ساعة واحدة
“خطة الحسم” الإسرائيلية.. ما وراء تلويح نتنياهو بعملية “غير مسبوقة”؟
الجمعة، 23 أكتوبر 2026
يفتح تلويح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعملية عسكرية "غير مسبوقة منذ حرب الأيام الستة" الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد في الضفة الغربية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع مشروع اليمين الإسرائيلي لحسم الصراع وفرض السيطرة على الأرض الفلسطينية، في وقت يسعى فيه إلى توظيف المواجهة لتعزيز موقعه قبيل الانتخابات.
وجاء التهديد عقب اشتباك مسلح استمر أكثر من 20 دقيقة عند حاجز فرش الهوى، غربي الخليل، وأسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، في حين استشهد المنفذان الفلسطينيان. وأعقبت العملية إجراءات مشددة شملت تطويق الخليل وحلحول، وسط تلويح بفرض مزيد من القيود وتوسيع العمليات العسكرية.
وأعلن نتنياهو أن الجيش سيدخل الأحياء التي خرج منها المنفذان، ويخلي سكانها ويفتش المنازل لجمع السلاح، متوعدا بهدم البنى التحتية التي يصفها بالإرهابية. كما قال إن قواته أعدت عملية واسعة تنتظر التوقيت المناسب، مستحضرا إجراءات نفذها الجيش الإسرائيلي في مخيمات شمال الضفة الغربية.
ويرى مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام أن التهديد يحمل دلالتين متداخلتين: الاستعداد لعملية عسكرية كبيرة، ومحاولة استثمار الهجوم انتخابيا لمنع نزيف الأصوات في المعسكر اليميني واستقطاب المترددين، ويكتسب التوقيت أهمية خاصة، إذ جاءت التصريحات قبل 4 أيام من الانتخابات الإسرائيلية.
أما مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون، فيرى أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تقديم العملية باعتبارها مبررا لتحركات أعدتها مسبقا، تستهدف الوجود الفلسطيني ومؤسساته، وتدفع نحو التهجير والضم، ويحذر من أن التلويح بالتصعيد يعكس توجها أوسع لدى نتنياهو لمواجهة الفلسطينيين وإعادة تشكيل واقع الضفة.
ويربط المدهون هذا التوجه بواقع يومي من الاعتقالات والحواجز وتضييق سبل العيش واعتداءات المستوطنين ومحاولات الاستيلاء على الأراضي، بما يحوّل مناطق فلسطينية إلى بيئة طاردة للسكان. ويخشى أن يؤدي استمرار هذه الضغوط، في ظل غياب تحرك دولي وإقليمي فاعل، إلى تصعيد واسع يصعب احتواء تداعياته.
وتتمثل الخلفية السياسية لهذا المسار فيما يُعرف بـ"خطة الحسم"، التي تحدث عنها نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وتقوم الفكرة، وفق طرحهم السياسي، على إنهاء فرص قيام دولة فلسطينية وترسيخ السيطرة الإسرائيلية، وصولا إلى إخضاع المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.
وتتجلى هذه الغاية في دعوة سموتريتش إلى عملية عسكرية شاملة في الضفة لتفكيك السلطة الفلسطينية وجمع السلاح، وفي مطالبة بن غفير بتفكيكها ورفض وجود ما يسميه "دولة إرهاب"، وتكشف هذه التصريحات أن المطروح يتجاوز ملاحقة منفذي الهجوم إلى استهداف الإطار السياسي الفلسطيني نفسه.
ويشير كرام إلى أن قادة اليمين يريدون التعامل مع الضفة الغربية كما يتعاملون مع قطاع غزة وجنوب لبنان، من خلال القتل والتدمير والتجريد من السلاح وإجلاء السكان، ويضع ذلك التهديدات الراهنة في سياق مشروع يسعى إلى توسيع نطاق العمليات وتحويلها إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
وفي تفسيره لعبارة "غير مسبوقة منذ 1967″، يستحضر كرام عملية "السور الواقي" التي نفذتها إسرائيل عام 2002، حين دفعت بالدبابات وعشرات آلاف الجنود وفرضت سيطرة أمنية واسعة على الضفة الغربية، ويستعيد بذلك تجربة العمليات الشاملة التي استخدمت فيها القوة العسكرية لإعادة فرض السيطرة على المدن والمخيمات الفلسطينية.
