في كل نقاش عن إعادة إعمار سوريا، يطلّ السؤال الذي لا يُطرح بصراحة: هل نعيد بناء بلدٍ كامل، أم نُرمّم مركزاً واحداً في البداية ونترك الباقي ينتظر؟
على مدى عقود، جرى التعامل مع دمشق بوصفها نقطة الثقل الوحيدة، المكان الذي تُختصر فيه الدولة، وتُسحب إليه الموارد، وتُعاد صياغة الجغرافيا على مقاسه. المدن الأخرى لم تكن شريكة في القرار، بل هوامش واسعة تُغذّي المركز بالسكان واليد العاملة والضرائب، ثم تعود لتتلقى الفتات. هذا النموذج لم يصنع دولة متماسكة، بل راكم اختلالاً عميقاً انفجر اجتماعياً وعمرانياً قبل أن ينفجر سياسياً.
اليوم، مع الحديث المتزايد عن إعادة الإعمار، تبدو العودة إلى المنطق نفسه ضرباً عبثياً. وفق الأرقام المتداولة، يبلغ عدد سكان سوريا نحو 25 مليون نسمة. رقم يبدو كبيراً، لكنه في الحقيقة لا يروي سوى نصف القصة. فإذا أُخذت بعين الاعتبار موجات الهجرة المتلاحقة منذ عام 2011، والهجرات الأقدم منذ ستينيات القرن الماضي، فضلاً عن الشتات السوري الذي استقر منذ بدايات القرن العشرين في أميركا اللاتينية وأستراليا وأميركا الشمالية، فإننا نقترب من كتلة بشرية سورية قد تتجاوز 50 مليون إنسان.
دير الزور لا تحتاج إلى إعانات مؤقتة، بل إلى مشروع شامل: مطار دولي يخدم شرقي البلاد، شبكة سكك حديدية سريعة تربطها بالعاصمة وبالشمال، استثمارات زراعية وصناعية حقيقية، ودور إقليمي يعكس موقعها من دون أن يُنكره.
هؤلاء ليسوا رقماً رمزياً ولا حنيناً عاطفياً. إنهم امتداد حيّ للبلد، وحقهم في العودة والمواطنة – أو في الارتباط الفعلي بوطن قابل للحياة – لا يمكن فصله عن شكل المدن والقرى التي ستُبنى. فلا عودة من دون مدن وقرى، ولا مدن من دون بنية تحتية عادلة وموزّعة.
الحديث عن التنمية اللامركزية غالباً ما يُختزل في شعارات سياسية، ويتم تحويلها إلى قرار سياسي لا مركزي، وهذا يفترق بشدة عن ذاك. لكن الواقع السوري يضعها في خانة الضرورة الوجودية. بلد تُكدَّس فيه الخدمات والفرص في العاصمة، في حين تُترك الأطراف بلا جامعات كافية، وبلا مستشفيات حديثة، وبلا شبكات نقل فعّالة، كما قضى النظام السابق وحكم ونفّذ طوال نصف قرن، هو بلد يدفع سكانه دفعاً إلى الهجرة الداخلية أولاً، ثم الخارجية لاحقاً.
المعادلة بسيطة وواضحة: فما يُقدَّم في دمشق يجب أن يكون متاحاً، بمستوى مقارب، في دير الزور، وفي إدلب، وفي درعا، وفي أقصى الشرق والشمال. هذا ليس ترفاً تنموياً، بل استثمار في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وفي منع تكرار أسباب الانفجار نفسه.
من بين أكثر الأمثلة فجاجة على سوء توزيع التنمية المتبعة سابقاً، تبرز دير الزور. مدينة يشقّها نهر الفرات، وتحوطها سهول زراعية واسعة قادرة على خلق مئات آلاف فرص العمل، وتجلس فوق واحد من أهم أحواض الطاقة في البلاد، فضلاً عن موقعها الطبيعي كنقطة وصل بين سوريا والعراق والخليج وآسيا.
كل عناصر المدينة الكبرى متوافرة، لكن القرار غائب. دير الزور لا تحتاج إلى إعانات مؤقتة، بل إلى مشروع شامل: مطار دولي يخدم شرقي البلاد، شبكة سكك حديدية سريعة تربطها بالعاصمة وبالشمال، استثمارات زراعية وصناعية حقيقية، ودور إقليمي يعكس موقعها من دون أن يُنكره.
إبقاؤها على الهامش لم يكن قدراً جغرافياً، بل نتيجة مباشرة لعقل إداري يرى في الأطراف عبئاً لا فرصة.
إعادة إعمار سوريا ليست مشروع خرسانة، بل مشروع تخيّل سياسي-اجتماعي جديد: دولة بمراكز محافظات متينة وقوية ومستقلة اقتصادياً، تدعم القرار السياسي الواحد في المركز، مع الحفاظ على حقوق تنموية كاملة تعزّز من قوة الأطراف لتردف المركز.
أما حلب، المدينة التي حملت لعقود قلب الاقتصاد السوري، فلا تزال تمتلك كل المقومات للعودة لاعباً مركزياً، ليس على المستوى الوطني فقط، بل على مستوى بلاد الشام بكاملها. قاعدتها السكانية، تاريخها الصناعي، شبكاتها التجارية، وموقعها الجغرافي، تجعل منها مرشحة طبيعية لتكون عاصمة الاقتصاد السوري. إعادة إعمار حلب ليست مسألة تعويض عن دمار، بل استعادة وظيفة تاريخية أُفرغت قسراً. والمشهد نفسه يتكرر، بدرجات متفاوتة، في مدن مثل حمص، وحماة، والسويداء، ودرعا، وطرطوس، واللاذقية، حيث تتقاطع فرص السياحة والصناعة والزراعة، لكنها تبقى رهينة غياب القرار والاستثمار.
ليس هذا النقاش منفصلاً عن تاريخ التقسيم الإداري في سوريا. فالتحوّل من نظام الولايات العثماني إلى المحافظات الحديثة لم يكن مجرد تحديث إداري، بل انتقالاً إلى دولة مركزية أعادت تعريف الجغرافيا بوصفها وظيفة ضبط وتنظيم. منذ تثبيت نظام المحافظات عام 1960، أُديرت البلاد بعقل واحد: مركز يخطّط، وأطراف تنتظر. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا النموذج إلى عبء ثقيل، غير قادر على استيعاب التحولات السكانية والاقتصادية والاجتماعية. اليوم، لم يعد ممكناً بناء سوريا جديدة بأدوات الأمس.
Loading ads...
وسوريا التي تستطيع استعادة أبنائها، هي سوريا التي تمنح حق المواطنة المتساوية، وتعطي كل مدينة حقها في أن تكون مركزاً لحياتها، لا ظلاً لغيرها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




