دونالد ترمب يغادر البيت الأبيض متجهًا إلى فعالية انتخابية في فلوريدا، 30 أكتوبر 2026 - البيت الأبيض
يرى خالد شاكر أن خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية جاءت ثمرة سياسات ترمب وصداماته الداخلية والخارجية، من الحرب على إيران إلى كلفة المعيشة.
يقولون إن ترمب خسر.. وأقول إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب نجح بامتياز.
فهو حرص كل الحرص، وبذل كل الجهد، على أن يجمع كل عناصر الفشل في بوتقة واحدة، وقرر أن يخوض بها انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ في بلاده، بعد أقل من عامين على بدء ولايته الثانية في يناير/ كانون الثاني 2025. فنجح في أن يقود حزبه نحو الفشل والخسارة؛ إذ صنع توليفة نموذجية وفعالة للفشل بامتياز. فما أبرز عناصر تلك التوليفة؟
بمجرد اتضاح اتجاه نتائج انتخابات الكونغرس، بادر ترمب إلى إلقاء المسؤولية على مرشحي حزبه، وقال إنه لا يرى في تلك النتائج هزيمة شخصية له؛ فهو لم يكن على ورقة الاقتراع. أما البيت الأبيض، فذهب إلى أن الرئيس بذل في الترويج للمرشحين جهدًا أكبر مما بذلوه هم لأنفسهم. لم يكن هذا حدثًا استثنائيًا في المرحلة الترمبية، وإنما نهج ثابت نراه يتكرر في كل مناسبة.
فالسبب في ارتفاع معدلات التضخم، في رواية ترمب، لم يكن رسومه الجمركية الواسعة، وإنما سياسات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول. والسبب في تصاعد الصراع مع إيران حتى بلوغه درجة الحرب المباشرة لم يكن، بحسب خطابه، سوء تقدير الموقف والانقياد للمواقف الإسرائيلية، وإنما الاتفاق الذي وقعه باراك أوباما مع إيران عام 2015. وفي سياق الجدل حول الحرب، قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من رؤساء أميركيين سابقين - بينهم أوباما وجو بايدن وجورج بوش الابن - تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران لكنهم جميعًا رفضوا هذا الخيار.
حتى الأمم المتحدة لم تسلم من اتهاماته فاتهم المنظمة الدولية بما أسماه "عملية تخريب ثلاثية" استهدفته نتيجة حدوث أعطال فنية عند إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة عام 2025. ورفضت الأمم المتحدة تفسيره للأعطال باعتبارها تخريبًا متعمدًا.
وقس على هذا جميع المواقف التي حاول فيها ترمب أن يتنصل من المسؤولية عن أي قرارات خاطئة يتخذها ويحمل الآخرين - خاصة اتهاماته المتكررة للصحفيين ووسائل الإعلام بالكذب والتزوير وبث الشائعات - المسؤولية عنها في سلوكيات طفولية ربما كانت ضمن أسباب تآكل الثقة في شخصه وفي مؤسسة الرئاسة.
من الصعب أن تجد رئيسًا لدولة، أي دولة، في التاريخ المعاصر، نجح في إثارة هذا القدر من الأزمات المتتالية خلال فترة قصيرة كما فعل دونالد ترمب منذ بدء ولايته الثانية في يناير/ كانون الثاني 2025. فمن سلسلة قرارات مفاجئة بفرض رسوم جمركية واسعة على الشركاء التجاريين، وتهديد بفرض رسوم تبلغ 200% على منتجات فرنسية محددة، مرورًا بتصريحاته عن ضم كندا واستعادة السيطرة على قناة بنما، وصولًا إلى الأزمة التي فجرها بسعيه لانتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في حلف الناتو، ومعايرتها بأنها لا تستطيع حماية الجزيرة من روسيا أو الصين، وتهديد الدول التي تعارضه برسوم جمركية.
لم تنته الأمور عند هذا الحد بل صب ترمب غضبا بلا حدود تجاه حلف الناتو فوصفه بأنه نمر من ورق ووصف قادته بالجبناء وأعرب عن رغبته في سحب القوات الأميركية من أوروبا بل وأعلن أكثر من مرة عن رغبته في الانسحاب من الحلف من الأساس. كما شن هجومًا حادًا على دول حليفة للولايات المتحدة مثل بريطانيا وإسبانيا إضافة إلى اتهام تايوان بأنها استحوذت على صناعة الرقائق الأميركية وجعل مستقبل الجزيرة برمته ضمن أوراق تفاوض مع الصين التي لا تعترف أصلا باستقلال الجزيرة بينما تلتزم واشنطن بدعم وتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة بكين.