وتتضح المقارنة أكثر في قراءة الخبير بالشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى؛ إذ يشير إلى أن الجيش الإسرائيلي انسحب من مخيم جنين بعد عملية عام 2002، بينما يدخل حاليا المخيمات ويدمرها ويواصل عملياته فيها، ويرى أن ما يجري من قتل وتهجير وهدم للبنى التحتية تجاوز، في حجمه واستمراره، أنماط العمليات السابقة.
ويحذر مصطفى من أن العملية التي يلوح بها نتنياهو قد تعني إحكام السيطرة العسكرية على الضفة، بما يشمل مناطق "أ" الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية. ومن شأن هذا التوجه، وفق قراءته، أن يفتح الطريق أمام تفكيك السلطة وحسم خلاف ظل قائما داخل إسرائيل بشأن مستقبلها ودورها.
ويقدم التهديد بإخلاء أحياء الخليل وهدم منازلها نموذجا عمليا للسيناريو المطروح. فبحسب كرام، سبق أن هُجّر أكثر من 60 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة خلال العمليات الإسرائيلية، ويخشى أن تنقل الحكومة هذا النموذج إلى أحياء الخليل وحلحول، عبر الإجلاء الواسع والهدم الممنهج.
وتثير عمليات الهدم في محيط حاجز فرش الهوى أسئلة إضافية بشأن طبيعتها وأهدافها؛ إذ أشارت تغطية الجزيرة إلى استهداف مبان في المنطقة التي وقعت فيها العملية، وليس منازل المنفذين وحدها. وقال مصطفى إن سموتريتش، المسؤول عن الإدارة المدنية، اتخذ قرار الهدم بصفته الوزارية.
ويوضح مصطفى أن هدم المنازل كان يرتبط سابقا بإجراءات قضائية أو بمسوغات عسكرية، بينما باتت القرارات، وفق تقديره، تصدر مباشرة من الوزير، حتى في حالات يراها خالية من مسوغ أمني. ويعتبر أن هذا التحول يعكس اتساع هامش الإجراءات العقابية في ظل ضعف المساءلة.
ويوازي المسار العسكري مشروع استيطاني يتعامل معه نتنياهو باعتباره جزءا من معادلة الأمن؛ فقد وصف المستوطنين بأنهم "خط دفاع متقدم"، وأعلن أن حكومته بنت أكثر من 100 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة وتعتزم مواصلة البناء. ويعزز هذا الخطاب مخاوف الفلسطينيين من اقتران التصعيد بتكريس السيطرة على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز عنف المستوطنين بوصفه إحدى أدوات الضغط التي أشار إليها المدهون، إلى جانب الحواجز والاعتقالات والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وأرزاقهم. ويشير كرام إلى احتمال تصاعد الاعتداءات على الممتلكات بدعم من الحكومة ووزرائها، بالتوازي مع العمليات العسكرية التي يجري التلويح بتوسيعها.
ويقرأ كرام الرسائل الانتخابية لنتنياهو في ضوء محاولته ربط التصويت لمعسكر اليمين باستمرار المواجهة مع الفلسطينيين، مقدما منافسيه باعتبارهم طريقا إلى دولة فلسطينية. ويلخص رئيس الوزراء حملته بشعار "إما اليمين أو فلسطين"، مستثمرا هجوم الخليل لتعبئة قاعدته الانتخابية وترويج سياساته المتشددة.
Loading ads...
ولفت كرام إلى فجوة في الرواية الإسرائيلية؛ فالجيش تحدث بداية عن غياب معلومات استخبارية مسبقة بشأن الهجوم، ثم أعلن أن المنفذين كانا يخططان لاستهداف مدنيين. وتُظهر المقاطع المتداولة، وفق قراءته، ترجل الشابين من سيارتهما والاشتباك من نقطة بعيدة عن مجال رؤية الجنود، مما يثير تساؤلات بشأن المبررات التي تسوقها الحكومة لتوسيع عملياتها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




