قد يبدأ الأمر بطفل يجلس بهدوء أمام جهازه اللوحي، أو مراهِق ينحني فوق هاتفه لساعات لإنجاز واجباته المدرسية والتواصل مع أصدقائه. لكن خلف هذا المشهد اليومي قد تتراكم مشكلة لا ينتبه إليها كثير من الآباء إلا عندما يشكو أبناؤهم من ألم الرقبة أو شد الكتفين. ومع تزايد اعتماد الأطفال على الأجهزة الرقمية، أصبح علاج متلازمة رقبة الهاتف لدى الأطفال موضوعًا يستحق اهتمام الأسر، ليس بهدف حرمان الصغار من التكنولوجيا، بل لمساعدتهم على استخدامها دون الإضرار بصحتهم.
وتشير مستشفى العظام الملكية في بريطانيا إلى تزايد إحالة الأطفال واليافعين إلى العلاج الطبيعي بسبب مشكلات مرتبطة بالانحناء المطوّل أثناء استخدام الأجهزة. فكيف تَحدث هذه المشكلة؟ وما العلامات التي تستدعي الانتباه؟ وما الخطوات التي يمكن أن تساعد على الوقاية منها؟
تُعرف هذه المشكلة باسم رقبة الهاتف أو الرقبة التقنية (Text Neck أو Tech Neck)، وهي تسمية تُستخدم لوصف الألم والإجهاد اللذين قد يصيبان الرقبة والكتفين نتيجة إبقاء الرأس منحنيًا إلى الأمام لفترات طويلة أثناء النظر إلى الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الحاسوب.
تتحمل عضلات الرقبة عبئًا أكبر عندما يميل الرأس إلى الأمام باستمرار، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع الجلوس دون حركة. ولا يعني استخدام الأجهزة بحد ذاته أن الطفل سيصاب بمشكلة، لكن تكرار الوضعية نفسها لساعات مع قلة النشاط البدني قد يزيد الشعور بالألم والتصلب العضلي.
ولا يقتصر علاج متلازمة رقبة الهاتف لدى الأطفال على تعديل زاوية الرأس وحدها، بل يتطلب أيضًا مراعاة مدة الجلوس، وطبيعة النشاط اليومي، وحصول الطفل على الراحة والنوم الكافي.
قد تظهَر الأعراض تدريجيًا، وغالبًا ما يعجز الطفل عن وصفها بدقة. لذلك، من المفيد الانتباه إلى شكواه وطريقة جلوسه وتغيّر مستوى نشاطه.
من أبرز العلامات المحتملة:
هذه الأعراض ليست دليلًا قاطعًا على وجود متلازمة رقبة الهاتف، فقد تَنتج عن أسباب أخرى، مثل الإصابات أو مشكلات في العضلات والمفاصل. ولكن إذا استمر الألم أو تكرر، فمن الأفضل استشارة طبيب بدل الاكتفاء بتغيير وضعية الجلوس.
لم يعد استخدام الأجهزة محصورًا في الترفيه؛ فالطفل قد يحتاج إلى الحاسوب للدراسة، ويستعمل الهاتف للتواصل، ثم يقضي بقية المساء في ألعاب الفيديو. وهكذا تتكرر ساعات الجلوس وقلة الحركة خلال اليوم. وتشمل العوامل التي قد تزيد الإجهاد:
توصي منظمة الصحة العالمية بأن يمارس الأطفال والمراهقون بين 5 و17 عامًا نحو 60 دقيقة يوميًا من النشاط البدني المتوسط إلى الشديد، مع تقليل الوقت الخامل، خصوصًا وقت الشاشة المخصص للترفيه. وتؤكّد هذه التوصيات على أهمية الحركة المنتظَمة للصحة العامة، لا بصفتها علاجًا مباشرًا لمشكلة الرقبة وحدها.
لا يعني تشخيص المشكلة حاة الطفل إلى أدوية أو علاج معقد؛ إذ يَعتمد علاج متلازمة رقبة الهاتف لدى الأطفال على سبب الألم وشدته، وقد يبدأ بتعديل العادات اليومية وتقليل فترات الجلوس المتواصل. وتوضح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أن تجنب تثبيت الرقبة في وضعية واحدة، والحفاظ على تمارين الحركة المناسبة، من الخطوات المهمة للتعامل مع آلام الرقبة عمومًا.
يمكن للوالدين مساعدة الطفل من خلال الإجراءات التالية:
قد يوصي المختص بالعلاج الطبيعي (Physiotherapy) إذا كان الألم متكررًا أو يؤثر في الدراسة واللعب. ويَهدف علاج متلازمة رقبة الهاتف لدى الأطفال في هذه الحالة إلى تحسين الحركة، وتقوية العضلات، وتدريب الطفل على استخدام جسمه بطريقة مريحة.
قد تشمل الخطة تمارين بسيطة لتصحيح وضعية الرأس، وتحريك الكتفين، وتقوية عضلات أعلى الظهر. لكن ينبغي اختيار التمارين بما يتناسب مع عمر الطفل وحالته، وعدم إجباره على حركة تسبب الألم. ولا يُنصح بتطبيق تمارين قوية أو حركات مفاجئة للرقبة دون توجيه متخصص.
كذلك، لا ينبغي اعتبار جميع المشكلات الناتجة عن استخدام الشاشات دليلًا على حدوث تلف في العمود الفقري أو اضطراب الجهاز العصبي؛ فالأدلة المتعلقة بتأثير وضعية الرقبة في وظائف الدماغ والأعصاب لا تبرر إطلاق مثل هذه الأحكام العامة.
إذا استمر الألم لعدة أسابيع، أو تكرر رغم تعديل العادات اليومية، فمن المهم مراجعة الطبيب لتحديد السبب واختيار العلاج المناسب. ويحتاج الطفل إلى تقييم أسرع إذا ظهَر ألم شديد بعد إصابة، أو صاحَبه تنميل أو ضعف في الأطراف.
أما تيبّس الرقبة المصحوب بحمى وصداع شديد أو حساسية للضوء، فيستدعي طلب المساعدة الطبية العاجلة، لأنه قد يشير إلى حالة عدوى خطيرة لا علاقة لها بوضعية الهاتف.
اجعلوا الحركة جزءًا من حياة الأسرة، بدلًا من تحويل الهاتف إلى مصدر للخلاف اليومي. اتّفقوا مع الطفل على فواصل منتظمة، وخصصوا وقتًا للعب والنشاط خارج المنزل، وكونوا قدوة له في طريقة استخدام الأجهزة. وتذكّروا أن علاج متلازمة رقبة الهاتف لدى الأطفال يبدأ بالوقاية والعادات الصحية، لكنه لا يُغني عن التقييم الطبي عندما تكون الأعراض مستمرة أو غير معتادة.
أصبحت الشاشات جزءًا من حياة الأطفال، لكن تأثيرها يَعتمد إلى حد كبير على كيفية استخدامها والوقت الذي يقضيه الطفل دون حركة. ويمكن أن يساهم الانتباه المبكر إلى وضعية الجلوس، والنشاط البدني، والنوم الكافي في الحد من إجهاد الرقبة وتحسين الراحة اليومية.
Loading ads...
ويبقى السؤال الأهم: هل نعلّم أطفالنا استخدام التكنولوجيا بطريقة تحافظ على صحتهم، أم ننتظر ظهور الألم حتى نبدأ بتغيير عاداتهم؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الرياضة والقدرة الجنسية : هل توجد علاقة بينهما؟
منذ ساعة واحدة
0

تعرّف على متلازمة حساسية الفم وأهم أسبابها وطرق علاجها
منذ ساعة واحدة
0




