الصدمة التي أوقعها نشر فيديو إذلال إسرائيل لمئات من معتقلي ناشطي قافلة الصمود العالمي، بعد قرصنة الأسطول في المياه الدولية في محاولته إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة، وتفاخر الوزير الفاشي إيتمار بن غفير بعملية التنكيل بالمتضامنين، فتح سجالاً واسعاً من ردود الأفعال، التي سمحت لبعض القادة الغربيين باكتشاف أصواتهم ومواقفهم، ووصف وزير خارجية إسبانيا المعاملة بأنها "وحشية ولا إنسانية ومخزية"، وقال رئيس وزراء إيرلندا إنه "مصدوم ومذهول"، وكذلك وزيرة خارجية بريطانيا شعرت بالصدمة، إلى جانب استدعاءات غربية لسفراء إسرائيل للتعبير عن الاستياء من تصرف إسرائيل. الغضب طاول رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو للتبرؤ من سلوك بن غفير، للإيحاء بأن تصرف الإذلال "لا يتماشى مع قيم ومعايير دولة إسرائيل".
تقفز الأسئلة المثيرة للسخرية هنا: أين كانت مواقف الغضب والصدمة الغربية حين كانت إسرائيل تدمر بشكل ممنهج نظام الرعاية الصحية والمدارس، وتنسف المدن، وتقتل أكثر من 72 ألف مدني، وتهجر مليوني إنسان، وتحصرهم في مساحة ضيقة بعد احتلال 63% من غزة؟ وأين كان السفراء الذين تم استدعاؤهم حين أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر ملزمة تجاهلتها إسرائيل؟ أين كانت لغة الاستنكار حين كانت جرائم الإبادة تنقل على الهواء مباشرةً، وحين انتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار 2400 مرة، وفي الوقت الذي تتعرض فيه مجتمعات الضفة الغربية للتطهير العرقي بأدوات إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، ودعم نتنياهو ومنظومة حكومته؟
الاتحاد الأوروبي شاهد على كل ذلك، أصدر بيانات، وأعرب عن قلقه، وأحال مقترحات إلى لجان، ولم يفعل شيئاً من شأنه أن يزعج حليفه الإسرائيلي، أو يعرقل العلاقة التجارية التي تعود بالنفع على رأس المال الأوروبي. لكن مقطع فيديو واحداً لوزير يلوّح بعلم بجوار ناشطين راكعين كان الحد الفاصل، وهذا ما حدث فعلاً. والجدير بالقول أن بن غفير ليس حالة شاذة، وليس عنصراً مارقاً تخجل منه قيم ومعايير إسرائيل، بل هو جوهرها، وعرضٌ واضح لما هي عليه إسرائيل والمؤسسة الصهيونية منذ عقود، والفرق أنه صوّر ذلك ونشره بابتسامة تجعل من المستحيل الحفاظ على وهم سردية "قيم المعايير الديمقراطية الإسرائيلية".
بن غفير ليس حالة شاذة، وليس عنصراً مارقاً تخجل منه قيم ومعايير إسرائيل، بل هو جوهرها، وعرضٌ واضح لما هي عليه إسرائيل والمؤسسة الصهيونية منذ عقود
ربما ما أقدم عليه بن غفير يكون مفيداً جداً للاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، فمن خلال فرض عقوبات عليه، وإدانته، واستدعاء السفراء بشأنه، يمنح القادة الأوروبيون أنفسهم فرصة إظهار غضبهم من دون المساس بإسرائيل ومنظومتها، أو بالاتفاقية التجارية معها، أو مبيعات الأسلحة التي تدعم جرائم الإبادة وتحقق التطهير العرقي على الأرض. وبن غفير هو كبش الفداء الذي يمكن التضحية به لكي تستمر بقية الجرائم، هو ليس المشكلة، بل هو الذريعة التي يمكن من خلالها محاصرة حدود انفجار الضمير الأوروبي.
الاتحاد الأوروبي ليس غاضباً من إسرائيل بحد ذاتها، بل من الصورة والتغطية الإعلامية، وهناك فرق شاسع بين الأمرين، لأنه ببساطة، إن كان بن غفير أو بتسلئيل سموتريتش ونتنياهو وغيرهم، أولئك أحفاد وأبناء عصابات الأرغون وإيتسيل والهاغاناه والبلماخ، من قتلوا وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت عام 1948، وقاموا بتفجير فندق الملك داوود بالقدس عام 1946، الذي كان المقر الإداري لسلطات الانتداب البريطاني آنذاك في فلسطين، وقتلوا 91 شخصاً من بينهم بريطانيون وعرب ويهود، تلك العصابات الإرهابية، وفق تصنيف سلطة الانتداب البريطانية، أصبحت عماد "الجيش الإسرائيلي" المدعوم من المؤسسات الغربية.
