لطالما اعتقد العلماء أن الدماغ هو المكان الأساسي الذي يبدأ فيه مرض ألزهايمر، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تشير إلى عضو آخر قد يحمل أدلة مبكرة على هذا المرض: العين. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن وجود بكتيريا في العين قد يكون مرتبطًا بزيادة احتمال الإصابة بهذا المرض العصبي التنكسي الذي يؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم.
وقد توصلت دراسة حديثة إلى أن نوعًا شائعًا من البكتيريا المسببة لالتهابات الجهاز التنفسي (الكلاميديا) يمكن أن يبقى داخل أنسجة العين لسنوات طويلة، مما قد يسبب سلسلة من التفاعلات الالتهابية التي قد تساهم في تطور مرض ألزهايمر. هذا الاكتشاف يفتح بابًا علميًا جديدًا لفهم العلاقة بين العدوى المزمنة والاضطرابات العصبية.
العلاقة بين العين والدماغ في تشخيص ألزهايمر
على مدار السنوات الماضية بدأ الباحثون يركزون على العين باعتبارها نافذة حقيقية تدل على صحة الدماغ، لأن شبكية العين تعد امتدادًا مباشرًا للجهاز العصبي المركزي. قبل التوصل إلى فرضية أن وجود بكتيريا في العين يرتبط بهذا المرض، لاحظ العلماء أن العديد من التغيرات البصرية قد تظهَر لدى مرضى ألزهايمر في مراحل مبكرة.
أبرز هذه التغيرات تشمل:
الإصابة بالتنكس البقعي المرتبط بالعمر (Age-related macular degeneration)
ظهور إعتام عدسة العين (Cataract)
الإصابة بالجلوكوما أو الزَّرق (Glaucoma)
ضمور القشرة الخلفية (Posterior cortical atrophy)
كما كشفَت أبحاث أخرى أن بعض التغيرات الهيكلية في العين قد تكون مؤشرًا مبكرًا على المرض، مثل:
تلف الأوعية الدموية الدقيقة في الشبكية
زيادة سماكة طبقات الشبكية (Retinal thickening)
تغيرات في العصب البصري
هذه المؤشرات دفعت العلماء للبحث بشكل أعمق عن العوامل التي قد تفسر هذه الظواهر، وكان أحد أكثر الاكتشافات إثارة هو احتمال وجود بكتيريا في العين لفترات طويلة.
بكتيريا في العين التي قد تختبئ فيها لسنوات
في الدراسة الحديثة قام الباحثون بفحص أنسجة شبكية العين لدى 104 أشخاص تراوحت حالتهم المعرفية بين الإدراك الطبيعي وضعف الإدراك البسيط وصولًا إلى مرض ألزهايمر. استخدم الباحثون عدة تقنيات علمية متقدمة للكشف عن وجود العدوى البكتيرية، مثل:
تحليل البروتينات (Protein analysis)
الاختبارات الجينية (Genetic testing)
تقنيات التصوير المتقدمة (Advanced imaging)
وقد ركز العلماء على نوع من البكتيريا يعرف باسم الكلاميديا الرئوية (Chlamydia pneumoniae)، وهي بكتيريا تسبب عادة التهابات الجهاز التنفسي مثل:
التهاب الجيوب الأنفية
الالتهاب الرئوي
التهابات الشعب الهوائية
لكن المفاجأة كانت اكتشاف وجود هذه البكتيريا داخل أنسجة العين، ما يشير إلى أن بكتيريا في العين قد تبقى كامنة لسنوات دون أن تسبب أعراضًا واضحة.
كلما زادت البكتيريا زادت حدة التدهور المعرفي
أحد أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن مستويات هذه البكتيريا كانت أعلى بكثير لدى المرضى المصابين بألزهايمر مقارنة بالأشخاص الأصحاء.
ووجَد الباحثون علاقة واضحة بين كمية هذه البكتيريا في العين وشدة المرض. وقد لاحظ العلماء ما يلي:
ارتفاع مستويات هذه البكتيريا في شبكية العين لدى مرضى ألزهايمر
ارتباط زيادة هذه البكتيريا بتدهور القدرات الإدراكية
ظهور علامات التهابية قوية داخل أنسجة العين
كما أظهَرت تجارب مخبرية على الخلايا العصبية أن العدوى بهذه البكتيريا قد تؤدي إلى:
زيادة الالتهاب العصبي (Neuroinflammation)
موت الخلايا العصبية (Neuronal cell death)
تسارع التدهور المعرفي
والأكثر أهمية أن هذه العدوى حفزت إنتاج بروتين يسمى بيتا أميلويد (Amyloid-beta)، وهو أحد العلامات الأساسية المرتبطة بمرض ألزهايمر. وهذا يشير إلى أن وجود بكتيريا في العين قد لا يكون مجرد مصادفة، بل ربما يشارك فعليًا في تطور المرض.
