ساعة واحدة
كوريا الشمالية بوجه جديد: انتعاش اقتصادي وتغير نمط الحياة رغم العقوبات
الإثنين، 8 يونيو 2026

تبدو كوريا الشمالية اليوم واحدة من أكثر قصص النجاح الاقتصادي إثارة للدهشة في العالم. فبفضل مبيعات الأسلحة إلى روسيا، والدعم التجاري والمالي القادم من الصين، وقدرتها على الالتفاف على العقوبات الدولية لاستيراد الطاقة والمواد والمكونات الأساسية، يشهد اقتصادها نمواً لم يعرفه منذ سنوات، وفق "وول ستريت جورنال".
وبعد أكثر من 100 زيارة إلى كوريا الشمالية، اعتاد الأسترالي روان بيرد على الانتظار طويلاً للحصول على سيارة أجرة في ظل حكم الزعيم كيم جونج أون. لكن خلال زيارته الأخيرة إلى بيونج يانج، وهي الأولى له منذ سنوات، وصلت سيارة أجرة خلال دقائق معدودة.
وأخرج مترجمه الكوري الشمالي هاتفاً ذكياً وفتح تطبيقاً يدعى "سامهونج" لطلب سيارة عبر خدمة تشبه "أوبر"، بينما تابع الاثنان تحركات السيارة لحظة بلحظة. وقال بيرد، وهو منظم رحلات سياحية أسترالي: "كان كل هذا جديداً تماماً. لقد أصبت بالذهول".
وكان نظام كيم قد أغلق حدوده بالكامل خلال جائحة فيروس كورونا، لكنه أعاد فتحها لاحقاً أمام عدد محدود من الزوار، بينهم سياح ودبلوماسيون روس وغربيون. ويصف هؤلاء الزوار بلداً مختلفاً عما كان عليه في السابق، خصوصاً في العاصمة بيونج يانج التي يعيش فيها كيم والنخبة الحاكمة.
وتقدم المطاعم هناك البيتزا المطهوة في أفران حجرية وأجنحة الدجاج، فيما يمكن للزبائن الدفع عبر نظام للرموز السريعة (QR). كما تنتشر السيارات الكهربائية الصينية في الشوارع، وافتُتحت متاجر للحيوانات الأليفة ومقاهٍ للألعاب الإلكترونية ومعارض لبيع سيارات BMW الألمانية.
وأطلق كيم ما وصفته "وول ستريت جورنال" بـ"طفرة بناء واسعة" على مستوى البلاد. ففي العام الماضي، شيدت كوريا الشمالية 10 آلاف وحدة سكنية جديدة في بيونج يانج، وهو عدد يفوق ما بُني في مدينتي لوس أنجلوس أو شيكاجو.
وخلال مؤتمر حزب العمال، الذي يُعقد مرتين كل عقد في فبراير، أشاد الزعيم البالغ من العمر 42 عاماً بالتحول الاقتصادي، معتبراً أنه تحقق رغم ما وصفه بـ"الحصار الهمجي" الناتج عن العقوبات الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة.
وخارج قاعة المؤتمر، عُرضت سبعة صفوف من منصات إطلاق صواريخ حديثة الصنع. وقال كيم: "لقد تغير كل شيء بشكل جذري".
وفي عام 2017، شددت الولايات المتحدة والأمم المتحدة العقوبات على كوريا الشمالية رداً على تقدم برنامجها النووي، عبر قرارات واسعة لتقييد التجارة والمعاملات المالية. وتواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التأكيد على هدف نزع السلاح النووي الكوري الشمالي بالكامل.
وخلال ولايته الأولى، التقى ترمب كيم ثلاث مرات، ليصبح أول رئيس أميركي في السلطة يجتمع مع زعيم كوري شمالي، لكن الطرفين فشلا في التوصل إلى اتفاق يكبح البرنامج النووي لبيونج يانج. ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أشاد ترمب بعلاقته مع كيم وعرض عقد لقاء آخر معه.
في المقابل، دعا كيم مواطنيه إلى التركيز على بناء اقتصاد يعتمد على الذات. ولا تنشر كوريا الشمالية بيانات اقتصادية رسمية، كما تفرض رقابة صارمة على المعلومات وتتحكم بما يمكن للزوار مشاهدته.
ورغم هذا التحسن، لا تزال البلاد فقيرة خارج العاصمة، إذ يعاني نحو نصف سكانها البالغ عددهم 26 مليون نسمة من سوء التغذية، وفقاً لتقرير أممي. كما أن الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد لا يتجاوز أقل من 1% من حجم الاقتصاد الأميركي.
وتُعد كوريا الشمالية أيضاً من أسوأ الدول في سجل حقوق الإنسان، حيث يمكن أن تصل عقوبة توزيع مسلسل كوري جنوبي إلى الإعدام، وفق "وول ستريت جورنال".
وتشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث في كوريا الجنوبية إلى أن التقدم الاقتصادي الذي تتحدث عنه بيونج يانج ليس مجرد "دعاية رسمية". فقد ارتفع النشاط في مرافق تخزين النفط الكورية الشمالية التي تشهد توسعات جديدة، كما ازدادت كثافة استخدام مواقف السيارات.
