ساعة واحدة
من دجاجات الرومان إلى تعاويذ مضادة للرصاص.. المعتقدات الخارقة في الحروب
السبت، 31 أكتوبر 2026

تناول الكاتب ويليام لوسون، في مقال نشرته مجلة ناشونال إنترست بعنوان "سيوف العظام والدجاج المقدس والتمائم المضادة للرصاص: لمحة تاريخية عن السحر في الحروب"، تاريخ استعانة الجنود والقادة بالمعتقدات الدينية والطقوس السحرية والتمائم والنبوءات، سعيا إلى ضمان النصر والحماية من الموت في ساحات القتال.
ويشير المقال إلى أن الخوف من المجهول وعدم اليقين بشأن نتائج المعارك دفعا المحاربين، عبر مختلف العصور، إلى البحث عن مساعدة القوى الخارقة، سواء من خلال "استرضاء الآلهة" أو تفسير العلامات والظواهر الطبيعية أو حمل الأشياء التي يُعتقد أنها تجلب الحظ وتحمي من الأذى.
ويمكننا، كما يقول لوسون، وهو مؤرخ عسكري مهتم بصراعات القرن العشرين والحرب الأهلية الأمريكية، النظر في بضعة أمثلة تتيح لنا تكوين فكرة عن كيفية تجلّي مثل هذه المعتقدات والممارسات، حتى في تاريخنا القريب.
عرف الإغريق والرومان طقوس قراءة الطالع واستشراف نتائج الحروب من خلال مراقبة الطيور وفحص أحشاء الحيوانات المذبوحة.
وكان الإسبرطيون شديدي الالتزام بهذه الممارسات، حتى إنهم امتنعوا عن المشاركة في معركة ماراثون عام 490 قبل الميلاد بسبب تزامنها مع احتفال دين، تاركين الأثينيين ليصدوا الغزو الفارسي الجبار بمفردهم.
أما الرومان فاعتمدوا طقسا يقوم على إطلاق دجاج مقدس أمام الطعام، واعتبار إقبالها على الأكل علامة على موافقة الآلهة على خوض المعركة، ويستشهد الكاتب بمعركة دريبانا عام 249 قبل الميلاد، عندما تجاهل القائد الروماني بولوس كلاوديوس بولخر امتناع الدجاج عن الأكل، وألقى به في البحر، قبل أن يتعرض أسطوله لهزيمة كارثية أمام القرطاجيين، خسر فيها معظم سفنه ونحو 20 ألف جندي.
بعد المعركة تم استدعاء بولخر، الذي نجا من المعركة، ووُجِّهت إليه تهمة الخيانة، غير أنه أُدين بتهمة أقل خطورة، وهي تدنيس المقدسات، وذلك بسبب طريقته في التعامل مع الرقصة المقدسة، ولهذا فبدلا من إعدامه، أصدر مجلس الشيوخ قرارا بنفيه.
ينتقل المقال إلى الممارسات الإسكندنافية، حيث اعتقد الحدادون أن إضافة مسحوق عظام الأجداد إلى صناعة السيوف تمنحها قوة خارقة.
والمفارقة أن هذه الممارسة ساهمت بالفعل في تحسين جودة المعدن، إذ أدى حرق العظام في بيئة محدودة الأكسجين إلى إنتاج مادة غنية بالكربون تساعد على تصنيع فولاذ بدائي أكثر صلابة من الحديد التقليدي.
كما استخدم المحاربون الرونات، وهي رموز منقوشة على السيوف، اعتقادا بأنها تمنحهم النصر والحماية وتستحضر قوى الآلهة.
ومن بين ذلك رونة النصر (Tiwaz – ᛏ) المرتبطة بالإله "تير" (إله الحرب والتضحية)، وكان المحاربون ينقشون هذا الرمز (الذي يشبه السهم المتجه للأعلى) على النصال أو المقابض لضمان النصر في المعارك.
