شهر واحد
ضيف ومسيرة - د. هدى النعيمي : "رواية ختم خزعل تسلط الضوء على حكاية وطن اختفى بالكامل من الخريطة العربية"
السبت، 6 يونيو 2026
في حلقة جديدة من برنامج "ضيف ومسيرة"، فتحت الكاتبة والفيزيائية القطرية د. هدى النعيمي صفحات من حياتها الفكرية والإنسانية، كاشفة عن مسار جمع بين عالمين يبدوان متباعدين ظاهرياً: عالم العلوم الدقيقة وعالم الأدب والخيال. وبعد سنوات طويلة من العمل في المجال العلمي، تؤكد د. النعيمي أن الفيزياء ستبقى دائماً جزءاً من هويتها الفكرية، لكنها اليوم تقدم نفسها أولاً ككاتبة وروائية.
في مستهل الحلقة، تحدثت الكاتبة هدى النعيمي عن هويتها المركبة التي جمعت بين العلوم والآداب، موضحة أن شغفها بالفيزياء بدأ منذ سنوات الدراسة الأولى واستمر معها في الجامعة والدراسات العليا، حيث تخصصت في الفيزياء النووية والفيزياء الطبية. لكنها أكدت أن قراراً مصيرياً اتخذته قبل سنوات قليلة غيّر مسار حياتها بالكامل.
وقالت: "اليوم أنا روائية وكاتبة، واخترت منذ عامين تقريباً أن أكون الكاتبة التي أتوق أن أكونها، وأن أكتب الأشياء التي أريد أن أكتبها."
وأوضحت أنها غادرت العمل بعد مسيرة طويلة في المجال العلمي لتتفرغ للقراءة والكتابة، معتبرة أن خلفيتها العلمية ما تزال تشكل جزءاً أساسياً من شخصيتها الفكرية ومنهجها في التفكير.
عادت د. هدى النعيمي خلال اللقاء إلى طفولتها في قطر، مستحضرة صورة المجتمع القطري قبل التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد مع الطفرة النفطية. ورغم أنها لم تعش بنفسها سنوات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، فإنها نشأت على قصص الآباء والأجداد الذين حملوا ذاكرة تلك المرحلة بكل ما فيها من تعب ومشقة وفقر وانتظار. كانت تسمع باستمرار حكايات الرجال الذين كانوا يغيبون لأشهر طويلة في أعماق البحر، والنساء اللواتي كن يتحملن مسؤولية الأسرة كاملة خلال فترة غيابهم. وقد تركت هذه القصص أثراً بالغاً في وجدانها، خصوصاً ما يتعلق بمعاناة النساء اللواتي كن يعشن بين الأمل والخوف في انتظار عودة السفن.
وتضيف د. النعيمي، "كنا نسمع من آبائنا وأجدادنا عن الجوع والفقر والمعاناة والبحث عن لقمة العيش، وأصبحنا نحن أبناء تلك المرحلة ونتاجها." كما توقفت الضيفة مطولاً عند أغنية "أم الحناية" التي كانت النساء يرددنها في انتظار عودة سفن الغوص، مشيرة إلى أن المرأة الخليجية تحملت أعباء الأسرة كاملة خلال غياب الرجال لأشهر طويلة، وهو ما ساهم لاحقاً في تشكيل وعيها بقضايا المرأة ودورها التاريخي في المجتمع.
من المحطات التي توقفت عندها د. النعيمي مطولاً الدور الكبير الذي لعبه والداها في تشكيل شخصيتها العلمية والثقافية. فقد كانا من جيل لم تتح له فرص واسعة للتعليم، لكنهما أدركا مبكراً أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى إلا بالعلم والمعرفة. لذلك حرصا على دفع أبنائهما الثمانية إلى الدراسة وتشجيعهم على مواصلة تعليمهم حتى أعلى المستويات. "هؤلاء الذين بالكاد تعلموا القراءة والكتابة كانوا واعين تماماً بأهمية التعليم."ـ تضيف الضيفة.
