اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية .. هل هناك علاقة؟
يُعد اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية موضوعًا شائعًا في النقاشات المتعلقة بالتغذية، حيث يُنظر إلى الرغبة الشديدة في تناول أطعمة معينة على أنها إشارة من الجسم لتعويض نقص غذائي، ويُعرَّف اشتهاء الطعام بأنه رغبة قوية ومحددة لتناول نوع معين من الطعام، ويختلف عن الجوع الذي يمكن إشباعه بتناول أي طعام متاح. وتُظهر الدراسات أن هذه الرغبات شائعة جدًا، إذ تَحدث لدى نسبة كبيرة من الأشخاص وبمعدل يتكرر عدة مرات أسبوعيًا، وغالبًا ما تظهَر في أوقات متأخرة من اليوم.
يرى البعض أن اشتهاء أطعمة معينة يعكس حاجة الجسم إلى عناصر غذائية محددة، فمثلًا يُربط اشتهاء الشوكولاتة بنقص المغنيسيوم، بينما يُفسَّر اشتهاء اللحوم أو الجبن بنقص الحديد أو الكالسيوم، ويستند هذا التصور إلى فكرة أن الجسم يسعى بشكل غير واعٍ إلى تصحيح التوازن الغذائي عبر الرغبات.
ولكن، فإن الأدلة العلمية التي تدعم هذه الفكرة محدودة، إذ تشير الدراسات إلى أن كثيرًا من الأطعمة التي يتم اشتهاؤها لا تمثل أفضل مصدر للعناصر الغذائية المفترضة، فعلى سبيل المثال، قد تحتوي أطعمة أخرى على مستويات أعلى من عنصر معين دون أن تكون مرغوبة بنفس القدر، مما يضعف فرضية العلاقة المباشرة بين اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية.
توجد بعض الحالات التي قد يرتبط فيها اشتهاء الطعام أو مواد غير غذائية بنقص معين، ومن أبرزها حالة تُعرف بالرغبة في تناول مواد غير غذائية مثل الثلج أو النشا أو حتى الطين، وقد لوحظ أن بعض الأفراد الذين يعانون من هذه السلوكيات لديهم مستويات منخفضة من عناصر مثل الحديد أو الزنك أو الكالسيوم، ولكن فإن هذه العلاقة ليست ثابتة دائمًا، إذ تظهَر حالات أخرى دون وجود نقص واضح، مما يجعل تفسيرها غير محسوم.
كما قد يرتبط اشتهاء الأطعمة المالحة أحيانًا بانخفاض الصوديوم، خاصة لدى الأشخاص الذين فقدوا سوائل أو تناولوا أدوية مدرة للبول، ولكن نقص الصوديوم نادر نسبيًا، ويُعد الإفراط في تناوله أكثر شيوعًا، لذلك لا يُمكن اعتبار الرغبة في الملح دليلًا قاطعًا على وجود نقص.
توجَد عدة ملاحظات علمية تُضعف فرضية ارتباط اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية بشكل مباشر، فأولًا، تختلف الرغبات الغذائية بين الرجال والنساء، إذ تميل النساء أكثر إلى اشتهاء الأطعمة الحلوة، بينما يميل الرجال إلى الأطعمة المالحة، ولا تُظهر الدراسات فروقًا كبيرة في نسب نقص العناصر الغذائية التي قد تفسر هذه الاختلافات.
ثانيًا، لا تتجه الرغبات عادة نحو الأطعمة الأكثر قيمة غذائية خلال فترات الحمل أو اتباع الحميات الغذائية، بل غالبًا نحو الأطعمة الغنية بالدهون أو الكربوهيدرات، كما أظهَرت بعض الدراسات أن تقليل نوع معين من الطعام قد يؤدي إلى انخفاض الرغبة فيه بدلًا من زيادتها، وهو ما يتعارض مع فكرة أن النقص الغذائي يسبب الاشتهاء.
ثالثًا، تتميز الرغبات الغذائية بكونها محددة جدًا، وغالبًا لا يتم إشباعها إلا بتناول الطعام المطلوب تحديدًا، حتى لو كان هناك بدائل أكثر غنى بالعناصر الغذائية، وهذا يشير إلى أن العوامل النفسية والسلوكية تلعب دورًا مهمًا.
تشير الأبحاث إلى أن اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية ليسا دائمًا مرتبطَين، وأن الرغبات الغذائية قد تنشأ نتيجة مجموعة من العوامل الأخرى، وتشمل هذه العوامل الحالة المزاجية، إذ ترتبط بعض الأطعمة بما يُعرف بأطعمة الراحة التي يتم اللجوء إليها عند الشعور بالتوتر أو الحزن، كما يمكن للضغط النفسي وقلة النوم أن يؤثرا في الهرمونات المنظمة للشهية، مما يزيد من احتمالية الاشتهاء.
تلعب الثقافة والعادات الغذائية أيضًا دورًا مهمًا، إذ تختلف الأطعمة الأكثر اشتهاءً بين المجتمعات، فالأطعمة الشائعة في بيئة معينة قد تصبح أكثر ارتباطًا بالذكريات والمواقف الاجتماعية، مما يعزز الرغبة فيها، كما يمكن أن يؤدي ربط الطعام بمواقف معينة، مثل مشاهدة الأفلام أو الشعور بالملل، إلى ظهور رغبات متكررة.
أظهَرت دراسات تصوير الدماغ أن مناطق متعددة تنشط عند اشتهاء الطعام، وتشمل مناطق مرتبطة بالذاكرة والعاطفة واتخاذ القرار، ويشير ذلك إلى أن الرغبات الغذائية تنشأ من شبكة معقدة من العوامل العصبية والنفسية، وليس فقط من حاجة الجسم إلى عنصر غذائي محدد. كما قد تتأثر هذه الرغبات بالهرمونات والتغيرات الكيميائية في الدماغ، مما يزيد من تعقيد تفسيرها.
تشير بعض الدراسات إلى أن تناول وجبات منتظمة ومتوازنة، والحفاظ على الترطيب الجيد، والحصول على قدر كافٍ من النوم قد يساعد في تقليل الرغبات الغذائية، كما أن تقنيات الانتباه الذهني وضبط التوتر قد تقلل من الاستجابة العاطفية تجاه الطعام، وفي بعض الحالات، قد يؤدي الاعتراف بالرغبة وتناول كمية صغيرة بوعي إلى تقليل شدتها.
ليس بالضرورة، فقد يرتبط الاشتهاء أحيانًا بنقص معين، لكن معظم الحالات تعود إلى عوامل نفسية أو اجتماعية أو سلوكية، وليس إلى حاجة غذائية مباشرة.
قد يساعد تناول وجبات متوازنة ومنتظمة والحصول على النوم الكافي وتقليل التوتر في تقليل شدة الرغبات الغذائية، لكن ذلك لا يلغيها تمامًا.
Loading ads...
تشير الأدلة إلى أن التعامل مع اشتهاء الطعام ونقص العناصر الغذائية يتطلب فهمًا متوازنًا للعوامل المختلفة المؤثرة في الرغبات الغذائية، ويُعد الاهتمام بالتغذية المتوازنة، وتنظيم أوقات الوجبات، والانتباه للعوامل النفسية مثل التوتر وقلة النوم، خطوات مفيدة للحد من الاشتهاء المتكرر. كما يساعد إدراك عدم ارتباط الرغبات الغذائية بالنقص الغذائي دائمًا في اتخاذ قرارات غذائية أكثر وعيًا وتوازنًا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




