ساعة واحدة
نتائج تتجاوز حدود البرازيل.. ماذا يعني فوز لولا دا سيلفا بالانتخابات؟
الإثنين، 26 أكتوبر 2026

حصل لولا دا سيلفا على 51.75% من الأصوات في جولة الحسم في الانتخابات الرئاسية في البرازيل- غيتي
يمثل فوز لولا دا سيلفا في البرازيل كبحًا لموجة اليمين المتطرف ودعمًا جيوسياسيًا للجنوب العالمي لكنه يضع البرازيل أمام مواجهة مفتوحة إثر رفض المعارضة للنتائج.
أربك الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا جميع الحسابات، وخيّب كل التوقعات التي استبقَت أفول نجمه السياسي. فبعدما بدا تقدم منافسه اليميني، فلافيو بولسونارو، حاسمًا في الجولة الأولى، استعاد الرئيس الثمانيني زمام المبادرة في جولة الإعادة يوم أمس الأحد، ليعود إلى القصر الرئاسي بولاية رابعة غير متتالية، مبرهنًا موقعه المتقدم في معادلة البرازيل.
ووفقًا لما أعلنته السلطات الانتخابية، وبعد فرز أكثر من 99% من الأصوات، حصل لولا على 51.75% من الأصوات، مقابل 48.25% لصالح بولسونارو، وهو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
ولدى فوزه، قال لولا: "هذا البلد لا يريد أن يكون حديقة خلفية لأي كان"، متعهدًا بجعل الشعب البرازيلي يشارك في صنع القرار، من دون تفرقة بين المواطنين على أساس العرق أو اللون أو الدين.
تمثل هذه الانتخابات سابقةً لم يشهدها التاريخ السياسي البرازيلي من قبل. فلم يسبق لأي مرشح رئاسي برازيلي أن فاز في الجولة الأولى ثم خسر في جولة الإعادة. فمنذ اعتماد نظام الجولتين في دستور البرازيل لعام 1988، كان المرشح الذي يتصدر الجولة الأولى يفوز دائمًا بالانتخابات في نهاية المطاف.
كسر لولا هذا النمط؛ إذ حوّل تأخرًا بنحو 2.2 مليون صوت في الجولة الأولى إلى فوزٍ في غضون ثلاثة أسابيع.
كما لم يسبق أن انتُخب أي رئيس برازيلي لأربع فترات رئاسية. ومع انتهاء فترته الجديدة، سيكون لولا قد حكم البرازيل لمدة 16 عامًا (غير متتالية)؛ وهي أطول فترة حكم لرئيس منتخب ديمقراطيًا في تاريخ البلاد.
وحده غيتوليو فارغاس حكم لفترة أطول؛ فقد ظل في السلطة لما يقرب من عقدين خلال الفترة الممتدة من ثلاثينيات إلى خمسينيات القرن العشرين، ويُعدّ على نطاق واسع الرئيس الأكثر تأثيرًا في تاريخ البرازيل.
كذلك لم تشهد أي جولة إعادة انتخابية في تاريخ البرازيل هذا المستوى من الشحن الشعبي في الشوارع وعبر الفضاء الرقمي، حيث انقسم الشارع بحدة غير مسبوقة بين المعسكرين.
وتجاوزت الجولة الثانية حدود المنافسة التلفزيونية والحملات الدعائية التقليدية التي سادت الجولة الأولى، لتتحول إلى حراك جماهيري محتدم؛ خاض خلاله اليسار البرازيلي مواجهة ضد نفوذ النخب الاقتصادية، وخوارزميات منصات التواصل، ورئيس المحكمة الانتخابية العليا الذي طالته اتهامات بالانحياز لصالح بولسونارو.
ووفق موقع "ذا كونفيرزيشن"، يحمل فوز لولا أهمية تتجاوز حدود البرازيل. فعلى المستوى العالمي، تظل البرازيل حصنًا في وجه صعود اليمين المتطرف؛ بعد أن حققت أحزاب وقادة اليمين المتطرف تقدمًا في الانتخابات الأخيرة التي جرت في أميركا اللاتينية وأوروبا.
وعلى المستوى الإقليمي، نجح لولا في كسر ما يُعرف بـ "لعنة الحزب الحاكم"؛ فخلال العقد الماضي في أميركا اللاتينية، خسرت الأحزاب الحاكمة انتخابات تلو الأخرى، بعد أن عاقبها الناخبون بسبب التضخم، وانعدام الأمن، والركود الاقتصادي.