لم يقتصر الأمر على النجاح المدرسي فحسب، بل امتد إلى ترسيخ علاقة خاصة بالكتاب والقراءة. وتستعيد النعيمي بكثير من الحنين تلك المرحلة التي كانت فيها الكتب تُقدَّم كجوائز للتفوق الدراسي أو الانضباط أو النظافة داخل المدرسة، وهو ما جعلها تنظر إلى الكتاب بوصفه شيئاً ثميناً ومكافأة مستحقة. ومنذ تلك السنوات المبكرة ارتبطت القراءة لديها بالمتعة والاكتشاف والتميز، فكبر هذا الحب معها وتحول لاحقاً إلى مشروع حياة كامل.
كشفت د. هدى النعيمي على أن حبها للعلوم لم يكن نتيجة تفوق دراسي فقط، بل كان امتداداً لفضول طفولي عميق تجاه الكون والإنسان والحياة.
فمنذ صغرها كانت كثيرة التأمل، تراقب الطبيعة والناس وتطرح على نفسها أسئلة لا تجد لها إجابات في الكتب المدرسية. "كنت أعتقد أن العلوم قادرة على منح الإجابات عن الكون والنفس البشرية."، تشرح د. النعيمي. لكنها اكتشفت لاحقاً أن المعرفة لا تنهي الأسئلة بل تولد أسئلة جديدة، وهو ما قادها لاحقاً إلى الأدب باعتباره طريقاً موازياً لفهم الإنسان والعالم.
شكلت سنوات الدراسة في مصر منعطفاً حاسماً في مسيرة د. هدى النعيمي. فانتقالها من الدوحة إلى القاهرة في بداية التسعينيات لم يكن مجرد خطوة أكاديمية للحصول على درجات علمية عليا، بل كان دخولاً إلى عالم ثقافي وإنساني واسع. كانت تقضي نهارها بين قاعات الجامعة والمختبرات العلمية، بينما تخصص أمسياتها للندوات الأدبية والعروض المسرحية والحفلات الموسيقية والفعاليات الثقافية التي كانت تزخر بها القاهرة آنذاك.
هناك التقت بوجوه فكرية وأدبية بارزة، واكتشفت فضاءً جديداً من النقاش والإبداع والحوار. وتعتبر النعيمي أن القاهرة كانت بمثابة الجامعة الثانية التي تعلمت فيها الكثير خارج أسوار التعليم الأكاديمي، إذ منحتها فرصة الاحتكاك المباشر بالمجتمع المصري وتنوعه الثقافي والاجتماعي.
كما أن تجربة الإقامة في سكن الطالبات، إلى جانب فتيات من خلفيات مختلفة، فتحت أمامها نافذة واسعة على تجارب إنسانية متعددة وأسهمت في توسيع رؤيتها للعالم وللمرأة وللعلاقات الاجتماعية.
لم يكن من المستغرب أن تتصدر المرأة المشهد في أعمال د. هدى النعيمي الأولى. فالمجتمع النسائي الذي عاشته عن قرب في قطر ومصر، والقصص التي سمعتها من زميلاتها وقريباتها، كلها تحولت إلى مادة خام لأولى كتاباتها. في مجموعتيها القصصيتين "المكحلة" و"أنثى"، حضرت المرأة الخليجية بقوة بكل ما تحمله من أحلام وهواجس وأسئلة وتحديات. كانت الكتابة آنذاك محاولة لفهم واقع المرأة والتعبير عن همومها في مجتمع يشهد تحولات متسارعة.
غير أن النعيمي تؤكد أن تلك المرحلة كانت تعكس أيضاً تطوراً طبيعياً في مسار أي كاتب، إذ يبدأ غالباً من عالمه القريب قبل أن ينفتح تدريجياً على قضايا أوسع. ولذلك لم تلبث أن تجاوزت لاحقاً الإطار النسوي الضيق لتتجه نحو معالجة قضايا إنسانية أكثر شمولاً واتساعاً.