مع انتشار الأسلحة النارية منذ القرن الـ١٦، ظهرت معتقدات وطقوس جديدة لحماية المقاتلين من الرصاص، فقد حمل بعض السكان الأصليين في أميركا تمائم وأحزمة وملابس مقدسة ودروعا اعتقدوا أنها تقيهم المقذوفات.
في عام 1892، درس الضابط في الجيش الأمريكي جون جي بورك ممارسة الأباتشي في صنع "ديتزي"، وهي تمائم مصنوعة من خشب الصنوبر أو أنواع أخرى من الأخشاب التي ضربتها الصواعق.
وكان يُعتقد أن هذه التمائم، عند ارتدائها مع قمصان أو أوشحة طبية، تحمي مرتديها من الأذى.
وفي شرق أفريقيا، قاد الزعيم الروحي كينجيكيتيلي نغوالي انتفاضة الماجي ماجي ضد الاستعمار الألماني عام 1905، بعدما أقنع أتباعه بأن شرابا مقدسا سيحوّل الرصاص الألماني إلى ماء.
لكن الاعتقاد لم يصمد أمام الأسلحة الحديثة، وقُتل نغوالي، بينما استمرت الانتفاضة عامين آخرين.
أدت الخسائر البشرية الهائلة في الحرب العالمية الأولى، واستخدام المدفعية والرشاشات والغازات السامة، إلى انتشار التعلق بالرموز الدينية والتمائم الشعبية.
وحمل جنود الحلفاء دمى صغيرة مصنوعة من الصوف بألوان الأعلام الوطنية، عُرفت باسم "نينيت" و"رينتينتين"، فضلا عن تمائم خشبية اعتُقد أنها تجلب الحظ وتحمي أصحابها.
حمل جنود آخرون تمائم مصنوعة من خشبٍ خاص، كانت تبدو على هيئة طفلٍ عارٍ، طُلي جسده باللون الذهبي، بينما كان رأسه مصنوعا من خشب داكن.
وقد طُرِحت في الأسواق على نطاق واسع، وساد اعتقاد بأنها تجلب الحظ السعيد.
اللجوء إلى التمائم والطقوس والمعتقدات الخارقة لم يكن مجرد تعبير عن الخرافة، بل كان أيضا وسيلة لتعزيز الشجاعة والثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية في مواجهة الموت
ويشير الكاتب إلى أن القادة العسكريين استخدموا النبوءات الدينية أحيانا لتعزيز معنويات الجنود وتوحيد صفوفهم، ومن أبرز الأمثلة نبوءة أوراكل دلفي التي وظفها الملك الإسبرطي ليونيداس لتبرير تضحيته في معركة ثيرموبيلاي عام 480 قبل الميلاد.
وكذلك تفسير القائد الأثيني ثيمستوكليس لنبوءة "الجدران الخشبية" باعتبارها إشارة إلى السفن، وهو ما ساعد على حشد الأثينيين لمواجهة الأسطول الفارسي في معركة سلاميس.
وتمخضت هذه المعركة عن تحطيم أسطول الغزو الفارسي وإجباره على العودة عبر بحر إيجة.
وبطبيعة الحال، يقول لوسون، يسود اعتقاد واسع بأن كلتا النبوءتين قد تأثرتا برشى ملائمة قُدّمت من قِبل الرجلين، وهو أمر كان ممارسة شائعة في أوساط العظماء وذوي النفوذ.
ويخلص الكاتب إلى أن اللجوء إلى التمائم والطقوس والمعتقدات الخارقة لم يكن مجرد تعبير عن الخرافة، بل كان أيضا وسيلة لتعزيز الشجاعة والثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية في مواجهة الموت.
Loading ads...
ويرى أن هذه الممارسات ستظل حاضرة في الحروب، مهما تطورت الأسلحة والتكنولوجيا، لأن حاجة الإنسان إلى الشعور بالحماية في مواجهة المجهول لا تتغير بسهولة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




