42 دقائق
يزن غرامات ويشع نورا.. اكتشاف أصغر مفترس في أعماق المحيط الهندي
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026
في أعماق المياه المحيطة بجزر موريشيوس بالمحيط الهندي، يعيش نوع جديد مكتشف حديثا من أسماك القرش، حياة غامضة على بعد مئات الأمتار تحت سطح البحر، ولا يُعرف سوى القليل عن حياته والبيئة التي يعيش فيها.
وفي دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في مجلة "أوشن ساينس فاونداشن"، وصف العلماء هذا القرش رسميا باسم "إتموبتروس بولبوسوس"، وأطلقوا عليه الاسم الشائع "القرش الفانوسي كبير الأنف"، في إشارة إلى ما وصفوه بـ"خطمه الكبير المنتفخ".
وعلى خلاف الصورة التقليدية المرتبطة بأسماك القرش، والتي غالبا ما تتعلق بكبر الحجم، يلفت النوع الجديد الانتباه بصغر حجمه، إذ يبلغ طول العينة التي وصفها الباحثون 21.5 سنتيمترا فقط، مما يجعل السمكة قادرة على الاستقرار بسهولة في راحة يد شخص بالغ.
ويضع هذا الحجم النوع الموصوف حديثا ضمن قائمة المرشحين لنيل لقب "أصغر نوع من أسماك القرش في العالم"، إذ لا يتجاوز الفارق بينه وبين أصغر أسماك القرش في العالم، وهو قرش الفانوس القزم "إتموبتروس بيري"، 3 مليمترات فقط. ويبلغ الطول الأقصى المسجل لهذا النوع نحو 21.2 سنتيمترا، مما يجعل القرش المكتشف حديثا قريبا منه في الحجم.
جُمعت العينة خلال مسح بحثي نفذته سفينة الأبحاث العلمية "الدكتور فريدجوف نانسن" قبالة سواحل موريشيوس عام 2025. والأغرب أن وصف النوع بأكمله يستند حاليا إلى أنثى واحدة فقط، عُثر عليها على عمق يتراوح بين 400 و500 متر، واُنتشلت بواسطة شباك الجر، ثم خضعت للدراسة لتحديد خصائصها ووصف السمات التي تميزها عن الأنواع الأخرى.
وقد تبدو عينة واحدة دليلا غير كافية لإعلان اكتشاف نوع جديد من أسماك القرش، لكن العلماء لا يعتمدون على عدد العينات وحده أو سمة غريبة واحدة فقط، بل يفحصون صفاتها التشريحية ويقارنونها بالأنواع القريبة، ويستخدمون التحليل الجيني للتأكد من أنها تمثل بالفعل سلالة مستقلة.
وفي هذه الحالة، أُدرج النوع الجديد ضمن مجموعة "إتموبتيروس بوسيلوس"، وهي واحدة من 4 مجموعات رئيسية داخل جنس "إتموبتروس" الذي يتميز بتنوع لافت، إذ يضم حاليا 44 نوعا معروفا، تنتظم في مجموعات تطورية تضم أنواعا وثيقة الصلة ببعضها، وتتشارك خصائص شكلية متشابهة، مما يجعلها واحدة من أكثر مجموعات أسماك القرش تنوعا.
وكغيره من أفراد هذه المجموعات التي تحمل اسما يعبر بدقة عن طبيعتها، يمتلك القرش الجديد القدرة على إصدار الضوء من جسمه، وهي خاصية معروفة باسم "التوهج الحيوي"، وتنتج عن خلايا جلدية متخصصة تُعرف باسم "الفوتوفورات".
ويُعتقد أن هذه الأنماط المضيئة اللافتة، التي تختلف من نوع إلى آخر، تنتشر بين أسماك القرش الفانوسية التي تتميز بصغر حجمها وعيشها في المناطق العميقة من المحيط، وتؤدي وظائف متعددة، مثل التواصل والتزاوج والتفاعل مع البيئة المحيطة، فضلا عن جذب الفرائس أو تحذير المفترسات وإبعادها، كما ترتبط بظاهرة تُعرف باسم "التمويه بالإضاءة المضادة"، وهي إحدى آليات التخفي في البيئة البحرية.
تتميز مجموعة "إتموبتيروس بوسيلوس" التي ينتمي إليها النوع الجديد بوجود علامات ذات تفرعات أمامية قصيرة وسميكة نسبيا، في حين تكون التفرعات الخلفية مبتورة أو ضعيفة.
ويتوافق القرش الجديد مع هذا النمط، لكن هناك سمة أخرى ألهمت الاسم الذي أُطلق عليه، وكشفت هويته الحقيقية بوضوح، وهي خطمه الكبير المنتفخ بوضوح.
وتساعد هذه السمة على تمييزه عن نوع آخر وثيق الصلة، وهو القرش الفانوسي الشوكي "إتموبتيروس سنتوسوس"، الذي يوجد قبالة سواحل شرق إفريقيا ومدغشقر.
