ساعة واحدة
القراصنة في خدمة الدولة.. أسرار القوة السيبرانية لكوريا الشمالية
السبت، 31 أكتوبر 2026
في كوريا الشمالية، لم تعد القرصنة الإلكترونية مجرد نشاط إجرامي يستهدف سرقة الأموال، بل أصبحت إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الدولة للحصول على العملات الأجنبية، وتعويض عزلتها الاقتصادية، وتمويل برامجها العسكرية والنووية.
وقد أعاد الاختراق الضخم لمنصة "بينانس" في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم، تسليط الضوء على حجم هذه القدرة، وعلى المخاطر التي باتت تواجه قطاعا ماليا رقميا لا تزال أنظمته الأمنية تفتقر إلى مستوى الحماية الأمنية المعمول بها في المصارف التقليدية.
ووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، تعرضت "بينانس" لعملية سرقة قُدرت قيمتها بـ6.3 مليارات دولار، في واحدة من أكبر عمليات الاختراق المسجلة في تاريخ العملات المشفرة.
وقالت المنصة إن حاسوبا محمولا يعود إلى أحد مهندسيها تعرض للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات عن وجود نقاط اختراق إضافية، في مؤشر إلى أن العملية كانت أكثر تعقيدا مما بدا في البداية.
ولم تعتمد العملية، بحسب الصحيفة، على الاستيلاء المباشر على المفاتيح الخاصة التي تتيح الوصول إلى محافظ العملات المشفرة، بل استخدم المهاجمون أساليب معقدة مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة، مع اللجوء إلى أدوات قادرة على تدمير نفسها ومحو آثارها.
ووصف الرئيس التنفيذي المشارك لـ"بينانس"، ريتشارد تنغ، الهجوم بأنه معقد، فيما سارعت الشركة إلى تعليق عمليات السحب والعمل مع جهات إنفاذ القانون، متعهدة بتعويض العملاء المتضررين.
وربطت شركة "تي آر إم لابس" المتخصصة في تحليل معاملات العملات المشفرة الهجوم بمجموعة "تريدر تريتور"، وهي وحدة قرصنة كورية شمالية تربطها تقارير أمنية بالمجموعات المعروفة باسم "لازاروس".
كما أشارت تحليلات شركات متخصصة أخرى، بينها "تشيناليسيس"، إلى تورط قراصنة من كوريا الشمالية، وإن كانت تفاصيل العملية ونسبتها النهائية لا تزال موضع تحقيق.
ويكتسب هذا التحفظ أهمية، لأن تحديد الجهة المسؤولة عن هجوم إلكتروني واسع النطاق يعتمد غالبا على تجميع مؤشرات تقنية واستخباراتية، وليس على دليل منفرد يحسم المسؤولية.
ومن جهتها، ترى صحيفة "نيويورك تايمز"، في تحليل بعنوان "اختراق بينانس بقيمة 6.3 مليارات دولار ليس سوى بداية عصر جديد محفوف بالمخاطر"، ترى أن القضية تتجاوز خسارة منصة واحدة، لتكشف عن مرحلة أكثر خطورة في تطور الجرائم السيبرانية.
فقد أظهرت عملية تتبع الأموال المسروقة أن المهاجمين استخدموا آلاف المعاملات خلال فترة زمنية قصيرة، في نمط يرجح الاعتماد على الأتمتة لإخفاء مسار الأموال وتعقيد مهمة تعقبها.
وتشير الصحيفة إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تمنح القراصنة قدرة أكبر على اكتشاف الثغرات الأمنية واستغلالها، وتسريع عمليات غسل الأموال الرقمية.
ويرى أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل، إيسوار براساد، أن هذه التقنيات يمكن أن تضاعف قدرة المهاجمين على العثور على نقاط الضعف الدقيقة في الأنظمة الإلكترونية. غير أن المدير التقني لشركة "أبوندانت سيكيوريتي" جوشوا ساكس، يلفت إلى أن كوريا الشمالية تمتلك بالفعل مجموعات قرصنة متطورة قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن التطور الجديد قد يجعل القدرات الهجومية المتقدمة متاحة أيضا لجهات أخرى.
وتقدم صحيفة "غارديان"، في تحليل أعده دان ساباغ، محرر شؤون الدفاع والأمن، خلفية أوسع عن اعتماد كوريا الشمالية المتزايد على القرصنة لتوليد الإيرادات.
فالدولة التي تعاني عزلة دولية واسعة وقيودا شديدة على التجارة والتمويل، وجدت في العملات المشفرة مجالا يمكنها من خلاله الحصول على أموال يصعب إخضاعها للرقابة التقليدية.
وتقول الصحيفة إن عمليات السرقة الإلكترونية أصبحت جزءا من إستراتيجية أوسع لتوفير العملات الأجنبية التي تحتاج إليها بيونغ يانغ، بما في ذلك تمويل برامجها العسكرية والنووية.
وتعود هذه الإستراتيجية إلى سنوات، إذ وثقت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، في ربيع عام 2024، أنها كانت تراجع 58 هجوما إلكترونيا مشتبها في ضلوع كوريا الشمالية فيها، استهدفت شركات مرتبطة بالعملات المشفرة خلال الفترة بين 2017 و2023، وقدرت قيمتها بنحو 3 مليارات دولار.
كما أشارت تقديرات أممية إلى أن سرقة العملات المشفرة توفر قرابة نصف دخل كوريا الشمالية من العملات الأجنبية. وقدرت دولة لم يُكشف عن اسمها أن الأموال المسروقة أسهمت في تمويل نحو 40% من برامج أسلحة الدمار الشامل في البلاد.
