7 أيام
الأموال المنهوبة في سوريا.. استعادة للمال العام أم إعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي؟
الإثنين، 27 أبريل 2026
أعادت لجنة الكسب غير المشروع طرح ملف الأموال المنهوبة عبر تصريحات رئيسها باسل السويدان في نهاية الشهر الفائت، حيث عرض مسار العمل على التسويات واستعادة الأصول ونقل إدارة عدد من الشركات والعقارات إلى مؤسسات حكومية، ومع هذه الخطوات دخلت الأصول المصادرة مرحلة جديدة تقوم على الإدارة المباشرة من قبل أجهزة رسمية.
وقد فرض حضور الدولة داخل قطاعات إنتاجية وخدمية عبر إدارة شركات كانت ضمن شبكات رجال أعمال من المرحلة السابقة؛ مساراً جديداً داخل السوق، إذ انتقلت قرارات التشغيل والاستثمار والتمويل إلى مؤسسات رسمية تدير هذه الأصول، ومع هذا الانتقال بدأت مراكز القرار الاقتصادي تتشكل داخل هذه المؤسسات، وارتبطت حركة هذه القطاعات بإدارة إدارية مباشرة تتعامل مع العقود والتشغيل وتوزيع الموارد.
ومع انتقال شركات في الاتصالات والعقارات والخدمات إلى هذا النمط من الإدارة، بدأت خريطة السوق تشهد إعادة ترتيب تدريجية في مواقع الفاعلين الاقتصاديين، حيث تتولى مؤسسات حكومية إدارة أصول كبيرة الحجم وتتحكم بقرارات تشغيلها وتمويلها مباشرة، وبهذا أصبح ملف الأموال المنهوبة جزءاً من إعادة تنظيم الدورة الاقتصادية الجارية، عبر إدارة مباشرة للأصول وعبر تأثير واضح على توزيع الحصص داخل القطاعات المرتبطة بها.
وكان السويدان قد عرض إنشاء مؤسسات تابعة للمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية لتتولى إدارة هذه الأصول وتشغيلها واستثمارها، ومع ذلك انتقلت الأصول المصادرة إلى نمط إدارة مباشر عبر أجهزة رسمية تتولى قرارات التشغيل والتمويل والتعاقد، واستمرت الشركات والمصانع في العمل تحت إشراف إدارات جديدة ترتبط بهذه المؤسسات، ومع هذا الانتقال تركزت إدارة أصول كبيرة داخل بنية إدارية واحدة تتحكم بحركة الإنتاج والعقود والتدفقات المالية، وارتبط ملف الأموال المستردة بمسارات التشغيل وإدارة الشركات داخل السوق، بما يكرّس انتقال السيطرة على هذه الأصول إلى مستوى إداري مركزي يؤثر في توزيع الموارد داخل القطاعات المرتبطة بها.
عملياً، يبدو أن الاقتصاد السوري يدخل مرحلة تتداخل فيها وظيفة الدولة مع وظيفة السوق عبر إدارة مباشرة لأصول إنتاجية وخدمية كبيرة، وهذا التحول يخلق مركز قرار اقتصادي داخل الجهاز التنفيذي يتحكم بسلاسل تشغيل وتمويل وعقود توريد وتوظيف، ومع مرور الوقت تتراكم لدى هذا المركز قدرة على توجيه الموارد وتحديد أولويات الاستثمار على مستوى القطاعات، وتظهر آثار ذلك في بنية الأسعار وشروط المنافسة وفي توزيع الحصص داخل السوق، وتتشكل طبقة إدارية اقتصادية داخل المؤسسات العامة تدير شركات معقدة تحتاج إلى خبرة تشغيلية واستثمارية، وهذه الطبقة تصبح جزءاً من بنية النفوذ الاقتصادي، وتتعامل مع شبكة موردين ومتعهدين وممولين.