ويشير الباحثون إلى أن ثمة تشابه بين النوعين، يتمثل في وجود رقع من "الأسنان الجلدية"، وهي حراشف دقيقة تشبه الأسنان الصغيرة في تركيبها تغطي جلد أسماك القرش. ويمكن أن تكون أشكال وأنماط توزيع هذه التراكيب من السمات التي تساعد في التمييز بين أنواع أسماك القرش المختلفة.
ويوضح ديفيد إيبرت، مدير مركز أبحاث أسماك القرش في المحيط الهادئ التابع لمختبرات موس لاندينغ البحرية في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة، أن النوع الجديد يتميز بخصائص فريدة للغاية تميزه عن جميع الأنواع الأخرى المعروفة، من بينها هذه التراكيب التي تختلف كثيرا لديه عن نظيرتها لدى النوع الأقرب -والوحيد الآخر- الذي يمتلك أسنانا جلدية، إذ تكون متضخمة وتشبه الأشواك، كما تنتظم في مناطق واضحة على الجلد.
ويضيف الباحث المتخصص المعروف بلقب "رجل أسماك القرش المفقودة" لجهوده في البحث عن أسماك القرش الصغيرة وغير المعروفة واكتشافها، في حديثه للجزيرة نت، أن اجتماع الخطم المنتفخ مع الأسنان الجلدية المتضخمة والأشكال المميزة للعلامات الموجودة على جانبي الجسم والذيل يمثل مزيجا فريدا بين الأنواع الأخرى من أسماك القرش الفانوسية، ما يؤدي إلى تمييزه عن أقرب أقاربه المعروفين.
لكنه يلفت إلى أن "سمة الخطم المنتفخ الفريد تخبرنا عن موئله المحتمل أكثر من أي شيء آخر، إذ يشير الخطم المنتفخ الكبير والعين الكبيرة نسبيا إلى أنه يعيش في منطقة المياه المتوسطة العمق، حيث قد تؤدي حاستا الشم والبصر دورا مهما في دورة حياته".
للتأكد من هوية النوع الجديد، لجأ الباحثون أيضا إلى تحليل الحمض النووي، من خلال فحص جزء من جين "السيتوكروم سي أوكسيداز"، الذي يُستخدم على نطاق واسع بوصفه "باركودا جينيا" يساعد العلماء على تحديد الأنواع والتعرف عليها وتصنيفها.
وأظهر التحليل اختلافا جينيا بنسبة لا تقل عن 10.29% مقارنة بأقرب نوع توافرت بياناته لإجراء المقارنة.
وتوضح الباحثة في مختبر علم وراثة أسماك القرش في جامعة ستيلينبوش بجنوب إفريقيا، والمشاركة في دراسة النوع الجديد، ميكايلا فان ستادن أن هذا الاختلاف الجيني يمثل نسبة كبيرة عند المقارنة بين أنواع أسماك القرش، إذ قد تقل الفروق الجينية عن 1% بين بعض الأنواع.
وتشير في حديثها للجزيرة نت إلى أن هذه النتيجة توفر دليلا جزيئيا قويا على أن إتموبتروس بولبوسوس يمثل نوعا مستقلا، وليس مجرد فرد من نوع معروف يتميز بشكل غير مألوف.
وتضيف أن الأدلة الجينية تكتسب في هذه الحالة أهمية خاصة، لأنها تتوافق مع الاختلافات الشكلية المرصودة بين النوع الجديد والأنواع الأخرى المنتمية إلى الجنس نفسه. ويوفر الجمع بين الأدلة الشكلية والجزيئية المستقلة دعما قويا لتصنيف القرش الجديد كسلالة مستقلة.
لكن ثمة تحفظا مهما، فعلى الرغم من أن التحليل الجيني وضع "إتموبتروس بولبوسوس" ضمن سلالة متميزة داخل مجموعة "إتموبتيروس بوسيلوس"، إلا أن العلاقات الدقيقة بين الأنواع المختلفة داخل هذه المجموعة لا تزال غير محسومة.
وتقول ميكايلا إن "الاعتماد على عينة واحدة يعني أننا لا نستطيع حتى الآن تقييم مدى التباين الجيني داخل النوع إتموبتروس بولبوسوس نفسه. ولذلك، تُظهر النتائج الجينية أن الفرد الذي خضع للتحليل يختلف عن العينات المتاحة للأنواع التي أُجريت المقارنة معها، لكنها لا تكشف عن حجم التباين الجيني بين أفراد النوع الواحد".
كما أظهر التحليل دعما إحصائيا ضعيفا لبعض الفروع الأعمق في شجرة الحياة، ما يعني -كما تشير ميكايلا- أن هناك حاجة إلى استخدام علامات جينية أخرى وجمع مزيد من العينات الإضافية من الموقع الذي عُثر فيه على العينة المرجعية والمناطق المحيطة به، لتقييم التباين الجيني داخل النوع.
وتضيف الباحثة المتخصصة في علم الوراثة أنه "يمكن للتحليلات التطورية أن تساعد في الكشف عن الاختلافات الجينية بين الأفراد والجماعات، وتحديد الموقع الدقيق للنوع الجديد ضمن تاريخ مجموعة إتموبتيروس بوسيلوس، وتوفير صورة أكثر موثوقية عن علاقاته التطورية بالأنواع الأخرى".