ورغم استقرار الاقتصاد البرازيلي نسبيًا، ظلّت مكاسبه متواضعة وغير موزعة بالتساوي. وبينما كانت كافة المؤشرات ترجح كفة الهزيمة، استطاع لولا تجاور هذه العقبات وانتزاع الفوز رغم كل الصعاب.
وتشير "ذا كونفرزيشن" إلى أن فوز لولا يكبح ما أسماه النقاد بـ"عقيدة دونرو" وهي إشارة إلى مساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي من خلال فرض الرسوم الجمركية، واستخدام التهديدات، والمحسوبية السياسية.
وعلى الصعيد الداخلي، تُظهر النتيجة قوة التعبئة الشعبية في صفوف اليسار. فبعد الأداء الضعيف الذي حققه لولا في الجولة الأولى، نجحت حملته في بث روح جديدة في نفوس أنصاره المحبطين، وبناء تحالف واسع من الناخبين؛ بعضهم لم يصوّت لصالح لولا بقدر ما صوّت ضد ما يمثله بولسونارو. كما نجحت الحملة في حشد أولئك الذين امتنعوا عن التصويت خلال الجولة الأولى، ودفعهم للتوجه إلى صناديق الاقتراع.
ففي غضون ثلاثة أسابيع، أقرّ لولا بالأخطاء التي ارتكبها خلال سنوات ولايته الأربع، لا سيما تلك التي شابت حملته الانتخابية الباهتة في الجولة الأولى. كما عمل على صقل رسالته، وتوسيع تحالفاته، ومخاطبة الناخبين الذين كان قد خسر تأييدهم بشكل مباشر.
لكنه الآن أمام مهمة حكم بلدٍ بات أكثر استقطابًا من أي وقت مضى؛ إذ تصاعدت وتيرة العنف السياسي في الشوارع، وانتشر خطاب الكراهية بحرية على شبكة الإنترنت.
وقد أعلنت شخصيات بارزة في اليمين المتطرف، من أمثال نيكولاس فيريرا ولوكاس بافاناتو، أنها لن تقبل بنتائج هذه الانتخابات.
ومن جانبه، رفض فلافيو بولسونارو الإقرار بالهزيمة، قائلًا إنه سيطالب بإلغاء النتيجة بسبب قرار أصدره أحد قضاة المحكمة العليا الأحد بتمديد فترة التصويت لمدة ساعتين.
فبعد ورود مزاعم عن عرقلة تصويت أنصار لولا في عدة مدن، وقع خلاف بين قضاة المحكمة العليا في البرازيل والمحكمة الانتخابية العليا حول تمديد ساعات التصويت ما قد يفتح الباب أمام اتهامات متبادلة بارتكاب مخالفات انتخابية.
ولا يمكن قراءة المشهد في أميركا الجنوبية دون ذكر واشنطن. فقد خاض بولسونارو حملته الانتخابية باعتباره الشريك المفضل لواشنطن في أميركا الجنوبية. وبالنظر إلى العلاقة الوطيدة التي تجمع عائلة بولسينارو والبيت الأبيض قد تشكك إدارة ترمب بنتائج الانتخابات أو ترفض الاعتراف بها.
وكان بولسينارو قد تعهد بالانضمام إلى مبادرة "درع الأميركتين" الأمنية والسياسية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق صحيفة "واشنطن بوست".
ويبقى الشارع عنصرًا هامًا في حسابات بولسينارو ولاسيلفا على حد سواء. ففي عام 2022، دفعت هزيمة جايير بولسونارو الآلاف من أنصاره إلى إقامة مخيمات خارج الثكنات العسكرية، وهو ما انتهى باقتحام مقرات السلطات الثلاث في برازيليا يوم 8 يناير/ كانون الثاني. أما هذه المرة، فقد خرج تيار بولسينارو من الانتخابات التشريعية في وضع أقوى، ومن المرجح أن تستمر حالة معينة من التعبئة الشعبية.
وفي حال تخطي عقبة شرعية الانتخابات، فإن الإقرار بفوز لولا لن يعني فترة رئاسية سلسة، إذ تبرز تحديات رئيسية ستشكل جوهر ولايته الرابعة وتحدد ملامحها.
