عبر نحو مئة سنة ظل الغرب، بشقَيه الأوروبي والأمريكي، مثالاً للشر. صديقتي المثقفة تنعم بعطايا الغرب، احتراماً لآدمية الإنسان إقامة وعلاجاً ومركزاً أكاديميّاً، ولا تكفُّ عن شيطنة الغرب، والتغنى بالمسلمين. ولا تحتمل العودة إلى "دار الإسلام"، بعد هروب بشار الأسد وصعود أحمد الشرع. وتحلو لمثقفين عرب كراهية الغرب، بتعميم عشوائي، على الرغم مما يتيحه من حقوق لا يتنازلون عنها. ويظل سيد قطب استثناء. لم يستفد من رحلة أمريكية لا تزال تفاصيلها غامضة، ولا يدين بفاتورة لأمريكا التي أعادته كارهاً للحياة، كافراً بالغرب وبالوطن، عاشقاً للدماء. ولا أجد أقدم من توفيق الحكيم أباً روحيّاً لقطب الذي لم يذكر للحكيم أستاذية.
ليس الغرب شيطاناً ولا ملاكاً. بعد قرون من حروب أهلية ودينية وغزوات واستعباد البشر واستنزاف ثرواتهم، توافق على حد أدنى من حقوق الإنسان، في صيغة "دولة" دينها القانون. لم يعتذر لضحاياه، وإن منح أحفادهم فرصاً للصعود وفقاً لمواهبهم، فكانت الجزائرية آسيا جبار عضوَ مؤسسة عمرها نحو أربعة قرون هي الأكاديمية الفرنسية، واللبناني أمين معلوف أميناً عامّاً للأكاديمية نفسها مدى الحياة، والمغربية رشيدة داتي وزيرة للعدل، والمغربية نجاة بلقاسم وزيرة حقوق المرأة. وفي أكثر من دولة انتُخب عرب ومسلمون أعضاءً في البرلمان. وهنا تحرك مسلمون عرب لاحتلال اليمن، وأغلقوا الأبواب في وجه ضحايا جحيم غزة، وشارك البعض سرّاً في الإبادة.
حتى العقلاء الناجون من الصدمة الحضارية ذات البعد الديني، يهاجمون عنصرية الغرب. يسجل حمزة قناوي في كتابه "المثقفون" انتقاد أنور عبد الملك المركزية الغربية: "العالم لديهم هو الغرب فقط. هو أنفسهم". المثقف الهارب من اعتقالات الشيوعيين المصريين، عام 1959، نال الدكتوراه من جامعة السوربون، وصار أستاذاً بها، وعضواً بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ورئيساً للبحوث. ثم رجع إلى مصر، وفي عام 2005 احتاج إلى جراحة بسيطة، وبدأ الإجراءات الممهدة لعملية ستكلفه أكثر من 12 ألف دولار في مستشفى استثماري، فقرر مغادرة المستشفى، والتوجه إلى المطار؛ ففي فرنسا، "سأجري العملية بالمجان تماماً! لن أدفع ولا يورو". لاذ بالغرب الذي يلعنه.
كلاهما يميني. يرى الحكيم، في كتابه "تحت شمس الفكر" (1938)، أن الفنان يتزوج الفن، "يعيش من أجل الفن، وتعيش هي من أجل الفنان"، وأن الغاية الأسمى للمرأة هي سلب الرجل وإخضاعه، لأنها مخلوق "غير سلمي"، متى امتلكت سلاحاً "تحركت فيها غريزة السطو والحرب... المرأة الجميلة هي عدو الرجل المفكر"، فهي "مخلوق لا منطق له". الحكيم يتخذ هيئة مستشرق يجهل المرأة المصرية، فيضعها في قالبَين: فنانات، أو مقلدات الفنانات والجامعيات. هذه وتلك يعنيها شيء واحد: "حقها المطلق في السيطرة على الرجل وإخضاعه وعدم طاعته، وجعله خادماً لمطالبها، نازلًا على إرادتها، واعتبار أي حق له قبلها تأخراً، يقابل منها بالاحتجاج والازدراء".
بعد نشر "تحت شمس الفكر" بستة أعوام، أجرى الحكيم لأفكاره تسييلاً دراميّاً تقريريّاً ذهنيّاً، في رواية "الرباط المقدس" (1944). يذكر الراوي، راهب الفكر، أن "سلطان الدين" كان له تأثير حين كانت المرأة حبيسة بيتها، "أما اليوم فقد تركت المرأة العصرية البيت والحجرة لصوت الدين... يدوي فيهما كيف يشاء، ونزلت هي إلى الشوارع والحوانيت والمقاهي والملاهي... وكل مكان، في كل حين... تخطر بعطرها وزينتها وابتساماتها ونظراتها... جهاز لاسلكي متنقل في ثياب امرأة، يلقي في وجه كل عابر بموجاته التي لا تقهر ولا ترد".
هكذا ببساطة، نظر الحكيم من قمة البرج العاجي، نظر ولم يرَ إلا التصور الراسخ في عقله المجرد، فكتب كلاماً ساذجاً يجسد ذروة الاستشراق المحلي. ونظرة اليمين الثقافي الرجعيةللمرأة لا تختلف، إلا في الدرجة، عن سلفية اليمين الديني.