ومع توسع هذا النمط تتغير قواعد الدخول إلى السوق لأن الوصول إلى القطاعات الحيوية يمر عبر قنوات مؤسسية مرتبطة بإدارة الأصول، ويدفع القطاع الخاص إلى العمل ضمن واقع تتحكم به هذه القنوات، ويسعى إلى التكيف مع بيئة تتحدد فيها الفرص عبر مزيج من القرارات الإدارية والتعاقدات الحكومية، ويؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب علاقات القوة داخل الاقتصاد بحيث ترتبط القدرة على التوسع أو البقاء بمدى القرب من مراكز الإدارة الجديدة وقدرتها على منح التراخيص والعقود وتسهيل الوصول إلى الموارد.
من جانبه قال د. فراس شعبو، الخبير المالي والباحث الاقتصادي، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن ملف الأموال المصادرة يتجاوز مسألة الاسترداد المالي المباشر، ويرتبط بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الأصول إلى موارد منتجة تدخل في حركة السوق، موضحاً أن الأثر الحقيقي لهذه السياسات يرتبط بقدرة الدولة على إعادة تشغيل الأصول وتوليد قيمة اقتصادية منها، لأن الأرقام المستردة تبقى محدودة قياساً بحجم الاحتياجات المالية للاقتصاد السوري، الذي يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تنشيطه، وأضاف أن استعادة مبالغ محدودة، مهما بلغ حجمها، لا تحدث تحولاً في بنية الاقتصاد ما لم تُربط بإدارة فعالة لهذه الأصول وبقدرتها على خلق قيمة مضافة مستمرة.
وأشار شعبو إلى أن هذا المسار يدفع نحو إعادة تشكيل البنية الاقتصادية، حيث يؤدي إلى تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال المرحلة السابقة، لافتاً إلى أن إدارة الأصول المصادرة تسهم في إعادة رسم خريطة النفوذ داخل الاقتصاد، من خلال نقل السيطرة على شركات وقطاعات إلى صيغ إدارية جديدة ترتبط بالمؤسسات الرسمية.
وأضاف شعبو أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار أوسع يرتبط بإعادة تشكيل التوازن داخل الاقتصاد، مع الإشارة إلى أن استعادة الأصول، خاصة الموجودة خارج البلاد، تحتاج إلى مسار طويل يتطلب تعاوناً دولياً وإجراءات قانونية معقدة، لافتاً إلى أن الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية في الوقت نفسه، من خلال ارتباطه بإعادة توزيع الموارد واستعادة الدولة لسيطرتها على قطاعات اقتصادية مؤثرة.
في حين تُعيد التسويات المالية تدوير الأصول داخل الاقتصاد وتدفع نحو إعادة تشغيل الشركات ضمن مسار سريع، لكنها في الوقت نفسه تعيد تعريف موقع كل فاعل اقتصادي داخل الشبكة الجديدة، لأن شروط التسوية تحدد حجم الحصة التي يحتفظ بها الفاعل وحجم الحصة التي تنتقل إلى الدولة أو إلى شركاء جدد، ومع تعدد هذه الحالات تتشكل خريطة ملكية مختلفة داخل القطاعات، ويظهر أثر ذلك في إعادة توزيع السيطرة على سلاسل القيمة وعلى العقود الكبرى، كما تتشكل شبكة علاقات مالية وقانونية جديدة تديرها مكاتب محاماة ووسطاء وخبراء ماليون يتابعون ملفات التسوية ويحددون مساراتها، وهذا يخلق اقتصاداً يقوم على ترتيبات تفاوضية مستمرة ترتبط بملفات سابقة وبشروط مالية محددة، وتبرز المخاطر عندما تتقاطع هذه الترتيبات مع إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل السوق، لأن انتقال حصص في شركات كبيرة أو أصول استراتيجية يغيّر توازن القوة داخل القطاعات ويؤثر على اتجاهات الاستثمار وعلى استقرار بيئة الأعمال، ومع استمرار هذا المسار تتحدد قدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة وفق درجة وضوح القواعد التي تحكم التسويات وطبيعة الشبكات التي تدير الأصول وتتحكم بتدفقاتها المالية.
