ساعة واحدة
قمة الصلب العربي .. دعوات لتكتل إقليمي يواجه "حرب الحمائية" والإغراق الصيني
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

بين مطرقة الفوائض الإنتاجية الآسيوية وسندان الأسوار الجمركية الغربية، انطلقت في العاصمة المصرية القاهرة أعمال "قمة الصلب العربية التاسعة عشرة" والمعرض الدولي للحديد والصلب، التي ينظمها الاتحاد العربي للحديد والصلب.
الفعالية التي جمعت كبار المصنعين وصناع القرار والخبراء الاقتصاديين في المنطقة، لم تكن مجرد تجمع سنوي تقليدي، بل تحولت إلى منصة لإطلاق جرس إنذار مبكر حول مستقبل الصناعة الثقيلة في العالم العربي، وسط تحولات جيوسياسية وتجارية عاصفة تعصف بقواعد التجارة الحرة، وتدفع بقوة نحو التكتلات الإقليمية المغلقة.
وتصدرت مباحثات القمة دعوة صريحة إلى تعاون اقتصادي عربي عبر تأسيس "سوق عربية موحدة للصلب" تحمي المصانع المحلية من الإغراق، وتستلهم التجربة الأوروبية التي جعلت من الفحم والصلب نواة لاتحادها الاقتصادي قبل أكثر من 7 عقود.
في هذا الإطار، أكد رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أن صناعة الحديد والصلب تُعد واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية التي تسهم بشكل مباشر في دعم مشروعات البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة.
وأوضح مدبولي خلال كلمته أن القمة تكتسب أهمية خاصة لكونها منصة لتعزيز الاستفادة المثلى من المزايا التنافسية التي تمتلكها كل دولة، إلى جانب فتح آفاق جديدة لنفاذ المنتجات والوصول الإيجابي إلى أسواق الدول الشقيقة والتكامل فيما بينها.
وأشار إلى متابعة الحكومة المستمرة للتحولات المتسارعة التي تشهدها حركة التجارة الدولية، لا سيما في ظل تصاعد الإجراءات الحمائية على المستوى العالمي، ما يتطلب تضافر الجهود لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.
من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للحديد والصلب أحمد عز، إن سوق الصلب العالمي دخل مرحلة غير مسبوقة من الاختلال بين العرض والطلب، موضحا أن الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب بلغت نحو 2.5 مليار طن -تستحوذ الصين وحدها على نصفها تقريبا- في حين لم يتجاوز الإنتاج الفعلي 1850 مليون طن.
ويتم إنتاج 70% من هذا الصلب عالميا عبر أفران الصهر العالية المعتمدة على الفحم، والتي تبلغ بصمتها الكربونية ضعف التكنولوجيا المستخدمة في المصانع العربية المعتمدة على الغاز الطبيعي والاختزال المباشر.
وأفرز هذا الفارق فائضا عالميا غير مسبوق يُقدر بـ 600 مليون طن، وسط توقعات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن يقفز هذا الفائض إلى 745 مليون طن بحلول عام 2028، نظرا للتخطيط لإضافة 139 مليون طن جديدة مقابل زيادة متوقعة في الطلب لا تتجاوز 34 مليون طن بين عامي 2026 و2028.
وأمام هذا الطوفان السلعي، تراجعت قواعد منظمة التجارة العالمية -التي تعاني هيئة الاستئناف فيها من الشلل منذ عام 2019- لصالح منطق القوة والأمن الاقتصادي؛ إذ سُجل رقم قياسي بلغ 395 تدبيرا لمكافحة الإغراق والدعم، منها 165 تحقيقا بدأ في الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، استهدفت بالأساس الصين (113 تدبيرا) وكوريا الجنوبية (41 تدبيرا) وفيتنام (33 تدبيرا).
وأكد عز أن الحمائية لم تعد استثناء مؤقتا بل تحولت إلى نظام دائم؛ فالولايات المتحدة تفرض رسما أساسيا بنسبة 50% مع تقليص حصص الاستيراد بـ 35%، وفرضت على منتجين عرب رسوم إغراق وصلت إلى 177%.
كما يفرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة رسوما بـ 50% على تجاوز الحصص، فضلا عن إغلاق السوق الأوروبية عبر آلية تعديل حدود الكربون.
وحذر عز من أن كل طن يُمنع من دخول أسواق الغرب يتحول تلقائيا نحو الأسواق العربية والأفريقية باعتبارها الأقل حماية، في وقت تكتفي فيه الدول العربية بإجراءات حمائية متأخرة ومتفرقة تتراوح رسومها بين 5% و17% فقط، معتبرا أن الصناعة ترتبط مباشرة بالأمن القومي، إذ "لا جيش، ولا سفن، ولا ذخيرة، ولا بنية تحتية بلا صلب"، وفق قوله.
