2 أشهر
التوزيع غير العادل للعملة الجديدة يعمق أزمة استبدال الليرة السورية
الخميس، 29 يناير 2026

شهدت عملية استبدال العملة السورية الجديدة بالعملة القديمة، منذ انطلاقها مطلع العام الجاري، سلسلة من التحديات البنيوية والتنظيمية التي انعكست بشكل مباشر على أداء المصارف العامة، وأثارت موجة واسعة من التذمر الشعبي، في وقت لم تسجل فيه الأسواق تداولات ملموسة بالعملة الجديدة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول فعالية الآلية المعتمدة وجدواها الاقتصادية والنقدية.
وبينما كانت المصارف تكافح لتلبية الطلب المتزايد على الاستبدال ضمن إمكانات محدودة، تصاعدت في موازاة ذلك شائعات عن تزوير بعض فئات العملة الجديدة، وهو ما دفع مصرف سوريا المركزي، في 15 كانون الثاني الجاري، إلى إعادة نشر تصريح لحاكمه عبد القادر الحصرية، أكد فيه بشكل قاطع عدم تلقي أي بلاغ رسمي من مصارف أو مؤسسات مالية أو أفراد حول وجود حالات تزوير.
نفي رسمي وتحذير من التضليل
اعتبر الحاكم أن ما يجري تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأحاديث العامة لا يعدو كونه نتاج سوء فهم أو حالة خوف وتشويش، أو محاولات لجذب التفاعل بعيدًا عن الوقائع، داعيًا المواطنين إلى إبلاغ المصرف المركزي فورًا عن أي حالة مشتبه بها ليصار إلى التعامل معها وفق الأصول.
على الأرض، أظهرت جولة ميدانية في الوسط التجاري لدمشق، ولا سيما في محيط ساحة المحافظة، مجموعة من المعوقات التي واجهت عملية الاستبدال، أبرزها ضعف توفر النقد الجديد في المصارف العامة نتيجة الحصص المحدودة التي يضخها المركزي، والازدحام الشديد داخل الفروع، ما أدى إلى تراجع قدرتها على الاستيعاب، بحسب “عنب بلدي”.
كما اشتكى مواطنون من متطلبات تنظيمية صارمة فرضها المركزي تتعلق بفرز الأوراق النقدية القديمة وترتيبها قبل الاستبدال، وهو ما أطال زمن إنجاز كل معاملة.
سقوف غير معلنة وارتباك عام
إلى جانب ذلك، برزت شكاوى من رفض بعض شركات الصرافة استبدال مبالغ كبيرة، وفرضها سقوفًا غير معلنة، فضلًا عن حالة ارتباك سادت في الأيام الأولى حول آلية الاستبدال والوثائق المطلوبة وأماكن التنفيذ، رغم البيانات التوضيحية المتكررة الصادرة عن المركزي، ولاحظ متابعون أيضًا محدودية دور المصارف العامة مقارنة بالمصارف الخاصة وشركات الصرافة.
في هذا السياق، كشف مسؤول إداري في أحد المصارف العامة، فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب إدارية، أن مصرف سوريا المركزي مال منذ بداية العملية إلى تزويد المصارف الخاصة وشركات الصرافة بكميات من العملة الجديدة تفوق بكثير ما سُلّم للمصارف العامة.
وأوضح أن هناك تفاوتًا كبيرًا في التوزيع، على الرغم من الانتشار الجغرافي الواسع للمصارف العامة وتعامل الشريحة الأكبر من المواطنين معها في مختلف المحافظات، سواء لجهة الإيداعات أو القروض أو الكفالات والتسهيلات الائتمانية.
أرقام تكشف الفجوة
أشار المسؤول إلى أن أحد المصارف الخاصة تسلّم عند بدء عملية الاستبدال أكثر من 105 ملايين ليرة سورية جديدة، رغم أن عدد فروعه لا يتجاوز سبعة فروع، في حين تمتلك المصارف العامة أكثر من 40 فرعًا ومكتبًا لكل منها، مع وصول أوسع إلى المواطنين والفعاليات الاقتصادية.
واعتبر أن معالجة الخلل لا تتطلب إجراءات معقدة، بل يمكن للمركزي، بحسب رأيه، تسليم كل مصرف عام كمية تعادل متوسط عملياته المالية الشهرية، دون اشتراط تسليم عملة قديمة مقابل الجديدة، مع تمديد ساعات الاستبدال حتى السادسة مساء، ما يسمح بإنهاء العملية خلال شهر واحد بدلًا من ثلاثة.
ويفسر استئثار المصارف الخاصة بالحصة الأكبر من الكتلة النقدية الجديدة، وفق المصدر ذاته، الندرة الواضحة للعملة الجديدة في الأسواق، إذ إن غالبية المواطنين لا يتعاملون مع تلك المصارف، إضافة إلى ميل من يحصل على العملة الجديدة إلى ادخارها والتعامل بالقديمة. كما انتقد اشتراط المركزي تسليم المصارف العامة العملة القديمة قبل يومين أو أكثر من حصولها على الجديدة، معتبرًا أن هذا الإجراء يوحي بضعف الثقة، رغم أن كل عمليات الاستبدال موثقة وتظهر فورًا لدى المركزي.
تقييد السحوبات بين الضرورة والمخاطر
نتيجة محدودية الكميات المسلمة، تقتصر عمليات الاستبدال في المصارف العامة على يومين فقط أسبوعيًا، إذ يتسلم كل مصرف دفعتين من العملة الجديدة، ثم تتوقف العملية بقية الأسبوع، أو يُضطر المصرف إلى خفض سقوف الاستبدال اليومية، في وقت يُحظر فيه ضخ العملة القديمة في الأسواق.
فيما يخص تقييد السحوبات المصرفية، رأى المسؤول أن استمرار القرار بعدم فتح سقوف السحب يُعد إجراءً صائبًا في ظل عملية الاستبدال، لأن أي تسليم للودائع يتم بالليرة السورية، وفتح السقوف في ظل ودائع ضخمة، ولا سيما في المصرف التجاري السوري، سيؤدي إلى إغراق الأسواق بالعملة الجديدة وخلق موجة تضخمية.
واعتبر أن استبدال العملة من الودائع ينطوي على مخاطر كبيرة، لكونه يفضي إلى ضخ نقد جديد دون سحب مقابل من العملة القديمة، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن تقييد السحوبات في الظروف العادية يقوض الثقة بالقطاع المصرفي، ويغذي مخاوف من مصادرة غير مباشرة أو تجميد للأموال، ويدفع المواطنين إلى الاكتناز بدل الإيداع.
Loading ads...
وفي تطور لافت، أشار المسؤول إلى أن تعميم مصرف سوريا المركزي القاضي بتمكين المودعين بعد 7 أيار/ مايو 2025 من سحب ودائعهم كاملة، شكل ثغرة مكنت كبار التجار والصناعيين من استبدال مدخراتهم من العملة القديمة دون التقيد بسقوف الاستبدال، مشيرًا إلى أنه بإمكان أي صاحب رأسمال إيداع ما لديه من نقد قديم ثم سحبه كاملًا بعد يومين بالعملة الجديدة، وهو ما حصل فعليًا في بعض الحالات، قبل أن يُلزم أصحابها بسقف السحب الأسبوعي، في محاولة للحد من آثار هذا المسار على التوازن النقدي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




