، فليست العبرة بما أعلنته في بدايتها، بل بما ستنجح في تحقيقه مع نهاية ولايتها
ويظل نجاح هذه الفرص مرتبطا بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الموارد المالية والنفقات الاجتماعية، وبين سرعة الإنجاز وجودة التدبير، وبين الطموح الاقتصادي ومتطلبات العدالة المجالية، بالموازاة مع إرسال إشارات قوية في مجال محاربة الفساد وتحصين الوزراء وكبار المسؤولين من الوقوع في شبهة تضارب المصالح، كما أن مواجهة التحديات المناخية وتقلبات الإنتاج الفلاحي تستدعي سياسات استباقية، لأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يبقى رهين الظروف الطبيعية وحدها.
والخلاصة أن الحكومة المغربية الجديدة ستواجه ظرفية صعبة في سياق تتداخل فيه رهانات الإصلاح مع تحديات الثقة السياسية، ورغم توفرها على أغلبية برلمانية مريحة نسبيا، فإن تعدد الأحزاب واختلاف مواقعها وطموحاتها يفرض قدرا كبيرا من الانسجام والتضامن، وقد أظهر الإعفاء السريع للوزيرة مديحة خيير استعدادا لاحتواء المخاطر السياسية، فيما كشفت هندسة الحكومة عن تمركز مهم لبعض مكونات الأغلبية داخل قطاعات إستراتيجية، وعن رهان واضح على التواصل السياسي.
غير أن هذه المؤشرات تظل أولية، ولا تسمح وحدها بالحكم على مستقبل التجربة الحكومية، فالمعيار الحاسم سيكون هو قدرتها على تحويل البرنامج إلى سياسات عمومية فعالة، وتقديم نتائج ملموسة في التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ومواجهة الفساد وتضارب المصالح، وتقليص الفوارق المجالية.
ويظل التحدي الأكبر هو بناء قدرة الحكومة على تجديد الثقة في المؤسسات عبر الإنجازات السريعة من جهة وعبر النجاح في امتحان النزاهة والشفافية، وهو ما سيحدد القيمة السياسية الحقيقية لهذه التجربة، فليست العبرة بما أعلنته في بدايتها، بل بما ستنجح في تحقيقه مع نهاية ولايتها.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