طرح عز خارطة طريق لإنشاء "سوق عربية موحدة للصلب"، منتقدا بقاء التجارة البينية العربية عند سقف 13% بفعل عوائق قواعد المنشأ والحواجز غير الجمركية.
وأشار إلى أن العالم العربي ينتج حاليا 44 مليون طن ويستورد 18 مليون طن، وإذا ما توحدت هذه السوق فستحتل المرتبة السابعة عالميا ككتلة اقتصادية واحدة تخدم نصف مليار مستهلك.
واستند المقترح إلى النموذج الأوروبي الذي بدأ عام 1952 باتفاقية الفحم والصلب بين 6 دول، داعيا إلى تطبيق التجربة عربيا على منتج الصلب أولا عبر 4 مراحل متدرجة:
من زاوية الاقتصاد الكلي، فند وزير المالية المصري الأسبق والخبير الاقتصادي يوسف بطرس غالي، توصيف صندوق النقد الدولي للاقتصاد العالمي بأنه "متين" استنادا إلى توقعات نمو تدور حول 3.1% و3.5% وتضخم عند 4.7%، معتبرا أن هذه الأرقام مضللة وتخفي تباطؤا وتجزؤا عميقين.
وكشف غالي أن النمو العالمي ينحصر اليوم في 31 دولة فقط تمثل 95% من هذا النمو، بعد أن كانت 54 دولة العام الماضي، مما يعني انكماشا يدفع ثمنه الأكبر دول الأطراف والاقتصادات النامية.
وأرجع غالي هذا التشظي العالمي إلى 4 عوامل رئيسية:
وأوضح غالي أن بكين أصبحت القوة المهيمنة في أسواق السلع تماما كواشنطن في أسواق المال؛ فرغم أن الصين تمثل 16% من الناتج الإجمالي العالمي (مقابل 26% للولايات المتحدة)، فإنها تستحوذ على 30% من الإنتاج الصناعي العالمي، بينما لا تستهلك محليا سوى 13% مما تنتجه، مما يجبر بقية العالم على تلقي هذا الفائض.
وأضاف أن بكين تدعم صناعاتها بكثافة وتخفض قيمة عملتها لتجعل سلعها قادرة على اكتساح أي منافس، وهو ما رفع فائضها التجاري إلى 1.2 تريليون دولار العام الماضي، وإلى 938 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بزيادة 36%.
ومع تفاقم أزمة الديون الداخلية وانهيار القطاع العقاري الصيني، لجأت المصانع الصينية إلى تصدير فائض الحديد بأسعار رخيصة للغاية لا تتناسب مع التكلفة العالمية، محذرا في الوقت ذاته من التحدي القادم المتمثل في قيود انبعاثات الكربون التي قد تقلب التوازنات الاقتصادية رأسا على عقب.
تطرق نائب رئيس الاتحاد العربي للصلب، سعيد الرميثي، إلى ضرورة تبني الدول العربية استراتيجيات فاعلة للتحول نحو "الصلب الأخضر" ومواكبة المعايير البيئية الجديدة.
ولفت الرميثي -الذي يمتلك خبرة تمتد لـ 25 عاما في القطاع- إلى أن تباطؤ النمو في الصين والعالم يلقي بظلاله الثقيلة على الطلب ويزيد من ضغوط الفوائض.
غير أنه اعتبر أن التحدي الأخطر والأكثر إلحاحا في المرحلة الراهنة هو "التحدي الجيوسياسي" الذي تشهده المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وما يفرزه من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد وحركة المواد الخام والمنتجات المستوردة، مشددا على أن التكامل العربي بات ضرورة حتمية لتحويل هذه التحديات إلى فرص إيجابية للمصنع العربي.
من جانبه، استعرض رئيس اللجنة الوطنية لصناعة الحديد في السعودية، بندر اسليم، تجربة بلاده في تخطي العقبات الجيوسياسية وتوقف الدعم في بعض الدول، مؤكدا أن الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين الحكومي والخاص وتشكيل لجان وطنية جعلت للقطاع "صوتا واحدا" أمام صانع القرار، ما سرّع من إيجاد حلول فعالة وعزز تنافسية المصانع السعودية.
Loading ads...
وأشار اسليم إلى أن التعديلات التشريعية الجوهرية في المملكة جذبت استثمارات أجنبية ومحلية ضخمة، ووجهت البوصلة نحو الابتكار والتقنيات الحديثة للوصول بالإنتاج في مراحل متقدمة إلى مستويات تطمح لبلوغ 10 ملايين طن، مختتما بالتأكيد على أن التحديات غير المرئية التي تنتظر صناعة الصلب لا يمكن تجاوزها إلا بتكاتف عربي مشترك يبني قاعدة صناعية صلبة للمستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




