2 ساعات
الأسبوع العلمي في جامعة حلب.. بين الدور الأكاديمي وحدود الواقع
السبت، 25 أبريل 2026
يمثِّل تنظيم الأسبوع العلمي في جامعة حلب مناسبة ذات دلالة أكاديمية تتجاوز إطار الأنشطة العلمية التقليدية، إذ يطرح تساؤلات تتعلَّق بوظيفة الجامعة ودورها في السياق السوري الراهن. وتشير عودة قاعات المحاضرات لاستضافة فعاليات علمية تتضمن أبعاداً معرفية وقيمية إلى حضور يتجاوز الطابع المؤقَّت، ممَّا يعكس توجُّهاً نحو استعادة الدور المؤسسي للجامعة بعد فترة من التراجع في فاعليتها. ويرتبط هذا الحضور بواقع معقِّد يستدعي قراءة تتجاوز الانطباعات الأولية نحو فهم أوسع للسياق العام.
يحمل الأسبوع العلمي في جامعة حلب دلالة واضحة تتعلَّق بعودة النشاط الأكاديمي إلى الواجهة، فتنظيم المحاضرات، وعرض الأبحاث، وإقامة الفعاليات العلمية المتنوعة، يعكس رغبة في إعادة الجامعة إلى موقعها الطبيعي بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة، هذه العودة حتى وإن جاءت ضمن إطار محدود زمنياً، تشير إلى وجود إدراك متزايد لأهمية الدور العلمي في إعادة بناء المجتمع.
ويمكن النظر إلى هذا النشاط الأكاديمي بوصفه محاولة لإحياء وظيفة غابت أو تراجعت خلال سنوات طويلة، فالجامعة، في جوهرها، فضاء لتوليد الأفكار، ومجال لتشكيل الوعي النقدي. وحين تعود هذه الوظيفة إلى الظهور، حتى ضمن فعاليات محدَّدة، فإنَّ ذلك يحمل قيمة تتجاوز حدود الحدث نفسه؛ لأنَّه يعيد الاعتبار لفكرة المعرفة كقوة فاعلة في المجتمع. ويطرح هذا الإحياء سؤالاً يتعلَّق بطبيعته، مفاده هل نحن أمام عودة فعلية للإنتاج العلمي، أم أمام إعادة عرض لما هو قائم؟ الفارق بين الحالتين جوهري؛ لأنَّ إنتاج المعرفة يتطلَّب بنية مستمرة، في حين عرضها يمكن أن يتمَّ ضمن إطار مؤقَّت، وبهذا المعنى يصبح الأسبوع العلمي إطاراً لإظهار الواقع القائم أكثر ممَّا يسهم في تأسيس ما ينبغي أن يكون.
لا يمكن إنكار أنَّ عرض الأبحاث والمشاريع يسهم في تحفيز البيئة الأكاديمية، ويمنح الطلاب والباحثين فرصة للتفاعل وتبادل الخبرات، غير أنَّ هذا الدور يبقى محدوداً إذا لم يرتبط بمسار مستدام يدعم البحث العلمي على المدى الطويل، فالمعرفة تبنى عبر تراكم مستمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، وموارد كافية، وإرادة مؤسساتية واضحة. من زاوية أخرى، يحمل الحدث بعداً رمزياً لا يمكن تجاهله، فتنظيم أسبوع علمي في جامعة عريقة مثل جامعة حلب يرسل رسالة تتعلَّق بقدرة المؤسسة الأكاديمية على الاستمرار رغم التحديات، هذه الرسالة موجهة إلى الداخل، لتعزيز الثقة، وإلى الخارج، لإعادة تقديم صورة الجامعة كفاعل علمي، غير أنَّ هذا البعد المعرفي، رغم أهميته، يظلُّ بحاجة إلى ما يدعمه على أرض الواقع، حتى لا يتحوَّل إلى صورة منفصلة عن المضمون.