ومن بين سلسلة الأزمات المجانية كان تعمد ترمب إحراج زعماء العالم وقادته والسخرية منهم سواء من خلال تلميحاته أو ما يعرضه عبر منصته تروث سوشال كما فعل مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر أو الزائرين للبيت الأبيض كما فعل مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس ليبيريا جوزيف بواكاي.
وربما كانت تلك التصرفات التي لا يمكن أن تتطابق مع الصورة النموذجية للرئيس - أي رئيس- ضمن توليفة نموذجية قادت ترمب وحزبه في نهاية المطاف إلى تحقيق هذا الفشل النموذجي في انتخابات الكونغرس.
كانت هذه بعض النماذج من سياساته الخارجية. أما داخليًا، فلم يتردد ترمب في خلق صدام مباشر مع المؤسسات الدستورية في الولايات المتحدة، منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة، من خلال إصدار سيل من الأوامر التنفيذية. وهي أوامر ملزمة ضمن صلاحيات الرئيس، لكنها لا تتيح له تجاوز الدستور والقوانين أو الحلول محل الكونغرس، وتبقى خاضعة للطعن القضائي. ومع خسارة الجمهوريين أغلبيتهم، قد يلجأ ترمب إليها بصورة أكبر للمضي في أجندته.
سرعان ما انتقل التوتر بين ساكن البيت الأبيض وحكام الولايات إلى مواجهات سياسية وقانونية، مع لجوء ترمب إلى نشر قوات الحرس الوطني في مدن، منها لوس أنجلوس، وكذلك في العاصمة واشنطن، تحت عنوان احتواء العنف ومكافحة الجريمة. ولكل من الحالتين إطار قانوني مختلف؛ فواشنطن ليست ولاية، ولوس أنجلوس مدينة في كاليفورنيا.
وقد أثار التصعيد مع كاليفورنيا تساؤلات جدية حول حدود السلطة الرئاسية والحقوق الدستورية للولايات، ومدى قدرة الرئيس على تجاوز اعتراض سلطاتها المنتخبة.
على صعيد آخر لم يترك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مناسبة أو مؤتمرًا صحفيًا حتى كال الاتهامات إلى وسائل الإعلام الأميركية بمختلف توجهاتها بالتزوير والتزييف ونشر الأكاذيب والشائعات وفي مقدمتها "سي إن إن" و"إن بي سي" وواشنطن بوست ونيويورك تايمز.
كما كان يتعمد إهانة الصحفيين والتقليل من شأنهم والسخرية منهم واصفا إياهم بالغباء والسذاجة والحماقة والفساد.
بلغت الأمور ذروتها بأن أصدر ترمب قرارات بمنع دخول ممثلي بعض المؤسسات الإعلامية لتغطية أخبار البيت الأبيض في ضربة مؤثرة لواحد من المبادئ الأساسية التي يفتخر بها المواطن الأميركي العادي بمختلف توجهاته هو مبدأ حرية الصحافة والإعلام في بلاده كما تسببت في نهاية الأمر في ترسيخ صورة الرئيس كشخص متقلب المزاج لا يبحث عن الاستقرار بقدر ما يبحث عن مشاكسة مؤسسات الدولة المختلفة لنزعات شخصية.
بدأ صدام ترمب مع البنية الوظيفية والبيروقراطية في الولايات المتحدة مبكرًا وسريعًا وحاسمًا، من خلال تكليف إيلون ماسك قيادة جهود ما عُرف بـ"إدارة الكفاءة الحكومية"، التي كان من أبرز أهدافها تقليص حجم الجهاز الإداري الفيدرالي. وغادر ماسك دوره الحكومي لاحقًا، قبل أن يخوض مع ترمب معارك كلامية تلتها مؤشرات على تهدئة بين الاثنين.
وفصلت إدارة ترمب نحو 25 ألف موظف اتحادي حديث التعيين في مطلع 2025، قبل أن تبدأ إجراءات إعادتهم مؤقتًا تنفيذًا لأوامر قضائية، ضمن نزاع قانوني استمر حول مشروعية تسريحهم.