وتعد كيفية قيادته لبلد يمرّ باستقطاب مجتمعي حاد، في مواجهة هيئة تشريعية ذات أغلبية محافظة وأكثر من اثني عشر حاكمًا للولايات ينتمون للتيار اليميني، تحديًا. فالكونغرس، الذي قيّد حركته طوال السنوات الأربع الماضية، أضحى اليوم أكثر عدائية تجاهه؛ مما يجعل كل مشروع ميزانية، وكل خطة إصلاح، وكل تعيين حكومي مرهونًا بمفاوضات شاقة، مع بقاء احتمالية عزله من منصبه تلوح في الأفق.
ويبدو أن الرئيس البرازيلي يدرك حجم التحديات الداخلية التي تواجه ولايته، وقال بعد فوزه: "نحن دولة مدنية تحترم القانون وعلاقتنا مع الكونغرس البرازيلي ستكون ودية".
كذلك يشكل الملف الإصلاحي، ومدى قدرة الرئيس على معالجة أزمات تتجاوز الحدود الحزبية الضيقة تحديًا آخر.
وتشمل هذه الأزمات الضغوط المالية الناجمة عن تزايد الإنفاق الحكومي، والتآكل المستمر في ثقة الشارع بالمؤسسات الديمقراطية، إضافة إلى الخلل في النظام المؤسسي الذي لم يعد يعمل وفق الغرض الذي أُنشئ من أجله. وتزداد هذه الصورة تعقيداً مع تراجع شرعية المحكمة العليا، التي كانت يومًا ما الضامن للديمقراطية، على خلفية فضيحة مالية كبرى مرتبطة بـ "بانكو ماستر" (Banco Master)؛ ورغم أن الرئيس لا يملك صلاحية قانونية لإصلاح القضاء، إلا أنه مطالب بعدم التعاطي مع هذه الأزمة باعتبارها شأنًا يخص الآخرين وحدهم.
وفي هذا الشأن، تشير صحيفة "إل باييس" الإسبانية إلى أن اليسار البرازيلي مطالب باحتواء الاستياء الشعبي للطبقة الوسطى التي ترى أنها تموّل البرامج الاجتماعية، وهي الفئة التي حاول بولسونارو استمالة أصواتها.
وتلفت الصحيفة إلى ما وصفته "بتآكل سردية" الرئيس البرازيلي، فقصة "لولا" الشاب القادم من الشمال الشرقي برفقة والدته، وكفاحه ضد الجوع، وتحوله من عامل بسيط إلى رئيس للبلاد، وبروزه كزعيم كبير لليسار في أميركا اللاتينية، لم تعد قادرة على حشد الجماهير كما كانت في السابق.
وتضيف الصحيفة: "سيحكم لولا في منطقة اتجهت بتشجيع من واشنطن نحو اليمين المتطرف؛ ولن يتبقى له سوى حليف رئيسي واحد، وهو المكسيك بقيادة كلوديا شينباوم".
وعلى الساحة الدولية، يعطي فوز لولا زخمًا للقضية الفلسطينية، فالرئيس البرازيلي يتبنى تاريخيًا موقفًا يعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة ويُدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومبدأ تقرير المصير في إطار القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وقد اعتبر أن العدوان الإسرائيلي على غزة إبادة جماعية. وكانت البرازيل قد انضمت إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وفي المقابل، لن يكون فوز لولا مرحبًا به في إسرائيل، فرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو انتقد الرئيس البرازيلي على منصة الأمم المتحدة في 22 سبتمبر/ أيلول الماضي, كما قدّم دعمًا علنيًا لفلافيو بولسونارو. فقبل 17 يومًا من جولة الإعادة، دعا نتنياهو بولسونارو إلى زيارة إسرائيل، فيما أعلن مكتب نتنياهو أو بولسونارو بادله الدعوة. وكان بولسونارو قد تعهد باستئناف العلاقات التجارية مع إسرائيل في حال الفوز.
Loading ads...
ويبدو أن البرازيل تخوض معركة صعبة لإثبات قدرة نموذجها الديمقراطي على الصمود في وجه التجييش اليميني المتصاعد والاستقطاب الداخلي الذي يهدد استقرار ولاية لولا الرابعة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





