الكوليسترول واحتمال الوفاة
شاهدتُ على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي مقابلةً مع طبيب يسرد بشكل جدي رصين نتائج دراسة رصدية سويدية ربطت بين مستويات الكوليسترول واحتمال الوفاة عند الإنسان ، وذكر أن تلك الدراسة أوضحت بما لا يدع مجالًا للشك أن ارتفاع نسبة الوفيات كان أعلى عند الذين لديهم مستويات الكوليسترول في الدم منخفضة، وبناء على ذلك فقد استنكر هذا الطبيب تركيز التوصيات الطبية على ضرورة تخفيض الكوليسترول، واستنكر الادعاء بأن ارتفاع مستويات الكوليسترول في الدم عدو لصحة الإنسان! فهل نفهم من ذلك أنه يدعونا إلى عدم تخفيض الكوليسترول؟
المشكلة العلمية في مثل هذه التصريحات هي عدم تنبيه المشاهدين إلى أن ما لاحظته الدراسة السويدية هو وجود علاقة إحصائية وليست سببية بين مستويات الكوليسترول واحتمال الوفاة، أي أن هذه العلاقة هي ملاحظة وليست إثباتًا بأن انخفاض الكوليسترول هو سبب زيادة الوفيات! ولا يمكن أن نستنتج من هذه الدراسة أن تخفيض الكوليسترول يزيد احتمال حدوث الوفاة؛ لأن انخفاض الكوليسترول الذي سجلته هذه الدراسة ربما يكون مؤشرًا أو نتيجة لوجود سبب أو أسباب أخرى لحدوث الوفيات. ولذلك يحتاج إثبات وجود علاقة سببية بين انخفاض الكوليسترول وارتفاع احتمال حدوث الوفاة إلى القيام بدراسة علمية تدرس وتقارن هذه العلاقة بشكل مخطط له مسبقًا لمجموعتين من البشر متماثلتين صحيًا، يتم تخفيض الكوليسترول في إحداهما وعدم تخفيضه في الثانية، ثم تتم متابعة نسبة الوفيات والمقارنة بينهما.
الحقيقة الكاملة عن الكوليسترول واحتمال الوفاة عند الإنسان هي أن نسبة الوفاة تكون مرتفعة فعلًا عند المرضى الذين لديهم مستويات الكوليسترول في الدم منخفضة، ولكن نسبة الوفاة تكون مرتفعة أيضًا عند المرضى الذين لديهم مستويات الكوليسترول في الدم مرتفعة. أي أننا إذا رسمنا مخططًا بيانيًا لمستويات الكوليسترول في الدم مقابل نسبة الوفيات لوجدنا أن هذا الخط البياني يكون بشكل الحرف اللاتيني U؛ لأن نسبة الوفيات تكون مرتفعة عند انخفاض الكوليسترول، وكذلك عند ارتفاعه، وتكون نسبة الوفيات أقل ما يمكن عندما تكون مستويات الكوليسترول في الدم ضمن المجال الطبيعي. وهذا ما لم يذكره الطبيب في مناقشته لنتائج الدراسة السويدية فأصبح ذكره لنصف الحقيقة أكثر ضررًا على صحة البشر.
العلاقة بين الكوليسترول واحتمال الوفاة تشبه تمامًا العلاقة بين قياسات وعلامات حيوية أخرى مع ارتفاع احتمال حدوث الوفاة عند الإنسان، فمثلًا لو درسنا العلاقة بين مستويات السكر في الدم واحتمال حدوث الوفاة لوجدنا أن انخفاض السكر في الدم يرتبط بارتفاع احتمال حدوث الوفاة، وبالمثل فإن ارتفاع السكر في الدم يرتبط أيضًا بارتفاع احتمال حدوث الوفاة، وتكون نسبة الوفيات أقل ما يمكن عندما تكون مستويات السكر في الدم ضمن المجال الطبيعي، ويكون المخطط البياني للعلاقة بين سكر الدم ونسبة الوفيات بشكل الحرف اللاتيني U أيضًا.
Loading ads...
المخطط البياني بشكل الحرف اللاتيني U ينطبق على كثير من المؤشرات الحيوية في الجسم، وإن ارتفاع ضغط الدم أو انخفاضه، وارتفاع النبض أو انخفاضه، وارتفاع وزن الجسم أو انخفاضه، وارتفاع درجة حرارة الجسم أو انخفاضها، وارتفاع درجة الحموضة في الدم أو انخفاضها ... جميع هذه المؤشرات والقياسات الحيوية وغيرها ترتبط بارتفاع احتمال حدوث الوفاة، وتكون نسبة الوفيات أقل ما يمكن عندما تكون مستويات هذه القياسات ضمن المجال الطبيعي. ولذلك، فالنصيحة الطبية السليمة علميًا هي الدعوة إلى المحافظة على هذه القياسات ضمن الحدود الطبيعية ما أمكن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