واتخذ الصدام مع دواليب العمل البيروقراطية منحى جديدًا حين تأخر دفع رواتب أعداد كبيرة من الموظفين الفيدراليين بسبب الإغلاق الحكومي العام في خريف 2025، الذي امتد من الأول من أكتوبر/ تشرين الأول إلى 12 نوفمبر/ تشرين الثاني. وكان أطول إغلاق عام للحكومة الاتحادية، وسط خلافات الجمهوريين والديمقراطيين على تمويلها؛ وهي صفة تختلف عن أطول إغلاق جزئي، الذي شهدته وزارة الأمن الداخلي لاحقًا في 2026.
وتسبب الإغلاق في أضرار بقطاعات حيوية، مثل السفر الجوي، وأربك برامج الدعم الاجتماعي، ومنها المساعدات الغذائية التي يعتمد عليها أكثر من 40 مليون أميركي، ما ضاعف الضغوط على الأسر والثقة في المؤسسات.
وفي خضم الأزمة، لم يتردد ترمب في التلويح بتسريح آلاف الموظفين الاتحاديين وتجميد تمويل مشاريع، ضمن أوراق الضغط والمناورة مع الحزب الديمقراطي. فهل يمكن أن ينسى ملايين الناخبين وأسرهم هذه القرارات الطائشة التي كان لها تأثير مباشر على حياتهم؟ لعلهم انتظروا انتخابات التجديد النصفي بفارغ الصبر للرد بقوة.
ليس خافيا على أحد أن السياسيين - كل السياسيين- يتمتعون بالحد الأدنى من المهارات اللغوية - وغير اللغوية - للتلاعب بالألفاظ والتنصل من الوعود والتراجع عن التعهدات.. لكن ترمب اندفع في إطلاق ادعاءات كاذبة أو مضللة بهذا الشكل الفاضح على نحو يتناقض مع منطق الأمور والبيانات الرسمية والواقع المعاش.
هذا السيل من التصريحات الكاذبة أو المغلوطة أو المضللة أو المبالغ فيها دفع أكثر من وسيلة إعلام أميركية وعالمية لتخصيص صفحات لتفنيد تصريحات ترمب بشكل دوري خصوصا فيما يتعلق بالأداء الاقتصادي الذي وصفه مرارا بأنه الأعظم أو الأفضل أو الأروع، والعلاقات مع روسيا وأوكرانيا في خضم الحرب التي قال مرارا وتكرارًا إنها لم تكن لتندلع من الأساس إن كان هو من يتولى الحكم في الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
لكن كل هذا لم يكن ليبلغ ذروته إلا بعد نشوب الحرب مع إيران وما واكبه من تدفق في التصريحات التي إما تتناقض مع الواقع أو مع تصريحات مسؤولين آخرين في إدارة ترمب أو مع تصريحات سابقة أدلى بها ترمب نفسه.
ولعل من أبرز الأمثلة حديث ترمب عن انتصار عسكري ساحق وتدمير القدرات العسكرية الإيرانية، بينما تظل واشنطن تتحدث عن احتمال استئناف الضربات وعن قدرات إيرانية باقية. أو حديثه عن ضرورة التفاوض مع إيران، ثم تشكيكه في وجود قيادة يمكن التفاوض معها!
فهل صورة الرئيس المتناقض الذي يتراجع في قراراته وتصريحاته ولا يعرف الخطوة التالية في الحرب كانت لتساعد ترمب بأي شكل من الأشكال في الاحتفاظ بالهيمنة على الكونغرس في الانتخابات النصفية؟
ترمب خلال تسجيل مقابلة في البيت الأبيض، 30 أكتوبر 2026 – البيت الأبيض
لعل من أبرز المحطات خلال أقل من عامين على عودة ترمب إلى البيت الأبيض الصدامات العجيبة مع حلفاء واشنطن التقليديين داخل أو حتى خارج حلف الناتو والمبادرة بتوتيرالعلاقات مع كندا واستفزازها من خلال نشر ترمب صورة خريطة على تروث سوشال وضع فيها علم بلاده على كامل مساحة الجارة الشمالية كأنها جزء من الولايات المتحدة.
وإضافة إلى الرسوم الجمركية الصاعقة التي ضرب بها مختلف الدول الأوروبية الحليفة والصديقة، فإن ترمب اتبع سياسة أثارت قلق الأوروبيين بالتلويح بالخروج من حلف الناتو وهو المظلة العسكرية الأميركية الضامنة لأمن القارة العجوز في وقت أخذ يتراجع بوضوح عن دعم أوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية عليها منذ فبراير/ شباط 2022.
