شهر واحد
فيلم "كمين" لياسمينا كراجة... عمّان الشرقية والغربية في كادر واحد - رصيف22
الإثنين، 21 سبتمبر 2026

يقدّم فيلم "كمين" للمخرجة ياسمينا كراجة، قصةً تجمع بين طرفين مختلفين من عمان في مكان واحد ووقت واحد، لخلق عالم متماسك يعجّ بالتناقضات دون محاولة الضغط على المشاهد لتبنّي طرف على حساب الآخر.
لقي الفيلم الروائي الوثائقي القصير، وهو من إنتاج "إيمغيناريوم فيلمز"، للمنتجة المنفّذة رولا الناصر، والمنتجة أسيل أبو عيّاش، اعترافاً نقدياً محلياً ودولياً، حيث شارك في مهرجانات مثل "تورونتو" (TIFF) و"بوسان"، وحصد جائزة أفضل فيلم أردني قصير في مهرجان عمّان السينمائي الدولي، وهي محطات توثّق حضور العمل بأسلوب يتجاوز المعايير التقليدية للسينما السائدة.
على سطح في الحيّ القديم في عمان الشرقية، يسهر أربعة شباب كل ليلة حيث يشاهدون حفلةً تُقام في محل على سطح مقابل بدخولية تبلغ عشرة دنانير. بقعة صاخبة من الضوء والتكنو تقتحم سكون حيّهم الرمادي، معلنةً صداماً بين عالمين في مكان واحد.
بدلاً من تقديم المدينة كخلفية صامتة، تتعامل كراجة مع عمّان كشخصية رئيسية تنبض بالتوتر. الفيلم لا يلتقط المدينة بأسلوب يُجمّل الفقر أو يستعرضه للجمهور، بل يتسلل إلى الأزقة والمساحات المفتوحة بوعي سينمائي يفهم جغرافيا المكان ونفسيته، واضعاً "كمين" في المساحة المشحونة بين عمّان الشرقية وغربها؛ تحديداً في نقطة التقاء وسط البلد القديمة وسكانها بالأحياء الرائجة.
هذا التجاور لا يُقدّم كاعتراض، بل كتحوّل واقعي نراه كل يوم: أحياء شعبية قديمة تُفتح فيها "وجهات صاعدة"، فتسحب إليها جزءاً من حياة عمّان الغربية ومفاهيمها.
الفيلم لا يدين أحداً ولا يوزّع صكوك اتهام، بل يضع الكاميرا فقط أمام هذا التجاور الغريب بين عالمين في الشارع نفسه، ويطلب منا أن نعترف بوجوده دون تجميل أو تشنج.
تكمن القوة الحقيقية لـ"كمين" في تحوّل مهم على مستوى العملية الإبداعية نفسها؛ فالفيلم لا يتماشى مع التقليد السينمائي الذي يتعامل مع شخصياته كـ"عناصر إثارة واقعية" أو مجرد وجوه شعبية.
فتحت المخرجة الفرصة أمام عملية "خلق مشترك" امتدت عبر فترة من التعايش والحوار وتطوير الشخصيات مع الممثلين الأربعة من محبّي الراب في عمّان الشرقية. صاغ هؤلاء الأشخاص شخصياتهم وحواراتهم اليومية انطلاقاً من تجاربهم الحالية، لتكون تجسيداً حيّاً لحالة التقاطع بين شطري المدينة. هذا الاشتراك منح الفيلم أداءً تمثيلياً طازجاً، بأصوات وملامح واضحة، خاصةً أنها تجربتهم التمثيلية الأولى.
يوظّف "كمين" الهندسة الصوتية التي صمّمها يانيس أهنرت (Janis Ahnert)، لتجسيد هذا العالم؛ فالفيلم لا يتعامل مع الصوت كخلفية للمشاهد، بل كعنصر خلاف مباشر وتفاعل بين عالمين.