رغم ما يحمله الأسبوع العلمي من دلالات إيجابية، فإنَّه يكشف في الوقت نفسه حدود الواقع الذي تعمل ضمنه الجامعات السورية، فالبيئة الأكاديمية لم تعد كما كانت، وقد تأثَّرت بعوامل متعددة، من بينها هجرة الكفاءات، وضعف الموارد، وتراجع البنية البحثية، هذه العوامل لا تختفي بمجرد تنظيم فعالية علمية، بل تستمر في التأثير وقدرتها على أداء دورها بشكل كامل. فهجرة العقول، على وجه الخصوص، تشكِّل تحدياً جوهرياً، لأنَّها تعني فقدان تراكم معرفي وخبرة طويلة، ومع غياب هذه الكفاءات، يصبح من الصعب الحفاظ على مستوى بحثي متقدِّم، أو تطوير مشاريع علمية ذات أثر واسع، بذلك يبدو الأسبوع العلمي كجهد يسعى إلى تعويض جزء من هذا الغياب، من دون أن يكون قادراً على معالجته بشكل جذري.
كما يطرح موضوع التمويل نفسه بوصفه عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل البحث العلمي، فالإنتاج المعرفي يحتاج إلى استثمار مستمر، سواء في المختبرات أو في دعم الباحثين أو في توفير بيئة ملائمة للعمل الأكاديمي، وفي ظلِّ محدودية الموارد، تصبح الفعاليات العلمية محكومة بإمكانات محدَّدة، ممَّا ينعكس على حجمها وتأثيرها. كما أنَّ البيئة الأكاديمية تحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح بتطور المشاريع البحثية على المدى الطويل، فالبحث العلمي بطبيعته عملية تراكمية، لا تحقق نتائجها بشكل فوري، بل عبر مسار يمتدُّ لسنوات، وفي غياب هذا الاستقرار، يصبح من الصعب الحفاظ على استمرارية العمل، أو بناء تقاليد بحثية راسخة.
في الواقع لا يمكن اختزال المشهد في هذه التحديات فقط، فتنظيم الأسبوع العلمي يشير إلى وجود رغبة في استعادة الدور الأكاديمي، وإلى محاولة لإعادة بناء ما يمكن بناؤه ضمن الظروف القائمة، هذه الرغبة حتى وإن كانت محدودة، تمثِّل نقطة انطلاق يمكن البناء عليها، إذا ما تمَّ دعمها بخطوات أكثر عمقاً واستمرارية. في هذا الإطار، يمكن فهم هذا النشاط الأكاديمي كجزء من عملية أوسع تتعلَّق بإعادة تعريف دور الجامعة في المجتمع السوري، إذ لم تعد الجامعة قادرة على العمل ضمن نفس الشروط السابقة، لكنَّها ما تزال تمتلك إمكانية للتكيف، وإعادة إنتاج دورها بطرق جديدة، وهذا التحوُّل لا يحدث دفعة واحدة، بل يحتاج إلى خطوات تدريجية، قد تبدأ بفعاليات محدودة، ثمَّ تتوسع مع الوقت.
Loading ads...
ختاماً، يتَّجه التساؤل نحو الأثر البنيوي للأسبوع العلمي، من حيث قدرته على التحوُّل إلى منطلق لمسار أكاديمي متصل يتجاوز حدود اللحظة الزمنية للفعالية، ليغدو جزءاً من دينامية مؤسسية قادرة على إعادة إنتاج الفعل العلمي واستدامته ضمن إطار منتظم. ويرتبط ذلك بمدى إدماج هذه المبادرات في سياسات أكاديمية طويلة الأمد، بما يضمن انتقالها من مستوى الحدث المؤقَّت إلى مستوى الممارسة المؤسسية المستقرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مجموعة السبع تعرب عن قلقها من التسلح النووي الروسي والصيني
منذ دقيقة واحدة
0




