في الجانب الآخر، ردت الخارجية الإماراتية ببيان يعكس الحرص على بقاء العلاقات، وعبّرت عن أملها بأن يكون قرار الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية "الشقيقة" مؤقتاً، بما "يحفظ الروابط الأخوية بين الشعبين الشقيقين".
وفيما أكدت تقديرها لعلاقاتها مع جميع الدول، وحرصها الدائم على تطويرها وتعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التفاهم والتعاون والازدهار وتقديرها للشعب الجزائري الشقيق، واعتزازها بالروابط التي تجمع الشعبين، ألمحت الإمارات إلى حرصها على عدم المساس بالجالية الجزائرية المقيمة على أراضيها، وكذلك الزائرين من الجزائر.
ربما مردّ هذا الموقف جزئياً إلى تكرار مثل هذا القرار حيث أعلن الصومال والسودان قطع العلاقات مع الإمارات بالفعل، وتكرّرت الإدانات الدولية والحقوقية للإمارات بالتورط في نزاعات في بعض الدول مثل اليمن والسودان. كما تشهد العلاقات مع السعودية توتراً غير مسبوق في السنوات الأخيرة بعد تحالف متين. وربما لا ترغب أبو ظبي في أن تظهر دولةً مرفوضةً من جيرانها وأشقائها.
لكن المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، كان لديه رأي آخر إذ غرّد على "إكس" بعد قليل من إعلان القرار الجزائري، ومن دون تسمية الجزائر أو تحديد القرار، بقوله: "العلاقات الدبلوماسية تُدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح، لا بالألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فكّ الشيفرات، ولا يمكن أن تكون رهينة احتقان داخلي أو عجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات".
وتابع قرقاش بأن "الغموض ليس سياسة والضجيج لا يعوّض غياب الرؤية، والدبلوماسية الناجحة تقوم على وضوح المواقف وحسن إدارة المصالح والاختلافات. وما عدا ذلك ليس سوى تعبير عن قصور في الرؤية والإدارة".
وكان الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المقرّب من النظام الإماراتي، أكثر وضوحاً في هجومه على السلطة في الجزائر حيث كتب على "إكس": "في الجزائر نظام بوليسي بعقلية تآمريّة أخفق في توفير حياة كريمة لمواطنيه، يهاجر منه 60 ألف شاب سنوياً، يعتمد على النفط والغاز يتوهَّم أن العالم يتآمر ضده، علاقاته متوترة ومتقلبة مع جيرانه، يدير علاقاته مع الإمارات بانفعال، تطاول رئيسه على الإمارات بعبارات بذيئة ولم تعره الإمارات أي اهتمام".
وفي تلميح إلى عدم اكتراث الإماراتيين بالقرار، أضاف في تغريدة ثانية عبر "إكس": "هذا حديث الشارع الإماراتي: إذا كان حبّ المغرب سيجعل البعض يختار القطيعة معنا في الإمارات... فأهلاً ومرحباً بكل قطيعة… وبكل جفاء... لن نغيّر مواقفنا يا مغرب العز والشموخ، مرحباً بالمغرب دائماً وأبداً بلدٌ عزيز، وشعبٌ عزيز، وأخوّةٌ لا تهزّها المواقف العابرة".
اعتبر متابعون كثر بيان قطع العلاقات الجزائري غامض ومشوّش ولا يحدّد بوضوح حيثيات قرار بهذا الحجم تترتَّب عليه تبعات كثيرة تخصّ شعبين شقيقين. لكن القرار كان متوقعاً وجرى التمهيد له منذ سنوات، وتسارع ذلك في الشهور القليلة الأخيرة.
بدأ تدهور العلاقات بين البلدين وصعدت الخلافات بينهما إلى العلن اعتباراً من عام 2020 والذي تزامن مع بداية حكم الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون، وأيضاً توقيع الإمارات والمغرب والبحرين والسودان على اتفاقات أبراهام، في ما وصفه الرئيس تبون "هرولة" نحو التطبيع.
لاحقاً، لوّح تبون بشكل متكرّر إلى إمكانية قطع العلاقات مع الإمارات التي وصفها بأنها "دويلة". ففي تموز/ يوليو 2026، قال في مقابلة إعلامية: "نتكلم عن دويلة لأن أثرها سلبي جداً ولدينا الأدلة. أينما يضعون أقدامهم يسيل الدم… نريد أن يبتعدوا عنا حتى لا يسيل الدم عندنا"، مشيراً إلى الرغبة في قطع العلاقات معها بأنها "ما يجي منها إلا الدم والفتنة".
كما وصف علاقات بلاده مع جميع دول الخليج بأنها دافئة، باستثناء دولة واحدة، في إشارة إلى الإمارات. واختص العلاقات مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر بوصفها علاقات "أخوية"، متهماً الدولة التي لم يذكر اسمها بالتدخّل في شؤون بلاده والسعي إلى زعزعة استقرارها.
وبينما جرى الترويج إلى أن الانزعاج الأساسي لدى الجزائر من توقيع الإمارات على اتفاقات أبراهام مرتبط بانحيازها للقضية الفلسطينية ومخاوفها من تبعات هذه الاتفاقات على القضية، تبيّنت تدريجياً مخاوف الجزائر من التقارب الإماراتي المغربي وعلى نحو خاص تأثير هذا الاتفاق على الموقف الدولي من قضية الصحراء الغربية التي تمثّل نقطة خلاف رئيسية بين الجزائر والمغرب. وتؤيد الإمارات مطالبة المغرب بالسيادة على المنطقة وقد افتتحت قنصلية لها فيها، فيما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء الغربية.