وعصاباتهم بالأمس واليوم هي من اعتدت على الناشطين الأوروبيين الذين كانوا يتضامنون مع الفلسطينيين في نعلين وبلعين في الضفة الغربية، وهم من قتلوا بالجرافة المتضامنة الأميركية راشيل كوري عام 2003 في رفح بقطاع غزة، وهي إسرائيل نفسها التي اعتدت في أيار 2025 على وفد يضم 25 سفيراً وقنصلاً، بينهم دبلوماسيون أوروبيون وعرب، في مخيم جنين شمالي الضفة الغربية، في المكان نفسه الذي قتلت فيه إسرائيل الصحفية الأميركية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة. وقررت كل من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال والدنمارك استدعاء سفراء إسرائيل حينها، والمؤسسة الصهيونية هي التي ترهب، مع الولايات المتحدة، المقررة الأممية لفلسطين، وتهاجم المحاكم الدولية وأمين عام الأمم المتحدة ووكالة الأونروا، التي دمرت كل مقارها في غزة وأغلقت في القدس.
اعتقلت إسرائيل 425 شخصاً من 44 دولة في المياه الدولية، وقيدتهم، وأجبرتهم على الركوع، وتباهى بصورة إذلالهم بن غفير بطريقة سادية متبعة ليس مع آلاف المعتقلين الفلسطينيين فقط، بل مع كل الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة والأغوار والقدس وغزة، ومع كل من يتضامن مع عدالتهم.
لم يكن ناشطو أسطول الصمود العالمي مجرمين، بل متطوعون إنسانيون يسعون لإيصال مساعدات إلى شعبٍ يعاني من الجوع والقصف والحصار والنزوح منذ أكثر من عامين. اعتقلت إسرائيل 425 شخصاً من 44 دولة في المياه الدولية، وقيدتهم، وأجبرتهم على الركوع، وتباهى بصورة إذلالهم بن غفير بطريقة سادية متبعة ليس مع آلاف المعتقلين الفلسطينيين فقط، بل مع كل الشعب الفلسطيني في الضفة المحتلة والأغوار والقدس وغزة، ومع كل من يتضامن مع عدالتهم.
حدود انفجار الضمير الأوروبي من سلوك الفاشي بن غفير، لا من سلوك دولة الأبارتهايد والمؤسسة الصهيونية، تصطدم باستخدام مقاييس خاطئة ومنافقة بحدود مخزية، في لوم عنصرية وتطرف بن غفير فقط، لتجرئه على إذلال "البيض" الأوروبيين بشكل واضح، من دون حصار المؤسسة الصهيونية وفرض عقوبات عليها. ذلك الغضب لن يغير العقلية والسلوك المستمرين منذ ثمانية عقود. المتضامنون مع فلسطين وغزة، بعد اعتقالهم، رُحّلوا إلى بلدانهم، وبقي على الأرض أصحابها بملايينهم يتعرضون لعمليات إذلال وتعذيب واغتصاب وقتل وتهجير وتدمير كل ظروف الحياة اللازمة للسكان.
لم يتفجر الغضب الأوروبي من تقارير وصور وشهادات عن تعرض آلاف المعتقلين الفلسطينيين لعمليات تنكيل وتعذيب وإهمال حتى الموت، ولا من قانون إعدامهم الذي سنّه بن غفير. قشرة الغضب الأوروبية من إرهاب وعنصرية إسرائيل ستبقى متجوفة من وسائل ضغط وغضب يلجمان إرهاب الدولة، لكن الصورة لبن غفير مع إذلال المتضامنين الأوروبيين لن تحفظ إطارها المتصدع الآخذ بالانتشار في شوارع غربية بدأت بعملية قيء ما بجوفها لصعوبة هضم نفاق حكوماتها لإرهاب دولة ينهار عنها ثوب ادعاء الانتماء لقيم ومعايير غربية. فإسرائيل تفاجئهم بما لا يشتهون من حقائق، وتنغص عليهم الزهو المستمر بفاشيتها، والصدمة وحدها لا تكفي، طالما بقي الضمير الغربي ملتبساً ومشبوهًا في التباكي على القانون الدولي الإنساني، ويصبح شأناً ثانوياً إن ارتبط بسلوك إرهاب الدولة في إسرائيل، وفي أشد أوقات جرائم العصر وضوحاً.
Loading ads...
حدود انفجار الضمير الأوروبي من سلوك الفاشي بن غفير، لا من سلوك دولة الأبارتهايد والمؤسسة الصهيونية، تصطدم باستخدام مقاييس خاطئة ومنافقة بحدود مخزية، في لوم عنصرية وتطرف بن غفير فقط، لتجرئه على إذلال "البيض" الأوروبيين بشكل واضح، من دون حصار المؤسسة الصهيونية وفرض عقوبات عليها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
زلزال بقوة 5.2 درجات يضرب وسط تركيا
منذ ساعة واحدة
0
حدود انفجار الضمير الأوروبي
منذ ساعة واحدة
0
الشرع في قمة السبع
منذ ساعة واحدة
0