وأظهر تقرير آخر أن البلاد أصبحت أكثر إشراقاً ليلاً بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.
وخلال زيارته الأخيرة، طلب بيرد تناول العشاء في أفضل مطعم في بيونج يانج، فاصطُحب مع أربعة آخرين إلى جسر زجاجي يربط بين برجين سكنيين مرتفعين.
وكان المطعم يقع على ارتفاع يزيد على 30 متراً فوق شوارع العاصمة، وتضم أرضيته أجزاء زجاجية شفافة. وشملت الوجبة أطباقاً من النودلز الكورية الباردة والسوشي والبيتزا والمشروبات. وقال: "بلغت الفاتورة 150 دولاراً فقط".
لم يتحقق الانتعاش الاقتصادي لكوريا الشمالية بمفردها. فقد عزز النظام إمدادات الطاقة ومواد البناء عبر إرسال ذخائر وأكثر من 15 ألف جندي إلى الجبهات الروسية في الحرب الأوكرانية. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث هؤلاء الجنود لقوا حتفهم أو أُصيبوا.
وحققت مبيعات الأسلحة مليارات الدولارات لبيونج يانج، بحسب تقديرات معاهد استراتيجية للأمن القومي في سيول.
كما بلغ حجم التجارة الشهرية مع الصين أعلى مستوى له في ثمانية أعوام، فيما تواصل علامات تجارية صينية متعددة ممارسة أعمالها داخل كوريا الشمالية رغم مخالفة ذلك للعقوبات الدولية. ويعتمد انتشار الأجهزة التقنية التي دعمت الاقتصاد الرقمي الناشئ في البلاد إلى حد كبير على المكونات الصينية.
ويعمل العديد من القراصنة الإلكترونيين التابعين للنظام من داخل الصين، حيث يتمتعون بحرية أكبر للوصول إلى الإنترنت. وحققت عمليات اختراق منصات العملات المشفرة وحدها مليارات الدولارات للنظام، وفقاً لتقديرات حكومات ومجموعات متخصصة في الأمن السيبراني.
وفي الوقت نفسه، كررت بكين وموسكو، اللتان تمتلكان حق النقض في مجلس الأمن، دعواتهما لتخفيف العقوبات المفروضة على بيونج يانج.
كما وسع كيم شبكة علاقاته الدولية، فشارك في عرض عسكري صيني للمرة الأولى الخريف الماضي إلى جانب أكثر من 20 زعيماً أجنبياً.
وفي مارس، استضاف رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو في بيونج يانج، حيث وقع البلدان معاهدة صداقة جديدة. وقال لوكاشينكو: "نحن بحاجة إلى بعضنا البعض".
ويرى محللون أن البرنامج النووي الكوري الشمالي وفر للنظام مظلة ردع ضد أي محاولة لإسقاطه بالقوة، ما أتاح له توجيه اهتمام أكبر إلى الاقتصاد.
لكن هذا التقدم الاقتصادي يقلل أيضاً من فرص التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة التي اعتادت استخدام تخفيف العقوبات أو الحوافز الاقتصادية كورقة لإقناع بيونج يانج بتجميد أو التخلي عن برنامجها النووي.
وتشير تقديرات البنك المركزي الكوري الجنوبي، الذي يعتمد في تقديراته على بيانات وكالات الاستخبارات، إلى أن اقتصاد كوريا الشمالية نما بنسبة 3.7% خلال عام 2024، وهو أسرع معدل نمو في ثمانية أعوام، فيما تتوقع مراكز أبحاث استمرار هذا الزخم.
وقال ستيفان هاجارد، الباحث المتخصص في الاقتصاد الكوري الشمالي بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، إن الوضع الاقتصادي الحالي هو الأقوى منذ تولي كيم السلطة قبل نحو 15 عاماً، وربما يتجاوز أي مرحلة شهدتها البلاد خلال حكم والده كيم جونج إيل.
وأضاف: "إنه إنجاز لافت للغاية بالنسبة إلى دولة بهذا المستوى من الفقر"، مشيراً إلى أن الحظ لعب دوراً أيضاً في هذا التحسن.
وخلال سباق ماراثون بيونج يانج الدولي في أبريل 2025، لاحظ البريطاني جورج ديفيدلاكا انتشار الهواتف الذكية بين السكان، قائلاً إن كثيرين كانوا يصورون العدّائين بهواتفهم المحمولة.
ووفقاً لوكالة "فوستوك إنتور" الروسية للسياحة، يبلغ إنتاج الهواتف المحمولة محلياً نحو نصف مليون جهاز سنوياً، بينما يؤكد باحثون وجود أكثر من 50 علامة تجارية مختلفة للهواتف الذكية داخل البلاد.
قبل خمس سنوات فقط، بدت كوريا الشمالية وكأنها تمر بأزمة خانقة. فقد أدت إجراءات الإغلاق خلال جائحة كورونا إلى تراجع التجارة مع الصين، بينما تسبب نقص الطاقة في توقف مناجم الفحم عن العمل.