ومن الملفات الأخرى التي يتهم الإعلام الجزائري الإمارات بمعاداة بلده من خلالها، "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" المعروفة اختصاراً بـ"ماك"، وهي حركة انفصالية تطالب بالحكم الذاتي في الجزائر، وظهر رئيسها ومؤسسها فرحات مهني في الإمارات بشكل متكرّر ودعم الإمارات في خلافها مع الجزائر حتى عقب إعلان القطيعة.
وخلال هذه السنوات الأخيرة، كرّس الإعلام الجزائري الكثير من تغطياته لاتهام الإمارات بالتدخل في شؤون الجزائر الداخلية وفي شؤون دول مجاورة، لا سيما في ما يخصّ ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي حيث تعتبر الجزائر تدخّلات أبو ظبي في هذه المناطق تهديداً مباشراً لأمنها.
جدير بالذكر أن الإمارات وسّعت علاقاتها في عدة دول في منطقة الساحل في السنوات الأخيرة، فيما توتّرت علاقات الجزائر مع بعض جيرانها جنوباً عقب سلسلة من الانقلابات الداخلية.
وفي شباط/ فبراير 2026، باشرت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات التي كانت قد وقعت في أبو ظبي في أيار/ مايو 2013. وردت الهيئة العامة للطيران المدني في الإمارات آنذاك بأن الإخطار الجزائري بشأن إيقاف اتفاقية خدمات النقل الجوي بين البلدين لن يكون له أي "تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية" وطوال مدة الاتفاقية.
وفي تموز/ يوليو 2026، نشرت صحيفة "الخبر" الجزائرية تقريراً بعنوان: "نحو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات"، اتهمت فيه أبو ظبي باستغلال الحرائق في البلاد لترويج "حملات تضليل" من خلال "كم هائل من الأخبار المفبركة والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، حاولت من خلالها دويلة الشر تضخيم المأساة إلى أكبر حجم، محملة السلطات الجزائرية كل ما يحدث".
ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمِّها أن "الجزائر تستعد للإعلان عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع 'إمارة الشر'".
وفي الأسابيع الأخيرة، كثّفت وسائل إعلام جزائرية تغطياتها التي تهاجم الإمارات وتكيل الاتهامات لها، خصوصاً محاولة "إغراق البلاد بالمخدرات والمؤثرات العقلية والعملات المزيفة" إلى البلاد عبر "شبكات" في دبي تحديداً، وذلك بـ"التحالف مع المغرب" في "استهداف غير مباشر لضرب النسيج الاجتماعي وضرب الاستقرار".
كما وضعت الإمارات إلى جانب المغرب وفرنسا في ما أسمته "تحالف الشر" أو "التكتل المعادي للجزائر" في ملف الصحراء الغربية وغيرها من الملفات التي تتعارض فيها مصالح الطرفين.
ودأبت بعض هذه التغطيات على اعتماد تسمية "الإمارات غير العربية"، وإعادة نشر التقارير الدولية والحقوقية التي تشير إلى تورّط الإمارات في النزاعات في السودان واليمن والصومال وغيرها، واتهمت أبو ظبي بالسعي إلى إثارة الفتنة في المنطقة.
حتى بعد إعلان القطيعة، نشر التلفزيون الجزائري محادثة قال إنها جرت عبر تطبيق "ماسنجر" بين مواطن إماراتي وآخر جزائري حضّ فيها الأول الأخير على بث مقاطع فيديو تشوّه بلاده، دون الكشف عن شخصية أي منهما أو تقديم دليل على صحة المحادثة.
عبر مواقع التواصل الاجتماعي، رصد رصيف22 تبايناً واسعاً في مواقف المغردين من البلدين. ففي الإمارات، مال فريق كبير إلى التقليل من شأن القرار الجزائري بالتلميح إلى عدم وجود علاقات عميقة بين البلدين والإشارة إلى أن الجزائر هي المتضررة من القرار لخسارتها الاستثمارات الإماراتية وفرص السياحة من الإماراتيين وغيره من سبل التعاون الاقتصادي الممكنة، في حين تمسّك الفريق الآخر بأن العلاقات بين الشعبين لن تتأثر بقرارات سلطة ستزول حتماً مع انتهاء مدة حكمها. ودعم الفريقان الموقف الرسمي الإماراتي ودافعوا عن قرارات قيادتهم.
أما في الجزائر، فمال كثير من المعلقين عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى الإشادة بالقرار الرسمي، مرددين الاتهامات التي طالما ساقها الإعلام الجزائري لأبو ظبي، ومتوقعين أن يكلّف القرار الإمارات خسائر جسيمة لا سيما بغلق المجال الجوي أمامها. لكن آخرين، دعوا إلى التعقّل والأخذ بعين الاعتبار الجالية الجزائرية في الإمارات والتي تشير تقديرات إلى أنها تتراوح بين 15 و30 ألف شخصاً.
Loading ads...
في غضون ذلك، تبقى تبعات القرار على البلدين، وعلى الشعبين، رهناً بالوقت وبالتنفيذ الفعلي للقرارات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