وفي الوقت الذي تبنى فيه ترمب لغة تهديد وتصعيد إزاء الشركاء الأوروبيين استخدم نبرة مختلفة عند الحديث عن روسيا - التي تمثل بالنسبة لأوروبا شبحا لا يمكن تجاهله ويدخل ضمن قائمة محددات ومهددات الأمن القومي الجماعي - وكال مبعوثه الشخصي ستيف ويتكوف المديح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووصفه بالقائد العظيم.
ورغم أن ترمب وصف بوتين بـ"المجنون" عقب سلسلة هجمات روسية على المدن الأوكرانية، فإنه عاد إلى الإشادة به. ثم أعلن اتفاقًا مع موسكو لتوريد شحنات من الديزل، بهدف تهدئة أسعار الطاقة في الولايات المتحدة. وقد أثارت الخطوة اعتراضات في الكونغرس وتساؤلات قانونية بشأن اتساقها مع حظر واردات الطاقة الروسية، فيما منحت وزارة الخزانة ترخيصًا مؤقتًا للمعاملات المتعلقة بهذه الشحنات.
كما شهدت العلاقات الأميركية الصينية انعطافات حادة. وبعد تصعيد الرسوم الجمركية المتبادلة في ربيع 2025، اتفقت واشنطن وبكين في مايو/ أيار من ذلك العام على خفضها مؤقتًا، من 145% إلى 30% على الجانب الأميركي، ومن 125% إلى 10% على الجانب الصيني؛ وهي أرقام تخص تلك المرحلة، وليست وصفًا ثابتًا لكل الرسوم القائمة. وشهد عام 2026 تبادل الزيارات، إذ زار ترمب بكين في مايو/ أيار، ورد الرئيس الصيني شي جين بينغ الزيارة في سبتمبر/ أيلول. وهي تحولات لا بد أن يتلقاها حلفاء واشنطن في طوكيو وسول وتايبيه بمزيد من الشكوك والريبة إزاء اتجاهاتها السياسية.
وفي صباح يوم انتخابات الكونغرس، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، فجر ترمب مفاجأة من العيار الثقيل إذ أعلن أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى المساعدات الأميركية التي تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا وأنه يريد وقفها بحلول نهاية العام الجاري وهو إعلان لا يساوي في ذاته إنجاز كل إجراءات وقف التمويل. لكنه أضاف مزيدًا من قطع البازل لصورة مشوشة ومضطربة بشأن تخبط واشنطن تحت إدارة ترمب في الوفاء بالتزاماتها المالية والعسكرية والأمنية إزاء تحالفاتها التقليدية سواء في أوروبا أو في آسيا أو في الشرق الأوسط.
لم يكن إصدار ترمب أمرًا تنفيذيًا يسمح باستخدام اسم "وزارة الحرب" تسمية إضافية لوزارة الدفاع الأميركية مجرد خطوة شكلية، في نظره. لكن الأمر لم يغيّر الاسم القانوني للوزارة؛ إذ يتطلب ذلك تشريعًا من الكونغرس. وقد تزامنت هذه الرمزية مع تغييرات متلاحقة في القيادات الإدارية والعسكرية داخل البنتاغون، في خطوة ربما تجنب كثيرون وصفها بالتهور، منتظرين ما قد تحمله الأيام التالية من نتائج.
وكما سعى ترمب لتقليص أعداد الموظفين الفيدراليين من خلال إدارة الكفاءة الحكومية كان وزير الدفاع بيت هيغسيث يمثل قبضة ترمب الضاربة داخل الجيش الأميركي ويعمل على إعداد خطط تستهدف هدم الهياكل التقليدية العسكرية العليا وإحداث تغييرات جذرية فيها وخفض عدد مناصب الضباط من فئة الأربع نجوم بنسبة لا تقل عن 20% فيما وصف بأنه زلزال في قيادة الجيش.
وعلى امتداد الولاية الثانية، طالت الإقالات قيادات عسكرية بارزة، منها رئيس هيئة الأركان المشتركة تشارلز كيو براون ورئيس وكالة استخبارات الدفاع جيفري كروز. ثم شملت التغييرات، خلال الحرب مع إيران، رئيس أركان الجيش راندي جورج ووزير البحرية جون فيلان. والفارق في التوقيت مهم؛ فلا يصح وضع جميع هذه الإقالات في مرحلة واحدة من الحرب.
ووصف جون أوليوت، المتحدث السابق باسم البنتاغون، الوزارة بأنها تعيش "فوضى تامة". وفي تطور لاحق، استقال وزير الجيش دان دريسكول، وسط تقارير عن خلافاته مع هيغسيث.
