9 أشهر
أول شحنة نفط سعودي في طريقها إلى سوريا.. لماذا تجنبت العبور من البحر الأحمر؟
الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

في تطور لافت يعكس تحولات في العلاقات الاقتصادية الإقليمية، بدأت أول ناقلة نفط سعودية رحلتها نحو السواحل السورية، حاملة أكثر من مليون برميل من الخام، في خطوة غير مسبوقة من حيث نوع الشحنة ومسارها البحري.
الناقلة “بيتاليدي”، التي ترفع علم ليبيريا، اختارت طريقًا أطول عبر رأس الرجاء الصالح، متجنبة المرور عبر البحر الأحمر، في مؤشر على تعقيدات أمنية واقتصادية تحيط بالمنطقة.
مسار طويل عبر القارة الأفريقية
كشفت بيانات تتبع حركة السفن أن ناقلة النفط “بيتاليدي”، اختارت مسارًا غير معتاد في رحلتها نحو الساحل السوري، إذ تجنبت المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس واتجهت جنوبًا نحو طريق رأس الرجاء الصالح، في رحلة طويلة تمتد حول القارة الأفريقية قبل دخول البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق جبل طارق.
وأفادت منصة “مارين ترافيك” المتخصصة في تتبع حركة السفن بأن الناقلة وصلت بالفعل إلى جنوبي جزيرة مدغشقر، وهي في طريقها إلى ميناء بانياس السوري، حيث يُتوقع أن تصل منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، حاملة أول شحنة نفط خام سعودي إلى سوريا منذ عقود.
تُعد هذه الشحنة، البالغة نحو مليون و71 ألف برميل من النفط الخام، جزءًا من منحة سعودية أكبر تقدر بنحو 1.65 مليون برميل، أعلنت عنها الرياض في أيلول/ سبتمبر الماضي لدعم الحكومة السورية في تلبية جزء من احتياجاتها من الوقود وتشغيل محطات الكهرباء.
لماذا رحلة أطول وتكاليف أعلى؟
تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الناقلة حملت “خام الحوت” من الخفجي في السعودية، وتوقفت لاحقًا في رأس تنورة لدمج مكثفات من حقل الخف مع الخام الأساسي، لتتوافق مكوناته مع مواصفات التشغيل في مصفاة بانياس، التي تُعد الشريان الرئيسي لإمدادات الوقود في سوريا.
رغم أن الطريق الطبيعي للشحن بين الموانئ السعودية والسواحل السورية يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، اختارت “بيتاليدي” الإبحار في المسار الأطول والأكثر كلفة عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما أثار تساؤلات حول دوافع القرار.
ونقلت منصة “الطاقة” عن مصادر مطلعة أن الالتفاف حول أفريقيا يعود إلى سببين أساسيين؛ أولهما امتلاء خزانات النفط السورية في الوقت الراهن وعدم توافر قدرة تخزينية إضافية، ما استدعى تأجيل وصول الشحنة إلى منتصف تشرين الثاني المقبل.
أما السبب الثاني فيرتبط بالمخاطر الأمنية المتزايدة في البحر الأحمر بسبب تصاعد الهجمات الحوثية في اليمن على السفن التجارية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير ومطرد في أقساط التأمين والسلامة للشحنات المارة عبر المضيق.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
رمزية سياسية
قد دفعت هذه المخاطر إلى اتخاذ قرار الإبحار حول قارة أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه يزيد من طول الرحلة وزمنها بشكل كبير، إلا أنه يضمن مساراً “أكثر أمنًا” للشحنة الثمينة.
ويعكس هذا المسار البحري الطويل الذي اختارته السعودية لتوصيل منحتها النفطية حجم الحذر الأمني والاقتصادي المحيط بتجارة الطاقة في المنطقة، إذ باتت شركات التأمين تفرض رسومًا مضاعفة على السفن المارة قرب السواحل اليمنية، في ظل استمرار الهجمات التي تستهدف الملاحة.
وتقول مصادر في قطاع الطاقة إن الناقلة فضلت تحمل تكاليف الإبحار الإضافية بدل المجازفة بعبور الممر المهدد، خصوصًا أن الشحنة تحمل رمزية سياسية واقتصادية، كونها أول نفط سعودي يدخل الأراضي السورية في تاريخ العلاقات بين البلدين.
انفتاح اقتصادي متسارع
منذ إعلان الرياض عن المنحة في أيلول الماضي، بدأت العلاقات الاقتصادية بين دمشق والرياض تتخذ منحى أكثر انفتاحًا، فقد جرى توقيع مذكرة تفاهم بين الصندوق السعودي للتنمية ووزارة الطاقة السورية، في خطوة وصفتها المملكة بأنها “دعم للاستقرار والتنمية المستدامة في سوريا”.
تركز المنحة على تشغيل المصافي المحلية وتحقيق الاستدامة المالية لقطاع الطاقة الذي يعاني من تراجع حاد منذ أكثر من عقد، وأكد وزير الطاقة السوري، محمد البشير، أن الشحنة السعودية ستُستخدم لتشغيل مصفاة بانياس بعد توقفات متكررة بسبب نقص الخام، مشيرًا إلى أن هدف الحكومة هو ضمان استدامة عمل المصفاة وتأمين الوقود اللازم للمركبات والخدمات العامة.
ويأتي هذا التعاون ضمن حزمة أوسع من الاتفاقيات الاقتصادية بين البلدين، ففي آب/ أغسطس الماضي، وقّعت السعودية اتفاقية وست مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة المختلفة بين شركات سعودية ووزارة الطاقة السورية، على هامش مشاركة المملكة في معرض دمشق الدولي، شملت مشاريع للكهرباء والنفط والغاز والمسوحات الجيوفيزيائية وتطوير حقول الإنتاج وتدريب الكوادر المحلية.
تحول جديد في خريطة العلاقات الإقليمية
تهدف هذه التفاهمات إلى إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة في سوريا، وتعزيز استقرار الإمدادات الكهربائية والنفطية، وهي خطوة يرى مراقبون أنها تعبّر عن رغبة سعودية في استعادة دورها الإقليمي عبر الانخراط في عملية إعادة الإعمار الاقتصادية.
كما تُعد هذه الشحنة النفطية السعودية إلى سوريا، بكل ما تحمله من دلالات اقتصادية وسياسية، مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، تتجاوز سنوات القطيعة وتفتح آفاقًا لإعادة بناء قطاع الطاقة السوري المنهك.
وبينما تواصل الناقلة “بيتاليدي” رحلتها الطويلة نحو ميناء بانياس، تبقى الأنظار معلقة على ما إذا كانت هذه الخطوة ستشكل نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية بين الرياض ودمشق، وعلى قدرة الطرفين في ترجمة هذا التعاون إلى مشاريع مستدامة تعيد الحيوية للبنية التحتية وتخفف من وطأة الأزمة على المواطن السوري.
Loading ads...
وفي ظل التحديات الأمنية واللوجستية التي تحيط بالمنطقة، يبدو أن طريق رأس الرجاء الصالح لم يكن مجرد خيار ملاحي، بل تعبير عن تعقيدات أوسع في المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الجغرافيا السياسية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

