13 أيام
طائرة لم تصل إلى تونس.. ماذا غيّر اعتقال وفد الثورة الجزائرية عام 1956؟
الخميس، 22 أكتوبر 2026

أعضاء الوفد الجزائري مع ولي العهد المغربي مولاي الحسن في مطار الرباط، 22 أكتوبر 1956 - غيتي
أبعد اعتقال وفد الثورة الجزائرية قادة بارزين عن النشاط المباشر، وضرب محاولة للوساطة في تونس، وأثار أزمة مع فرنسا. لكنه لم يوقف الثورة أو يمحُ أدوار المعتقلين السياسية.
كانت الوجهة تونس، والنهاية الاعتقال في الجزائر. وبعد 70 عامًا، ماذا تكشف الوثائق عن أثر اعتراض الطائرة في الثورة ومحاولات التفاوض مع فرنسا؟
كان وفد الثورة الجزائرية في طريقه إلى اجتماع يبحث مخرجًا سياسيًا للحرب، حين انتهت رحلته في قبضة السلطات الفرنسية.
ففي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 1956، حُوّلت الطائرة المتجهة من الرباط إلى تونس، عبر بالما دي مايوركا، إلى الجزائر، واعتُقل أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف ومحمد خيضر ومصطفى الأشرف.
أبعدت العملية شخصيات بارزة عن الحركة المباشرة، لكنها أصابت أيضًا محاولة المغرب وتونس فتح طريق للتسوية. وبعد سبعين عامًا، تبقى أهميتها في هذه المفارقة:
استطاعت فرنسا احتجاز رجال كانت تلاحقهم، فيما استمرت الثورة، واتسع الخلاف حول الطريقة التي أرادت بها باريس إنهاءها.
لم يكن الرجال الخمسة يشغلون الموقع نفسه.
كان بن بلة وآيت أحمد وخيضر من أبرز وجوه التمثيل الخارجي لجبهة التحرير الوطني، وكان بوضياف أحد مؤسسي الثورة ومنظمي انطلاقتها. أما مصطفى الأشرف فكان كاتبًا وأستاذًا ومناضلًا في الحركة الوطنية، ولم يكن في المرتبة التنظيمية نفسها للقادة الأربعة.
وكان خيضر، النائب السابق في الجمعية الوطنية الفرنسية، قد شارك في اتصالات سرية مع حكومة غي موليه، وفق سيرته المنشورة في أرشيف الجمعية.
لذلك حملت الرحلة وزنًا سياسيًا يتجاوز انتقال مجموعة من المطلوبين من بلد إلى آخر:
كان بين ركابها رجال يعملون على تأمين الدعم للثورة وتمثيلها والتواصل بشأن مستقبلها.
أربعة قادة تاريخيون وكاتب مناضل جمعهم الاعتقال في 22 أكتوبر 1956
كانت الوجهة لقاءً في تونس بمشاركة السلطان محمد الخامس والحبيب بورقيبة، رئيس الحكومة التونسية آنذاك. وفي برقية أرسلها ممثل الجبهة محمد يزيد إلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور في اليوم التالي للاعتقال، وصف الغاية بأنها البحث عن حل سلمي للقضية الجزائرية، وقال إن الحكومة الفرنسية كانت على علم بالمبادرة.
أقلعت طائرة من طراز "دوغلاس دي سي 3" من مطار الرباط سلا، وتوقفت للتزود بالوقود في بالما دي مايوركا بجزر البليار الإسبانية، قبل استئناف الرحلة نحو تونس. وكانت تابعة للشركة الشريفة للنقل الجوي، ومسجلة في فرنسا بالرمز F-OABV، ويقودها طاقم فرنسي.
ويثبت بيان وزارة الأشغال العمومية والنقل المغربية، الذي نقلته وكالة فرانس برس ونشرته لوموند في 24 أكتوبر 1956، هذا المسار، ويذكر أن الطاقم تلقى أمرًا فرنسيًا بالتوجه إلى الجزائر بعد مغادرة بالما. كما يقول إن الرباط حاولت إعادته إلى الجزيرة، وإن رسائلها أُوقفت بأمر المراقبة العسكرية الفرنسية.
هبطت الطائرة مساءً في مطار الدار البيضاء، "ميزون بلانش" آنذاك، في الجزائر العاصمة؛ وهو غير مدينة الدار البيضاء المغربية. هناك اعتُقل الخمسة، ثم اقتيدوا إلى مقر مديرية مراقبة التراب الفرنسي، المعروفة اختصارًا بـDST. وأفاد تقرير صحافي معاصر من الجزائر بأنهم عُزلوا بعضهم عن بعض وخضعوا للاستجواب، وفُحصت الوثائق التي كانوا يحملونها. وتلا ذلك نقلهم إلى الاحتجاز في فرنسا.
أحمد بن بلة في قبضة الشرطة الفرنسية بالجزائر العاصمة عام 1956 - غيتي
قامت العملية على معلومات عن الرحلة، وأوامر لطاقمها بتغيير الوجهة، وإسناد من الطيران العسكري الفرنسي، ثم اعتقال أمني على الأرض. وتربط الرواية التي نشرها ميشيل كلان لدى جمعية قدماء أجهزة الدفاع والاستخبارات الفرنسية المعلومات بجهاز التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس SDECE، والموافقة السياسية بماكس لوجون، كاتب الدولة للقوات المسلحة.
وتنسب الرواية إلى لوجون إعطاء الضوء الأخضر من دون إبلاغ مسبق لرئيس الحكومة غي موليه والوزير المقيم في الجزائر روبير لاكوست. أما استعادة لوموند للعملية فتركز على دور مكتب لاكوست في إصدار التعليمات، وتقول إن لاكوست وموليه غطّيا العملية بعدما أُبلغا بها. وتوثق سيرة لاكوست في الجمعية الوطنية تغطيته السياسية لتحويل الطائرة.