في هذا السياق يرد في تقرير بحثي صادر عن مركز الحوار السوري في آذار الماضي، إذ تناول التقرير ملف استرداد الأموال المنهوبة من زاوية إدارية واقتصادية وركز على مسألة إدارة الأصول بعد استردادها وعلى آليات التسويات المالية وحدودها القانونية والمالية، وأشار التقرير إلى أن غياب معايير واضحة للتسويات وآليات إدارة الأموال المستردة يفتح باباً واسعاً أمام إعادة تشكيل الملكية الاقتصادية من خلال التسويات، لأن التسوية المالية تعني عملياً تحديد من يحتفظ بجزء من أصوله ومن تنتقل ملكية جزء من أصوله إلى الدولة، ومع تكرار هذا المسار في عدد كبير من الملفات يتحول ملف استرداد الأموال إلى مسار يعيد توزيع الملكية داخل الاقتصاد ويعيد رسم خريطة الفاعلين الاقتصاديين، خاصة عندما تترافق التسويات مع إدارة حكومية مباشرة للأصول المصادرة.
وفي السياق نفسه، تناولت تقارير دولية ملف التسويات المالية ونقل ملكية الأصول في سوريا، وأشارت هذه التقارير إلى أن تسويات مالية واسعة جرت مع رجال أعمال من المرحلة السابقة، وشملت نقل حصص كبيرة من شركات وأصول إلى الدولة أو إلى جهات اقتصادية جديدة، ومع هذا التغير تظهر طبقة اقتصادية جديدة تدير أصولاً كانت سابقاً ضمن شبكة اقتصادية مختلفة، وهذا التحول يحدث عبر أدوات قانونية ومالية مثل المصادرة الجزئية والتسويات ونقل الملكية وإعادة هيكلة الشركات.
في روسيا خلال مرحلة التحول الاقتصادي جرى نقل ملكية أصول ضخمة في قطاعات الطاقة والمعادن إلى شبكات مالية وصناعية تولت إدارتها، ومع إدارة هذه الأصول تشكلت منظومة مالية صناعية تمتلك أدوات تمويل وإدارة وتعاقد، وأصبحت هذه المنظومة قادرة على التحكم في تدفقات الموارد وفي علاقات التصدير والتوريد، ونتج عن ذلك إعادة توزيع القوة الاقتصادية داخل السوق على أساس السيطرة على الأصول وقدرة إدارتها.
وفي العراق بعد عام 2003 دخلت الدولة مرحلة إدارة أصول عامة وإعادة تشغيل شركات متوقفة بالتوازي مع توسيع منظومة العقود في قطاعات النفط والخدمات والبنى التحتية، ومع توسع هذه المنظومة ظهرت شبكات مقاولين وموردين ترتبط بإدارة الأصول وبالقدرة على تنفيذ المشاريع والعقود، وظهر أثر ذلك في إعادة توزيع الفرص الاقتصادية وفي تشكيل مراكز نفوذ داخل السوق ترتبط بالوصول إلى هذه العقود وإدارة تدفقاتها المالية.
في المحصلة، يتجه مسار التسويات وإدارة الأصول نحو تكوين شبكة إدارة اقتصادية تتحرك داخلها القرارات المالية والتشغيلية عبر قنوات محددة، تديرها مؤسسات رسمية ومكاتب قانونية وشبكات تعاقد، ومع اتساع هذا المسار تتحدد مواقع الفاعلين الاقتصاديين وفق قدرتهم على التكيف مع هذه البنية الجديدة والوصول إلى مراكز القرار المرتبطة بإدارة الأصول.
Loading ads...
ضمن هذا السياق، يكشف ملف الأموال المنهوبة عن مسار التحولات الجارية داخل الاقتصاد السوري، وعن طبيعة الشبكات التي تدير هذا الانتقال، ومع تتابع هذه العمليات تتبلور خريطة اقتصادية جديدة تتحدد فيها مواقع القوة وفق القدرة على إدارة الأصول والتحكم في تدفقاتها، وهو مسار يترك أثره المباشر على شكل السوق وعلى اتجاهاته في المرحلة القادمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