أما المفارقة التي برزت في الانتخابات الأخيرة، فهي تقدم الأدميرال المتقاعدة نانسي لاكور، التي أُقيلت من قيادة احتياط البحرية في أغسطس/ آب 2025، في سباق المقعد الأول لمجلس النواب عن ساوث كارولاينا، الذي كان يشغله الجمهوريون. وقد أعلنت فوزها، فيما لم تكن وكالة أسوشييتد برس قد حسمت السباق عند إعداد هذه المراجعة. ألا يشير هذا إلى حقيقة ما؟
لم يترك دونالد ترمب مناسبة إلا وصب فيها سيلًا من الذم على الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما مع إيران في عام 2015 وهو الاتفاق الذي أعلن ترمب الانسحاب منه بشكل منفرد في فترة رئاسته الأولى في 2018 ووصفه بأنه اتفاق معيب.
ومنذ توليه الفترة الرئاسية الثانية زاد ترمب من ضغوطه على إيران للتخلي عن برنامجها النووي. ورغم دخول الجانبين في مرحلة مفاوضات مباشرة وغير مباشرة فوجئ العالم بهجوم إسرائيلي مباغت على إيران انضمت إليه واشنطن لاحقا فيما عرف بحرب الاثني عشر يومًا في يونيو/ حزيران 2025.
وفي 28 فبراير/ شباط 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جديدًا على إيران، قُتل فيه المرشد علي خامنئي وقيادات عسكرية بارزة، وتبعته جولات إضافية من الاغتيالات والضربات.
ورغم ما أسفر عنه الهجوم من نتائج سريعة في البداية، فإن إيران احتفظت بقدرة على الرد، وشنت هجمات صاروخية وبالمسيّرات على إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، وطالت هجماتها أيضًا منشآت مدنية في دول خليجية.
وعطّلت إيران حركة الملاحة في مضيق هرمز، فأربكت حركة ناقلات النفط وإمدادات الطاقة العالمية، وارتفعت أسعار النفط والتأمين والنقل، وتأثرت سلاسل الإمداد وتكاليف السلع الأساسية. وبينما كانت هذه الكلفة تتسع، ظل ترمب يطلق تصريحات عن انتصارات رائعة وهزيمة ساحقة لإيران.
ووقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم في يونيو/ حزيران، فتحت باب المقارنة مع الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015. لكن المذكرة انهارت بعد أسابيع مع تجدد القتال، قبل انتهاء مدتها رسميًا في أغسطس/ آب. وما زالت المنطقة تتحرك فوق صفائح من القلق والتوتر، في انتظار ما ستلده الأيام والأسابيع المقبلة.
كل هذه الأحداث المتلاحقة والمتضاربة أثارت في السر مرة وفي العلن مرات السؤال الأكثر أهمية الذي لم تجد له إدارة ترمب إجابة حتى الآن: هل كانت الحرب على إيران هي الخيار الوحيد أمام إدارة ترمب أم كان يمكن تجنبها؟
لم يصف دونالد ترمب نفسه بأنه أعظم رئيس للولايات المتحدة مرة واحدة فيما قد يظنه الظانون أنها مجرد زلة لسان عابرة بل كررها أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة ووثقها عبر حسابه عبر تروث سوشال من خلال وضع قائمة ضمت عظماء الرؤساء وعد نفسه من بينهم جنبا إلى جنب مع أبراهام لنكولن وجورج واشنطن بينما صنف الرؤساء الديمقراطيين باراك أوباما وجو بايدن وجيمي كارتر ضمن الرؤساء الفاشلين.
ولم يخف ترمب رغبته في ظهور صورته على العملة الأميركية، وهي مسألة أثارت جدلًا قانونيًا بسبب القيود على تصوير الأحياء على العملة. ومع ذلك، أصدرت دار سك العملة دولارًا معدنيًا يحمل صورته بمناسبة مرور 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة.
وفي المناسبة نفسها، أعلنت وزارة الخزانة إدراج توقيع ترمب على الأوراق النقدية الأميركية الجديدة، في سابقة لرئيس يتولى المنصب. والفارق هنا أن التوقيع على الأوراق النقدية مسألة مختلفة عن وضع الصورة عليها. لكن المشهد كله ينسجم، في نظري، مع رغبته الجامحة في تمجيد الذات، على نحو ربما أسهم في تآكل شعبيته، بعكس ما كان يظن أنه سيعزز مكانته.