الصوت لا يجبرنا على الوقوف في طرف واحد، بل يضع آذاننا في المنتصف عبر معالجة حيّة تتداخل فيها البيئات الصوتية (Ambiences)، تماماً كما تتقاطع أصوات الشارع، وأهل الحي، وأسواق وسط البلد، مع الحوار، وأغاني أم كلثوم في المقاهي مع موسيقى التكنو.
الموسيقى في الفيلم ليست حكراً على طرف دون آخر، بل تُستخدم كوسيلة للتنفس والهروب للطرفين معاً: بينما يستخدم روّاد المحل من عمّان الغربية التكنو، تستخدم شخصيات عمّان الشرقية الراب للتعبير عن أنفسهم.
يمزج التصوير بين الوثائقي الحيّ لواقع الشارع وبين الصورة المصممة بعناية، تماماً كما جرت عملية تطوير الشخصيات من وحي أشخاصهم الحقيقية، جمعت اللغة البصرية بين الواقعية والدراما.
كاميرا فرهاد قادري، تترجم هذا التوتر عبر خيارات بصرية واضحة؛ تضعنا المسافة التي تفصل الكاميرا عن السطح المقابل في موقع المترقّب الذي يسترق النظر. نرى الشخصيات من خلف الزوايا وعبر انعكاس الزجاج، لِيخلق الفيلم عيناً متطفلةً تجعل المشاهد جزءاً من عقلية المراقبة والتوتر في عمّان.
في المقابل، تظهر بيئة الحي هادئةً بإضاءة خافتة، لتبرز الحفلة كنقطة لون وموسيقى وحيدة في الكادر، وكجسم غريب نابض ومزعج في قلب المكان القديم.
تتداخل اللقطات الوثائقية في "كمين" بسلاسة مع المشاهد المصممة، لتبدو الكاميرا وكأنها تسجّل يوماً عادياً في الشارع دون تدخّل أو افتعال.
هذا المزج البصري يعتمد على اقتناص الحركة التلقائية للناس، وتفاصيل الأزقة، وحركة السيارات، وحياة السكان اليومية دون إضاءة إستوديو معقدة أو زوايا استعراضية.
النتيجة هي فضاء بصري يشبه الأرشيف الحي؛ مشاهد تترك للكاميرا حرية التقاط النبض الحقيقي لوسط البلد وعمان الشرقية كما هي، لا كما يريد ديكور السينما أن تظهر عليه.
يتجاوز الفيلم تصنيفه التقليدي كعمل روائي قصير، ليقترب من السينما الوثائقية الهجينة، حيث لا يعود الفارق واضحاً بين ما هو مكتوب وما هو واقع معيش بحت.
اختيار المخرجة للعمل والتعاون مع ممثلين غير محترفين من محبّي الراب في عمّان الشرقية، هو أسلوب توثيقي يسجّل إيقاع حياة حقيقياً دون إضافات إستوديو مصطنعة. فالوجوه، وتعبيرات الجسد، وحتى اللهجة والكلمات المرتجلة على السطح، تعكس أرشيفاً حياً لشباب يعيشون فعلياً على ذلك الخط الفاصل بين تهميش المكان وصخب الحفلات الواردة.
ما سبق يمنح العمل قوّته، فيتحول المكان نفسه إلى وثيقة بصرية مسجّلة لأحياء عمّانية تتعرض لتحولات سكنية وعمرانية متسارعة. التقاط حركة الشارع، وأصوات البيئة المحلية، وتفاصيل العمارة القديمة وهي تواجه زحف التغيير، تجعل من الفيلم سجلّاً بصرياً لفترة انتقالية تعيشها المدينة.
"كمين" وثيقة بصرية وصوتية صادقة عن عمّان؛ مدينة حيّة تعيش على خطوط التماس الطبقية والثقافية، وتفرز موسيقى وحكايات ولغات لا يمكن طمسها.
Loading ads...
وتكمن شجاعة التجربة في جرأة المخرجة وفريقها على منح المساحة الحرة للتجريب، ومغادرة المنطقة الآمنة للسينما التقليدية؛ فالسينما الحقيقية غير مطالبة بتمثيل أحد بذاته، لكنها تؤدي ذلك ببراعة كلما عكست ما هو حقيقي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