دور الجينات في زيادة خطر العدوى
لم تتوقف النتائج عند اكتشاف بكتيريا في العين فقط، بل كشفَت الدراسة أيضًا عن دور العوامل الوراثية في هذه العلاقة. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يحملون متغيرًا جينيًا يسمى APOE4 كانوا أكثر عرضة لوجود مستويات أعلى من هذه البكتيريا. هذا الجين يعد أحد أهم عوامل الخطر الوراثية المرتبطة بمرض ألزهايمر، وقد يفسر ذلك عدة احتمالات:
زيادة قابلية الجسم للإصابة بالعدوى
ضعف قدرة الجهاز المناعي على التخلص من البكتيريا
تضخم الاستجابة الالتهابية داخل الدماغ
ويمكن أن يؤدي هذا التفاعل بين الجينات والعدوى إلى تسريع العمليات التنكسية في الدماغ.
هل يمكن استخدام فحص العين للكشف المبكر عن مرض ألزهايمر؟
يرى الخبراء أن هذا الاكتشاف قد يغير مستقبل تشخيص ألزهايمر. فبدلًا من الاعتماد فقط على فحوص الدماغ المعقدة، قد يصبح من الممكن الكشف عن المرض في مراحله المبكرة من خلال فحص العين. الخطوات التي يعمل العلماء عليها حاليًا تشمل:
تطوير تقنيات تصوير الشبكية غير الجراحية
الكشف عن مؤشرات الالتهاب المرتبطة بالعدوى
استخدام العين كأداة لفحص المخاطر المبكرة
إذا نجحت هذه التقنيات، فقد يسمح ذلك باكتشاف وجود بكتيريا في العين قبل ظهور الأعراض العصبية بسنوات.
لماذا تُعتبر فحوص العين الدورية مهمة؟
يشير الخبراء إلى أن فحص العين المنتظم قد يصبح أداة مهمة للكشف المبكر عن أمراض الدماغ.
فالعين تحتوي على شبكة معقدة من الأعصاب والأوعية الدموية المرتبطة مباشرة بالجهاز العصبي المركزي (Central nervous system).
وقد تساعد الفحوصات المنتظمة في:
اكتشاف التغيرات المبكرة في الشبكية
مراقبة تراكم البروتينات المرتبطة بألزهايمر
رصد أي علامات تشير إلى وجود بكتيريا في العين
وقد يفتح ذلك الباب أمام تدخلات علاجية مبكرة تقلل من سرعة تطور المرض.
نصيحة من موقع صحتك
تشير الدراسات إلى أن مرض ألزهايمر يصيب نحو 32 مليون شخص حول العالم، وهو أحد أكثر أنواع الخرف انتشارًا. ومع أن العلاقة بين هذه العدوى ومرض ألزهايمر ما زالت قيد الدراسة، فإن وجود بكتيريا في العين قد يمثل مؤشرًا بيولوجيًا مهمًا في المستقبل.
لذلك يَنصح الخبراء بعدة خطوات بسيطة لكنها مهمة:
إجراء فحص شامل للعين مرة واحدة سنويًا على الأقل
علاج التهابات الجهاز التنفسي والجيوب الأنفية مبكرًا
الحفاظ على صحة الجهاز المناعي
متابعة أي تغيرات في الرؤية أو الذاكرة
هذه الإجراءات قد تساعد في اكتشاف المشكلات الصحية مبكرًا قبل أن تتطور.
Loading ads...
نهايةً، تكشف هذه الدراسة عن احتمال علمي مثير: ربما لا يبدأ مرض ألزهايمر في الدماغ فقط، بل قد تكون هناك إشارات مبكرة تظهَر في العين قبل سنوات من ظهور الأعراض. فهل يمكن أن تصبح بكتيريا في العين يومًا ما علامة تحذيرية مبكرة للمرض؟ وهل سيتمكن العلماء فعلًا من إيقاف تطور ألزهايمر بمجرد علاج عدوى بكتيرية كامنة؟ الإجابة ما تزال قيد البحث، لكن المؤكد أن العين قد تخبئ أسرارًا أكثر مما كنا نتخيل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