لن تجد صورة نموذجية لتجسيد دون كيخوته أو دون كيشوت البطل المغوار الذي يطارد الوهم ويحارب طواحين الهواء كما تصورها الكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس أكثر من دونالد ترمب. فالرجل – على سبيل المثال- الذي ظل - وما زال - يحلم بالتتويج بجائزة نوبل للسلام يتوهم أنه بالفعل صانع السلام وليس الحرب في العالم.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2026، خاض ترمب حرب تصريحات ضد اللجنة المانحة لجائزة نوبل للسلام، واتهمها بالتحيز، وقال إن الجائزة فقدت مصداقيتها، ووصف أعضاءها بأنهم أصحاب "أيديولوجيات متطرفة" ومعادون للديمقراطية. لماذا كل هذا؟ لأن ترمب يعتقد أنه يستحق الجائزة نظير ما يقول إنها جهود لتسوية نزاعات، منها نزاعات تايلاند وكمبوديا، وكوسوفو وصربيا، والكونغو الديمقراطية ورواندا، وأرمينيا وأذربيجان.
ووصف عدم منحه الجائزة بأنه وصمة عار على النرويج، ثم هاجمها بألفاظ نابية وأعلن أنه لا يريد مهاجرين منها؛ وهو موقف لا يساوي صدور سياسة هجرة جديدة. أما قوله إنه لم يعد يشعر بأنه ملزم بالتفكير في السلام وحده، فقد ورد في رسالة إلى رئيس الوزراء النرويجي في يناير/ كانون الثاني 2026، قبل أسابيع من اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير/ شباط. ولا يعني هذا التتابع أن الحرمان من الجائزة كان سبب الحرب، لكنه يضاعف مفارقة الرئيس الذي يطلب التتويج صانعًا للسلام. فهل كان الأجدى منحه الجائزة لتجنب حماقاته؟ ربما لا...
ربما كان الفخ الأخير الذي حاول من خلاله دونالد ترمب تجنب السقوط في فخ الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي هو التلويح بورقة منح أموال مباشرة - فيما يمكن أن يوصف برشوة انتخابية - إذ تعهد الرئيس الأميركي بدفع مبلغ 5 آلاف دولار لكل مواطن أميركي بالغ على أن يُنفق المبلغ داخل الولايات المتحدة، إذا نجح الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب.
كما جاء قصف جزيرة قشم الإيرانية ليل الإثنين، قبل الاقتراع بساعات، ليضيف تصعيدًا عسكريًا إلى المشهد الانتخابي. وقدمت واشنطن الضربة بوصفها دفاعية ومحدودة. أما التساؤل عن إمكان استثمارها انتخابيًا، فقراءة سياسية لتوقيتها، لا دليل على أنه كان الدافع المعلن أو المثبت لتنفيذها.
لم يلحظ ترمب عدة إشارات ترصد ملامح فشله مبكرا كان من بينها النجاح الذي حققه المرشح الديمقراطي زهران ممداني حين فاز بمنصب عمدة نيويورك في حين لم يتورع ترمب عن حث الناخبين على عدم انتخاب ممداني. وشن ترمب هجوما حادا على ممداني قبل انتخابه ووصفه بأنه "شيوعي" و"مختل" وحذر من أن سياساته ستقود مدينة نيويورك إلى الفوضى.
بل هدد باعتقاله إذا عرقل سياسات ترمب المناهضة للهجرة.
لكن ترمب، الذي بدا ودودًا في البيت الأبيض حين التقى ممداني بعدفوزه، مؤكدًا استعداده للتعاون لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة في نيويورك، عاد إلى خطاب الهجوم على مرشحين ديمقراطيين، منهم عبد الرحمن السيد في ميشيغن. وفي نهاية المطاف، فاز السيد بمقعد مجلس الشيوخ وفق تقديرات وسائل الإعلام، كما سبق أن فاز ممداني، وخسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس.
Loading ads...
لعل كل نقطة من النقاط السابقة لم تنل ما تستحقه من سرد وتفصيل لكنها كانت مجرد نماذج ساهمت في خلق توليفة نموذجية - ربما لم تكن مقصودة أو مدبرة من أدهى خصوم ترمب سواء داخل حزبه أو الحزب الديمقراطي المنافس - لكنها لربما تتحول إلى خلطة سياسية مستقبلية معتمدة لدفع المنافسين للسقوط في أكبر عدد ممكن من حبائلها لكي يخسر أي منافس قاعدة ناخبيه وداعميه ويتحول إلى محلل سياسي – كما لوّح ترمب- مهمته فقط أن ينتقد الآخرين .. ألا يُحسب هذا نجاحا رائعا لأونكل دونالد؟!
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