ولا تقتصر هذه الأنشطة على الهجمات على منصات العملات المشفرة. ففي عام 2016، حاول قراصنة كوريون شماليون تحويل 951 مليون دولار من حساب تابع لبنك بنغلاديش لدى الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وتمكنوا من الاستيلاء على 81 مليون دولار قبل وقف معظم التحويلات.
كما استهدفت عمليات أخرى مؤسسات مالية وأجهزة صراف آلي، فيما أحبط مسؤولون بريطانيون عام 2019 محاولة للسيطرة على أجهزة صراف آلي مرتبطة بـ56 مؤسسة مالية.
ويرى الرئيس السابق للمركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا كياران مارتن، أن قطاع العملات المشفرة يوفر للقراصنة فرصة أكبر من المصارف التقليدية، التي استثمرت مبالغ ضخمة في أنظمة الحماية. فالشركات الناشئة والمنصات الرقمية نمت بسرعة، لكن ضوابطها الأمنية والتنظيمية لم تواكب دائما هذا التوسع.
ويشير مارتن إلى أن القطاع شهد أكثر من 30 عملية اختراق تكبدت فيها الشركات خسائر بلغت في كل منها مئات الملايين أو مليارات الدولارات، في حين أن سرقة أكثر من 100 مليون دولار من بنك تقليدي عبر هجوم إلكتروني ظلت حالة نادرة للغاية خلال العقد نفسه.
وتوضح "غارديان" أن كوريا الشمالية بنت قدراتها في هذا المجال من خلال الاستثمار في تعليم الرياضيات والعلوم، وانتقاء الطلاب المتفوقين في الجامعات وتجنيد بعضهم للعمل ضمن وحدات متخصصة، بينها مجموعات مرتبطة بمكتب الاستطلاع العام، جهاز الاستخبارات الرئيسي في البلاد.
وفي الوقت الذي يظل فيه الوصول إلى الإنترنت محدودا للغاية بالنسبة إلى غالبية السكان، يحصل هؤلاء المتخصصون على فرص للعمل في بيئة تقنية متقدمة، مستفيدين من دعم الدولة وحمايتها.
وبرز اسم مجموعة "لازاروس" دوليا إثر الهجوم الإلكتروني على شركة "سوني بيكتشرز" عام 2014، الذي ارتبط بإنتاج فيلم "ذا إنترفيو"، وهو عمل كوميدي يصور محاولة اغتيال الزعيم كيم جونغ أون. لكن نشاطها تطور لاحقا من الهجمات ذات الدوافع السياسية إلى عمليات تستهدف تحقيق عائدات مالية ضخمة.
ويشير هذا التحول إلى أن القدرات السيبرانية الكورية الشمالية لم تعد مجرد أداة للانتقام أو التجسس، بل أصبحت وسيلة منتظمة للحصول على موارد مالية من الخارج.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز قدرة القراصنة على اكتشاف الثغرات الدقيقة في الأنظمة الإلكترونية واستغلالها.
بواسطة إيسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل
وتكتسب هذه الإيرادات أهمية إضافية في ضوء ما تكشفه مجلة "فورين أفيرز" في تحليل للباحثة جيون بايك بعنوان "أعداء كوريا الشمالية في الداخل: إلى متى ستظل النخب موالية لكيم جونغ أون؟".
ويوضح مقال "فورين أفيرز"، الذي يستند إلى مقابلات مع مسؤولين ودبلوماسيين وعسكريين ورجال أعمال وفنيين سابقين، أن النظام يعتمد في جانب من استقراره على شبكة من الامتيازات والمصالح التي توفرها القيادة للنخب الحاكمة، مقابل استمرار ولائها.
ويشير إلى أن التجارة مع الصين، ومبيعات الأسلحة، وسرقة الأموال إلكترونيا، وإرسال العمال إلى الخارج، كلها مصادر تساعد النظام على توفير الأموال اللازمة لأجهزته الأمنية وبرامجه العسكرية ومكافأة الدوائر المقربة منه.
ولا يعني ذلك أن المقال يربط مباشرة بين النخب السياسية ومجموعات القرصنة، لكنه يضع العائدات السيبرانية في سياق أوسع يتعلق بقدرة النظام على تمويل أدوات بقائه. فالدولة التي يعاني نحو 40% من سكانها سوء التغذية، وفقا للأمم المتحدة، تنفق موارد كبيرة على برامجها النووية وأجهزتها الأمنية، فيما تظل حياة النخبة الحاكمة محكومة بامتيازات مادية واقتصادية لا تتاح لغالبية المواطنين.
وبذلك، لا تبدو سرقة العملات المشفرة مجرد وسيلة لتمويل عمليات منفصلة، بل جزءا من منظومة اقتصادية غير تقليدية تستخدمها كوريا الشمالية للتغلب على العزلة والعقوبات.
وفي الوقت الذي تواصل فيه بيونغ يانغ تطوير ترسانتها النووية وتعزيز قدراتها العسكرية، تفرض عمليات مثل اختراق "بينانس" على المؤسسات المالية الرقمية والحكومات إعادة النظر في مستوى التهديد الذي تمثله مجموعات القرصنة المدعومة من الدول.
وقد لا تكون سرقة 6.3 مليارات دولار نهاية المطاف. فخبرة مجموعات القرصنة المرتبطة بكوريا الشمالية، وضعف الحماية في أجزاء واسعة من قطاع العملات المشفرة، والتطور المتسارع لأدوات الهجوم الرقمي، عوامل تجعل تكرار عمليات بهذا الحجم احتمالا قائما.
Loading ads...
أما التحدي الأكبر، فلا يقتصر على استعادة الأموال بعد سرقتها، بل يتمثل في منع تحول الاقتصاد الرقمي إلى مصدر تمويل مستدام لدول تسعى إلى تجاوز العقوبات وتطوير أسلحة تهدد الأمن الدولي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