عندما عادت إلى قطر أواخر تسعينيات القرن الماضي بعد حصولها على الدكتوراه في الفيزياء الطبية من القاهرة، بدأت مرحلة جديدة من حياتها المهنية داخل مؤسسة حمد الطبية، حيث تولت مسؤوليات إدارية وعلمية مهمة في مجال السلامة الإشعاعية والفيزياء الطبية.
وعلى الرغم من انشغالها الكبير بالعمل، فإن هذه التجربة أضافت إلى شخصيتها الكثير من الخبرات الإنسانية كما تصف تلك المرحلة. فقد احتكت يومياً بالمرضى والعاملين في القطاع الصحي والباحثين والمتخصصين، وشاهدت عن قرب هشاشة الإنسان في لحظات المرض والألم.
وترى د. هدى النعيمي أن هذه التجربة لم تكن مجرد وظيفة، بل كانت مدرسة أخرى لفهم البشر واكتشاف جوانب جديدة من الطبيعة الإنسانية.
توقفت الكاتبة هدى النعيمي خلال الحوار عند كتابها «حين يبوح النخيل»، وهو العمل الذي اختارت من خلاله أن تفتح للقارئ أبواب حياتها الشخصية والفكرية، وأن تكشف عن المسار الذي قادها إلى الجمع بين عالم الفيزياء وعالم الأدب.
وقالت: "كانت محاولة للإجابة عن سؤال: كيف جمعت بين العلم والأدب؟"
وترى النعيمي أن «حين يبوح النخيل» لم يكن مجرد استعادة للذكريات أو توثيق لمسيرة شخصية، بل كان خطوة ضرورية مهدت لمرحلة جديدة في مشروعها الأدبي. فمن خلال هذا العمل تمكنت من التصالح مع تجربتها الخاصة وإعادة قراءتها من منظور روائي، الأمر الذي منحها القدرة لاحقاً على الخروج من حدود السيرة الذاتية نحو فضاءات التخييل الروائي.
في السنوات الأخيرة، أصبح التاريخ واحداً من أبرز محاور مشروع د. هدى النعيمي الروائي. فهي ترى أن فهم الحاضر لا يمكن أن يتحقق من دون العودة إلى الماضي واكتشاف الأحداث التي صنعت واقعنا الحالي. وقالت: "اليوم هو ابن الأمس، وإذا عرفنا ما حدث بالأمس قد نفهم ما يحدث اليوم."
ومن هذا المنطلق كتبت رواية "زعفرانة" التي استلهمت أحداثها من ثورة ظفار، وهي واحدة من أهم المحطات التاريخية في منطقة الخليج، كما كتبت رواية "ختم خزعل" التي تناولت قضية الأحواز وما تعرضت له من تحولات تاريخية وسياسية كبرى.
وبالنسبة إليها، لا يتعلق الأمر بإعادة سرد وقائع تاريخية فحسب، بل بمحاولة استعادة قصص إنسانية تم تهميشها أو نسيانها مع مرور الزمن. وهي تؤمن بأن الرواية قادرة على إعادة إحياء الذاكرة الجماعية وإعطاء صوت لمن غابوا عن السرديات الرسمية.
Loading ads...
في ختام الحلقة، شددت د. هدى النعيمي على أهمية الثقافة والأدب في مواجهة محاولات تزييف الذاكرة أو احتكار السرديات التاريخية. وأكدت أن الكاتب والقارئ والمؤسسات الثقافية والإعلامية يتحملون جميعاً مسؤولية الحفاظ على الوعي النقدي. "علينا أن نتحرى ما يُكتب وما يُقدَّم لنا عبر الثقافة والإعلام."، تحذر د. النعيمي. كما دعت إلى تعزيز العلاقة بين الكاتب والقارئ وإعادة الكتاب إلى المدارس والبيوت، معتبرة أن القراءة تبقى الركيزة الأساسية لبناء مجتمع واعٍ وقادر على فهم تاريخه ومستقبله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