يثير اكتشاف هذا النوع استنادا إلى فرد واحد أسئلة مثيرة للاهتمام حول عدد أفراده، ومتوسط أحجام البالغين ونظامه الغذائي وطريقة تكاثره، وما إذا كان يقتصر وجوده على المياه المحيطة بموريشيوس.
ويقول ديفيد، الذي اكتشف وصنف أكثر من 40 نوعا جديدا من أسماك القرش، إنه "لا يمكننا حقا معرفة الكثير عن حجم جماعة هذا النوع أو نطاق انتشاره الجغرافي اعتمادا على عينة واحدة"، مضيفا أن "العثور على عينات إضافية قد يساعد في معرفة المزيد عنه، بحسب المواقع التي تُعثر عليها فيها، لكن تظل جوانب كثيرة من حياته غامضة إلى أن تتوافر عينات أخرى".
ويشيع هذا الغموض في دراسة أسماك القرش التي تعيش في أعماق البحار، حيث لا تزال مساحات واسعة من المحيطات محدود الاستكشاف، وقد تؤوي أنواعا لم يكتشفها العلماء بعد، أو لا تتوافر عنها سوى القليل من المعلومات، ولا سيما في الأعماق التي يصعب على سفن الصيد والبحث العلمي الوصول إليها.
ومع ذلك، يشير ديفيد إلى أن هذا الاكتشاف يضيف إلى المعرفة العلمية بتنوع أسماك القرش الفانوسية في جنوب غرب المحيط الهندي، وغيرها من الأنواع التي تعيش في مياه المحيط، ويزيد معرفة الباحثين بتنوع مجموعة إتموبتروس عموما.
ففي أواخر العام الماضي، اكتشف الباحثون نوعا جديدا آخر من أسماك القرش الفانوسية الصغيرة، على أعماق تصل إلى 610 أمتار، خلال مسوحات للتنوع البيولوجي أجرتها هيئة المتنزهات الأسترالية في منطقة متنزه جاسكوين البحري قبالة سواحل غرب أستراليا.
وحتى عندما تُنتشل هذه الحيوانات من الأعماق، فإنها لا تُحدد دائما على مستوى النوع. فقد تصطادها شباك الجر في أعماق البحار عرضا، لكن في غياب مراقبين مدربين وأدلة موثوقة للتعرف إلى الأنواع، قد تُسجل ضمن فئات عامة، بدلا من توثيقها على نحو يضيف معلومات دقيقة عن كل نوع على حدة.
وباعتباره نوعا مكتشفا حديثا، لم يخضع "القرش الفانوسي كبير الأنف" بعد لتقييم حالة الحفظ التي أجراها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. ومع ذلك، تشير التقييمات المتاحة إلى أن معظم الأنواع المعروفة من جنسه لا تُصنف حاليا ضمن الفئات الأعلى تهديدا.
فمن بين 40 نوعا خضعت للتقييم، صُنف 36 نوعا ضمن فئة "الأقل إثارة للقلق"، و3 أنواع ضمن فئة "نقص البيانات"، ونوع واحد ضمن فئة "معرض للخطر".
وبحسب ديفيد، وهو عضو اللجنة التنفيذية لمجموعة أخصائيي أسماك القرش التابعة للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، فإن ذلك يعود جزئيا إلى حقيقة أن معظم هذه الأنواع صغيرة الحجم ولا تقع في شباك الصيد التجاري، ما يوفر لها قدرا من الحماية من تأثيرات أنشطة الصيد، وإن كان ذلك لا يعني أنها بمنأى عن التهديدات، فبعض الأنواع تُصاد بالفعل، مما يستدعي مراقبتها عن كثب.
لكن إدراج نوع ما ضمن إحدى هذه الفئات لا يعني بالضرورة أن العلماء يعرفون الكثير عن حياته أو أعداده. فقد يكون القرش مصنفا على أنه بعيد نسبيا عن التهديدات الحالية، بينما تظل المعلومات المتاحة عن انتشاره وحجم جماعته محدودة.
ويوضح الباحث المتخصص في تصنيف أسماك القرش أن "المعلومات المتوفرة عن العديد من أنواع القرش الفانوسية شحيحة للغاية، لدرجة يصعب معها اتخاذ قرارات مناسبة لحمايتها في الوقت الراهن، إذ إننا لا ندرك تماما التبعات البيئية المترتبة على الانخفاض المحتمل في أعداد هذه القروش".
Loading ads...
وتلفت ميكايلا في ختام حديثها إلى أنه "من شأن توسيع نطاق أخذ العينات ليشمل أنواعا أخرى من جنس بولبوسوس في جنوب غرب المحيط الهندي أن يساعد أيضا في توضيح العلاقات التكيفية والحدود الجغرافية لانتشار الأنواع"، مضيفة أن "الجمع بين هذه البيانات الجينية والمعلومات التفصيلية عن الصفات الشكلية والبيئة التي تعيش فيها هذه القروش سيوفر فهما أكثر اكتمالا للنوع الجديد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





