شهر واحد
أول رمضان في غزة بعد الحرب.. حسرة على المنازل وقلوب مثقلة بالفقد
الخميس، 19 فبراير 2026

استقبال أهالي غزة شهر رمضان هذا العام وهم في الخيام أيضاً
يحل أول رمضان في غزة بعد وقف إطلاق النار مختلفاً في ملامحه ومشاعره عن أي أيام من شهر الصيام الفضيل، حيث عادت الشوارع التي كانت تضج بأصوات القصف تسمع فيها تكبيرات المساجد وأصوات الباعة المتجولين.
ورغم أن آثار الدمار ما زالت واضحة في كثير من الأحياء، فإن الناس يستقبلون الشهر الكريم بمزيج من الراحة والحذر، فالأمان النسبي أعاد بعض الطمأنينة، لكنه لم يمح آثار الخوف التي تراكمت في النفوس خلال الأشهر الماضية.
في الأسواق تبدو الحركة أبطأ من المعتاد، والقدرة الشرائية محدودة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، ومع ذلك يحرص الأهالي على شراء ما تيسر من مستلزمات الإفطار، موائد رمضان هذا العام أكثر تواضعاً، لكن قيمته المعنوية أكبر، فالإفطار دون أصوات انفجارات يعد نعمة كبيرة.
ويتبادل الجيران الأطباق كما جرت العادة، وكأنهم يؤكدون أن روح التكافل أقوى من أي أزمة وحرب ومجاعة وظروف صعبة مروا بها، ولكن أكثر ما أصابهم بالحزن هو وجودهم بالخيام وفقدانهم لمنازلهم وحرمانهم من قضاء شهر رمضان فيها.
المساجد المبنية من الخيام أيضاً، تشهد حضوراً لافتاً في صلاة التراويح، حيث يبحث الناس عن السكينة الروحية بعد شهور من الخوف، ويحمل الدعاء هذا العام نبرة مختلفة وهو دعاء بالثبات، وبالسلام الدائم، وبجبر القلوب المكسورة.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 288 ألف أسرة فلسطينية تعيش حالياً في خيام بالية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل منع إدخال خيام جديدة أو مواد إيواء كافية.
هذه الخيام، التي أقيم معظمها على عجل، لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وتغمرها المياه عند هطول الأمطار، ما يزيد من معاناة الأسر، خصوصاً الأطفال وكبار السن.
كما تعاني هذه التجمعات من نقص في المياه النظيفة، وضعف خدمات الصرف الصحي، وغياب الخصوصية، ما يفاقم الأوضاع الصحية والنفسية للنازحين.
تعيش عائلة أبو محمود معروف في منزل تضرر جزء كبير منه خلال الحرب، ومع ذلك، يصف رب المنزل هذا الشهر بأنه "رمضان النجاة".
يقول معروف في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "مجرد جلوس العائلة على مائدة واحدة دون خوف يشعرنا براحة نفسية كبيرة، وصحيح أن البيت لم يرمم بالكامل، لكن وجود العائلة معاً يعوض الكثير من الخسائر المادية".
ويوضح أن الاستعدادات لرمضان كانت محدودة بسبب الظروف، لكن عائلته أصرت على تزيين ركن صغير من البيت بفوانيس بسيطة لإدخال البهجة على الأطفال.
ويرى أن الحفاظ على مظاهر الفرح، ولو كانت رمزية، "يساعد في تخفيف آثار الحرب النفسية عن الصغار الذين عاشوا أهوال يوم القيامة مبكراً خلال حرب العامين على قطاع غزة، الذي شهد تدميراً كبيراً وإسقاطاً كثيفاً للقنابل والصواريخ".
الأطفال من جهتهم يعيشون مشاعر مختلطة، فهم سعداء بالعودة إلى أجواء رمضان المعتادة، لكنهم ما زالوا يتأثرون بأي صوت مفاجئ.
ويضيف معروف أنه يحاول طمأنتهم باستمرار، ويشجعهم على المشاركة في الصلاة والأنشطة الرمضانية لاستعادة شعورهم بالأمان.
ويؤكد أن أكبر أمنياتهم في هذا الشهر هي استمرار الهدوء، ولا شيء أكثر من حياة طبيعية يستطيعون فيها التخطيط للمستقبل دون خوف من أن تتبدد الأحلام فجأة.
بالنسبة لعائلة أم ليث المصري، يأتي رمضان هذا العام بطعم مختلف، إذ فقدت العائلة أحد أفرادها خلال الحرب إثر قصف إسرائيلي على خيمة قريبة منهم في منطقة وسط قطاع غزة.
تجلس الأسرة حول المائدة، لكن هناك مقعداً فارغاً وهو للشهيد محمد، يذكرهم بالفقد في كل لحظة، والحزن حاضر عندهم، لكنه يمتزج بالإيمان بأن هذا الشهر فرصة للصبر والدعاء للشهداء.
تقول المصري لـ"الخليج أونلاين": "نحرص على قراءة القرآن يومياً، خاصة أن الروحانية في رمضان تمنحنا قوة خاصة، وهذا الشهر يساعدنا على التماسك أمام أطفالي، الذين يحتاجون إلى أم قوية تبث فيهم الطمأنينة رغم الألم".
وتشير إلى أن التضامن الاجتماعي كان له دور كبير في التخفيف من معاناتهم، خاصة أن الجيران يتفقدونهم باستمرار، ويتبادلون معهم أطباق الإفطار، وهو الدعم الذي يشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحزن.
أما عن المستقبل، فتؤكد أم ليث أنها تحاول غرس الأمل في نفوس أطفالها، خاصة أنها ترفض أن يكون هذا الرمضان مجرد ذكرى مرتبطة بالفقد، بل تريده أن يكون بداية لمرحلة تعافٍ تدريجي، يستعيدون فيها توازنهم النفسي والاجتماعي.
في خيمته على شاطئ بحر مدينة غزة، تعيش عائلة أحمد بكر شهر رمضان هذا العام بعيداً عن منزلها للعام الثالث توالياً بسبب تدمير جيش الاحتلال له.
بحسرة وحزن استقبلت العائلة شهر رمضان، وكانت وجبة السحور لها واستقبال الشهر بدون المشاعر، ودون الطقوس التي اعتادت عليها قبل الحرب الإسرائيلية على غزة.
أحمد أحد أبناء هذه العائلة يقول لـ"الخليج أونلاين": "نعيش رمضان هذا بروح مختلفة، ولكن الهدوء الحالي فرصة لإعادة التفكير في المستقبل، والشهر يمنحنا مساحة للتأمل ووضع خطط جديدة رغم التحديات".
أكثر ما يحزن أحمد وعائلته هو البعد عن المنزل، واستقبال شهر رمضان في الخيمة بعيداً عن جدران منزلهم، ووجود حمام خاص بهم، ومكان لإعداد وجبتي السحور والإفطار، وتناول حلويات الشهر.
Loading ads...
لدى أحمد حلم بسيط وهو أن يعيش رمضان القادم في ظروف طبيعية، يكمل دراسته، ويعمل، ويحتفل بالشهر الفضيل دون وجوده في الخيمة المهترئة والمحيط بها عشرات الآلاف من النازحين الذين يعيشون نفس الظروف والحسرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