وفي عام 2021، قال سفير موسكو آنذاك لدى بيونج يانج لوسائل الإعلام الروسية الرسمية إن المواد الغذائية الأساسية، كزيت الطهي والسكر، أصبحت شحيحة في رفوف المتاجر.
وأقر كيم، بشكل نادر، بالتحديات الاقتصادية، واعترف بوجود نقص واسع في الغذاء وظهر باكياً علناً، كما فقد كثيراً من وزنه.
لكن التراجع الاقتصادي بدأ ينحسر بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي أيدته بيونج يانج علناً.
وبعد أكثر من عام على اندلاع الحرب، تحولت كوريا الشمالية إلى أحد أبرز مزودي موسكو بالذخائر، محققة أكثر من 10 مليارات دولار بين صيف 2023 ونهاية العام الماضي، وفق تقديرات معهد استراتيجية الأمن القومي. وشكّل ذلك دفعة قوية لاقتصاد يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي حوالي 27 مليار دولار.
وفي عام 2023، قام كيم بأول زيارة خارجية له بعد الجائحة إلى أقصى شرق روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، قبل أن يزور بوتين بيونج يانج في العام التالي ويوقع مع كيم معاهدة دفاع مشترك.
وأرست هذه الاتفاقية الأساس القانوني لإرسال قوات كورية شمالية للقتال إلى جانب روسيا، وهو ما وفر للنظام أكثر من نصف مليار دولار، إضافة إلى حصوله على تقنيات عسكرية حساسة وقطع أسلحة ومواد أخرى، وفقاً للمعهد.
ويقول خبراء إن السفن الحربية والطائرات المُسيرة الكورية الشمالية الجديدة تحمل تصميمات روسية، فيما تؤكد سيول أن موسكو زودت بيونج يانج بالفعل بمنظومات دفاع جوي.
وقالت جونج إتش باك، المسؤولة السابقة عن ملف كوريا الشمالية في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إن العلاقة المتنامية مع روسيا تمثل أكبر مكسب حققته بيونج يانج، مضيفة أن مشاركة أسلحتها وقواتها في الحرب الأوكرانية منحتها "دعاية مجانية". وأضافت: "النظام أكثر ثراءً من أي وقت مضى".
وخلال العام الماضي، أنجزت كوريا الشمالية مشاريع كبرى كانت متعثرة منذ سنوات، من بينها أكبر مستشفى في بيونج يانج، ومجمع ضخم للبيوت الزجاجية يفوق مساحة سنترال بارك في نيويورك، ومنتجع شاطئي جديد.
كما يهدف مشروع "20×10"، الذي أطلقه كيم، إلى بناء مصانع جديدة في 20 مدينة ومقاطعة سنوياً على مدى 10 سنوات، إلى جانب تطوير مرافق صحية وصناعات خفيفة ومجمعات ترفيهية.
وتوسع الحكومة أيضاً شبكة المتاجر والصيدليات الحكومية للحد من أنشطة السوق السوداء، بينما توفر المصانع الجديدة وظائف رسمية لسكان كانوا يعتمدون سابقاً على التهريب، بحسب الباحث لي سانج-يونج، الذي يمتلك شبكة من مصادر داخل نظام كيم.
وخلال زيارة للمهرجان الدولي للأفلام في بيونج يانج العام الماضي، لاحظت المخرجة النمساوية بريجيت فايش ازدياد الحركة في الشوارع وانتشار السيارات الكهربائية والمستوردة. وقالت: "تبدو السيارات فاخرة للغاية".
وأصبح استخدام السيارات واسع الانتشار إلى درجة أن التلفزيون الرسمي بث مؤخراً برنامجاً من جزأين حول تعديلات قوانين المرور، شملت حظر عبور الشوارع بشكل عشوائي، والتنزه بالحيوانات الأليفة من دون مقود، والتدخين أثناء القيادة.
وفي أبريل، تفقد كيم حي "هواسونج" السكني الجديد الذي يضم أبراجاً شاهقة، بينها برجين بارتفاع 40 طابقاً طُليا باللون الأحمر ليشبها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تحمل الاسم نفسه.
كما أظهرت منشورات لطلاب صينيين على وسائل التواصل الاجتماعي متاجر في بيونج يانج تعرض مستحضرات تجميل تحمل شعار "شانيل" ونظارات شمسية تحمل علامة "راي بان".
وفي مايو، نظمت كوريا الشمالية أول معرض تجاري دولي واسع النطاق منذ الجائحة، بمشاركة أكثر من 290 شركة من روسيا والصين ومنغوليا وسويسرا وتايلاند.
Loading ads...
وعرضت إحدى شركات الإلكترونيات المحلية أجهزة تلفزيون "ذكية" تسمح للمستخدمين بشراء المنتجات مباشرة، كما عرضت هواتف ذكية بألوان متعددة تجاوز سعر بعضها 500 دولار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