ويظهر هنا الفرق بين المبادرة التنفيذية، والإذن الذي أتاح تنفيذها، وتحمل الحكومة مسؤوليتها لاحقًا. فلا تختصر العملية في قرار مستقل للمخابرات، ولا تتطابق الموافقة اللاحقة عليها بالضرورة مع إصدار أمرها الأول. أما النتيجة العملية فكانت واضحة:
تحوّلت رحلة مدنية متجهة إلى لقاء سياسي إلى وسيلة لإحضار الوفد إلى سلطة الاحتلال.
وقع الاعتقال في عام استقلال المغرب وتونس، وكان الوفد في ضيافة السلطان المغربي. لذلك تجاوزت الأزمة العلاقة بين فرنسا وجبهة التحرير إلى علاقة باريس بالدولتين اللتين كانتا تحاولان أداء دور الوسيط. فاللقاء الذي استهدف البحث في تسوية أصبح متعذرًا بصيغته المقررة، وتحول تأمين حرية الوفد نفسه إلى قضية دبلوماسية.
دافعت فرنسا عن موقفها بالاستناد إلى التسجيل الفرنسي للطائرة، بينما اعترض المغرب على تحويل رحلة تابعة لشركته وعلى اعتقال ضيوفه. وتحول الخلاف إلى ملف أمام لجنة دولية للتحقيق والتوفيق، تشكلت عام 1957. ويعرض الملف المنشور في الحولية الفرنسية للقانون الدولي سنة 1958 حجج الطرفين؛ فالتسجيل الفرنسي كان أساسًا لحجة باريس، ولم يكن حكمًا متفقًا عليه يحسم مشروعية ما فعلته.
وامتد الانقسام إلى الحكومة الفرنسية. فقد استقال ألان سافاري، كاتب الدولة المكلف بالشؤون المغربية والتونسية، احتجاجًا على الاعتقال، كما استقال سفير فرنسا في تونس بيار دو لوس. وتكشف هذه الاستقالات أن الخلاف لم يقتصر على كلفة إحراج دولتين جارتين، وإنما طال إمكان الجمع بين ملاحقة قادة الجبهة والاتصال بهم بحثًا عن تسوية.
مع ذلك، لم تختفِ محاولات الحل السياسي نهائيًا. ففي محضر لقاء بورقيبة وأيزنهاور في 21 نوفمبر 1956، واصل رئيس الحكومة التونسية طرح تسوية تبدأ باعتراف فرنسا بمبدأ استقلال الجزائر، ثم تُنفذ على مراحل. وتتيح هذه الوثيقة تحديد أثر الاعتقال بدقة: ضُربت مبادرة قائمة، لكن البحث عن تسوية استمر، ولا يمكن افتراض أن اجتماع تونس كان سيُنهي الحرب حتمًا لو وصل الوفد.
محطات مختارة من تنظيم الثورة سنة 1956 إلى الإفراج عن المعتقلين
كانت الثورة أوسع من الأشخاص الذين اجتمعوا في الطائرة. فقد انعقد مؤتمر الصومام في أغسطس 1956 لتنظيم العمل الثوري وإعادة ترتيب قيادته، وكانت للقتال داخل الجزائر قيادات وتشكيلات لم تقع في الأسر بهذه العملية. لذا أدى احتجاز شخصيات من التمثيل السياسي والخارجي إلى تعطيل أدوارها المباشرة، من دون أن يزيل البنية التي تواصل الحرب.
ولم يمحُ الاحتجاز مكانة المعتقلين السياسية. ففي عام 1958، سُمّي بن بلة نائبًا لرئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وهو رهن الاحتجاز، وفق أرشيف موسوعة لاروس. كانت هذه المكانة تعني أن إبعاد الرجل عن النشاط اليومي لم يخرجه من حسابات قيادة الثورة أو من تمثيلها الرمزي.
كما اختلفت نهاية الاحتجاز بين ركاب الطائرة. فقد خرج مصطفى الأشرف من سجن فرين في مايو 1961، مع قيود شملت منعه من مغادرة فرنسا آنذاك. أما بن بلة وآيت أحمد وبوضياف وخيضر فاستعادوا حريتهم في مارس 1962، مع اتفاقيات إيفيان. ولا ينبغي الخلط بينهم وبين رابح بيطاط، الذي خرج معهم سنة 1962 وكان معتقلًا من قبل، ولم يكن من ركاب رحلة أكتوبر.
وعندما عاد القادة إلى النشاط، كانت موازين القوى قد تبدلت خلال سنوات غيابهم. وتشرح دراسة عن أزمة جبهة التحرير في صيف 1962 التنافس بين القيادات السياسية والولايات وجيش الحدود. وفي هذا الصراع وصل بن بلة إلى الحكم بدعم تحالفات داخل الثورة؛ وهو مسار لا يفسره الاعتقال وحده، ولا يجعل السجن سببًا حتميًا لصعوده.
أحمد بن بلة في الجزائر، سبتمبر 1962، بعد أشهر من الإفراج عنه - غيتي
Loading ads...
غيّر اعتراض الطائرة قدرة رجال بارزين على الحركة، وألحق ضررًا بمحاولة للوساطة، وأظهر التوتر داخل السياسة الفرنسية بين التفاوض والحسم الأمني. لكنه لم يمنح فرنسا طريقًا مختصرًا إلى إنهاء الثورة بدليل أنه بعد أعوام من الاحتجاز، عاد القادة إلى قضية بقيت قائمة، فيما انتهى النزاع الاستعماري إلى التفاوض والاستقلال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





