بعد أكثر من عقد من الزمن قضي في ويلات الحرب، وعقوبات خانقة، وانهيار اقتصادي مدمر، تستقطب سوريا اهتماماً متجدداً من المستثمرين الإقليميين والدوليين، الذين يتطلعون إلى استثمار الفرص الهائلة المتاحة في مجالات إعادة الإعمار، وتحديداً في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والعقارات، والخدمات الرقمية.
هذا الاهتمام المتجدد، الذي يأتي في أعقاب عودة دمشق وانخراطها مع محيطها العربي، إلى جانب تخفيف العقوبات الأوروبية، يصطدم، وفقًا لتقرير نشره موقع “ذا ميديا لاين” الأميركي، بواقع مرير من العقوبات المستمرة، والبنية التحتية المدمرة، والمؤسسات الهشة، والأهم من ذلك، الغموض الذي يكتنف مستقبل سوريا السياسي؛ وهي عوامل مجتمعة تجعل من السوق السورية واحدة من أكثر الأسواق خطورةً في المنطقة.
هذا التناقض الصارخ بين الفرصة الهائلة والخطر المحدق هو جوهر الأزمة التي تعرقل مسيرة إعادة الإعمار، فحجم الدمار هائل بكل المقاييس، فقد قدرت أرقام “البنك الدولي” احتياجات سوريا لإعادة الإعمار بما لا يقل عن 216 مليار دولار، مع تقديرات متباينة تتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
هذا المبلغ، الذي يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، هو ثمن الدمار الذي ألحق الضرر بالمنازل والمباني العامة والمرافق الحيوية وشبكات النقل والمواقع الصناعية والخدمات الأساسية على مدى سنوات الصراع.
وبينما يرى بعض المحللين والمستثمرين أن هذا الدمار الكارثي قد خلق فرصة نادرة لإعادة بناء البلاد بأكملها تقريباً، بدءاً من شبكات الكهرباء والطرق والجسور وصولاً إلى الإسكان والخدمات المصرفية”، يؤكد آخرون أن سوريا لا تزال بيئة عالية المخاطر، حيث يمكن للغموض السياسي، وهشاشة المؤسسات، وضعف الأنظمة المالية أن يعطلوا أو يبطئوا أي استثمارات كبرى.
أصبحت إعادة الإعمار في سوريا ساحة معركة اقتصادية بامتياز، تتجاوز بكثير مجرد عقود البناء، وفي هذا السياق، قال المحلل والباحث في الشؤون السورية، مصطفى النعيمي، إن مرحلة ما بعد الحرب في سوريا لن تُحسم بالسياسة أو القوة العسكرية فقط، بل بالاقتصاد أيضاً، وفق ما نقل عنه وقع “ذا ميديا لاين”.
أضاف النعيمي: “إن إعادة بناء بلد بحجم سوريا يعني عقوداً بمليارات الدولارات ونفوذاً طويل الأمد على قطاعات استراتيجية مثل الكهرباء والطاقة والموانئ والاتصالات والبنية التحتية”، لافتاً إلى أن التطورات الحالية تشير إلى بداية منافسة مبكرة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين للسيطرة على اقتصاد “سوريا ما بعد الحرب” قبل أن تتضح ملامح عملية إعادة الإعمار بشكل كامل.
على صعيد القطاعات الواعدة، تحتل الكهرباء موقع الصدارة في اهتمام المستثمرين، وذلك بسبب النقص المزمن والدمار الواسع الذي حل بمحطات التوليد وخطوط النقل.
يرى رجل الأعمال السوري السعودي، نبيل المظلوم، أن هذه الأزمة هي فرصة استثمارية بحد ذاتها، حيث قال إن أزمة الكهرباء خلقت طلباً كبيراً على الاستثمار في توليد الطاقة، والطاقة الشمسية والمتجددة، وتحديثات النقل، والمشاريع التي تهدف إلى تقليل العجز الكبير في الطاقة في البلاد.
ويؤكد المظلوم أن الطلب المحلي على الطاقة يجعل من هذا القطاع واحداً من أكثر القطاعات جاذبية، خاصة وأن الكهرباء هي شريان الحياة لإعادة تشغيل المصانع والأنشطة التجارية والخدمات الأساسية.
ولكن إعادة الإعمار ليست مجرد أرقام وعقود؛ إنها قضية سياسية وجودية بامتياز، فالغموض السياسي يلقي بثقله على كل تفصيلة، بدءاً من النزاعات على ملكية الأراضي وحقوق اللاجئين، ومروراً بالامتثال للعقوبات ومخاوف الفساد، وصولاً إلى التفتت الإقليمي والمسائل السياسية العالقة.
هذه العوامل جميعها ستحدد من سيستفيد بالفعل من إعادة الإعمار، وما إذا كان السوريون النازحون سيتمكنون من العودة إلى منازلهم ومجتمعاتهم التي غيرتها الحرب إلى الأبد.
وسط هذه التعقيدات، تبدو الحكومة السورية واعية بأهمية جذب الاستثمارات الأجنبية، فقد صرح رئيس قسم دعم المستثمرين في إدارة شؤون المغتربين بوزارة الخارجية السورية، عادل الشمري، بأن الحكومة تدرك أهمية رؤوس الأموال العربية والأجنبية لأي انتعاش اقتصادي مستقبلي.
أضاف أن المسؤولين يعملون على تشجيع الاستثمار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والعقارات، مع الاعتراف بأن العقوبات والقيود المصرفية لا تزال تشكل عقبات رئيسية أمام الشركات ورجال الأعمال.
على الجانب الآخر، يتبنى بعض رجال الأعمال نظرة أكثر تفاؤلاً وطموحاً، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، فرجل الأعمال اللبناني، رؤوف أبو زكي، وصف سوريا بأنها واحدة من أهم فرص الاستثمار طويلة الأجل في المنطقة، محذراً من أن “من ينتظر حتى تستقر سوريا تماماً سيدخل متأخراً جداً”.
وأضاف أن حجم الدمار خلق طلباً في جميع القطاعات الرئيسية، وأن انخفاض تكاليف التشغيل والعقارات قد يوفر فرصة استثمارية فريدة مقارنة بالأسواق العربية الأكثر تطوراً.
في الوقت نفسه، لا يزال الحذر هو السمة الغالبة، حيث يفضل العديد من رجال الأعمال العرب مراقبة الوضع عن كثب والانتظار حتى يزول الغموض ويتحقق المزيد من الوضوح القانوني والسياسي قبل اتخاذ أي خطوة جادة.
وتقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم، متأرجحة بين كونها سوقاً لإعادة الإعمار تجذب أنظار العالم، وكونها بيئة استثمارية فائقة الخطورة تردع كبار المستثمرين، فالفرصة سانحة بلا شك، لكن الخطر لا يقل عنها حجماً.
Loading ads...
ولن يتوقف أي انتعاش اقتصادي حقيقي في المستقبل فقط على تدفق رؤوس الأموال، بل سيكون مرهوناً بشكل أساسي بحسم مسألة السلطة والشرعية، وتوفير بيئة سياسية وقانونية وإدارية يمكن التنبؤ بها وتلهم الثقة، فالغموض السياسي، الذي يُعد العائق الأكبر، لن يتبدد بمفرده؛ إنه جوهر الأزمة التي تعرقل حلم إعادة إعمار سوريا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