في رواية "عصفور من الشرق"، يبدو الروسي المريض إيفانوفيتش واعظاً سلفيّاً. يجامله محسن المصري بالقول إن روسيا أصبحت جنة الفقراء، فيقول الروسي: "إن جنة الفقراء لن تكون على هذه الأرض". وفي محاورات مسرحية مطولة زاعقة يؤكد أن "أوروبا اليوم في أزمة شديدة... لا شك في أنها أخطر أزمة مرت بها؛ ذلك أنها قد تنبهت إلى أن ما زعمته مدنية عظيمة قد أفلس... فلنرحل معاً إلى الشرق". وينصت إليه محسن، ويهمس لنفسه بأن عدوى الأفكار الأوروبية الخاصة بالتعليم والتصويت والبرلمان، والصناعة "وهي عجلة إبليس التي يقود بها الإنسانية إلى الدمار"، أصبحت في الشرق "مبادئ ثابتة". ويشمله الأسى: "اليوم لا يوجد شرق!... إنما هي غابة على أشجارها قردة، تلبس زي الغرب، على غير نظام ولا ترتيب ولا فهم ولا إدراك".
رؤية الحكيم للغرب، بهذا التعميم، طوَّرها سيد قطب. يتشابه الحكيم وقطب في يوم الميلاد، 9 تشرين الأول/ أكتوبر، بفارق ثماني سنوات لا تضمن مجايلة، ولا تجعل الحكيم أستاذاً إلا بما يسمح به اختلاف النشأة، واتساع المسافة بين فقر قطب، ووفرة أتاحت للحكيم حرية السفر، والقدرة على الاستغناء عن العمل في القضاء، والتفرغ للكتابة. ولا أظن الحكيم، بما حظي به من دلال مبكر، عني بوجود تلاميذ، فاتخذ قطب مكان التلميذ لأستاذين لم يبادلاه حبّاً بحب. بالتجاهل خيَّبا أمله في رعاية مهَّد لها بأكثر من طريقة.
نشر قطب عام 1945 كتابه "طفل من القرية"، ويكشف الإهداء عن إعجابه بطه حسين وأيامه: "إلى صاحب كتاب الأيام… الدكتور طه حسين بك.
إنها يا سيدي أيام كأيامك، عاشها طفل في القرية، في بعضها من أيامك مشابه، وفي سائرها عنها اختلاف.
اختلاف بمقدار ما يكون بين جيل وجيل، وقرية وقرية، وحياة وحياة. بل بمقدار ما يكون بين طبيعة وطبيعة، واتجاه واتجاه. ولكنها ـ بعد ذلك كله ـ أيام من الأيام".
أما علاقته بعباس العقاد فأكثر تعقيداً. حارب خصوم العقاد، واعتبرهم ناقصي الثقافة ناقصي الرجولة. ذكر علي شلش، في كتاب "التمرد على الأدب… دراسة في تجربة سيد قطب"، أن قطب على غزارة إنتاجه، "لم يذكره أستاذه العقاد بخير أو شر... فلم يحدث أن أعلن العقاد عن شعوره إزاء قطب، في حين أن الأخير سجل إعجابه الشديد بصاحبه، وتعصبه وولاءه له، أكثر من مرة، بأكثر من طريقة. بل سجل أيضًا أنه تلميذ له ومريد لأفكاره"، كما تأثر بأفكاره. وقد وصفه إسماعيل مظهر، في مجلة "الرسالة" (27 حزيران/ يونيو 1938)، بأنه "طبعة ثانية، ولكنها طبعة مزورة من الأستاذ العقاد".
وفي "كتاب النميمة"، سجل سليمان فياض أنه زار قطب في بيته، فحدثه عن العقاد: "كنت له تلميذاً محبّاً، وكنت أقدم له كتبي، فيثني عليَّ، ويقربني منه، حتى طلبت منه ذات يوم أن يكتب مقدمة لكتاب لي، يقدمني به للناس، فأبى ذلك على نفسه وعليَّ، وشعرت بالغيظ، حين آثر أن يقدم لكتاب 'بروكولات حكماء صهيون' لخليفة التونسي، ولا يقدم لكتابي، فجفوته وجفاني، وهجرت مجلسه". ويبدو أن استعلاء العقاد ترك ندوباً.
ففي رسالة إلى أحمد أمين، نشرها قطب في مجلة "الثقافة" (10 أيلول/ سبتمبر 1951)، يتهم جيل الشيوخ بالأنانية، "فلم يعد لديهم وقت للمريدين والتلاميذ... ودعوني الآن أصارحكم بتجربتي الخاصة، التي تركت في نفسي ذات يوم مرارة... لقد كنت مريداً بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين". ثم بدأ قطب ينشر الكتب، وبين عامي 1945 و1948 أصدر ثمانية كتب، "فماذا كان موقف أستاذي؟ وماذا كان موقف جيلكم كله!... من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن؟". أجاب بأنه فوجئ بالصمت التام، باستثناء حديث في الإذاعة لإبراهيم عبد القادر المازني، "وإشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم في أخبار اليوم... هذا كل ما خطته أقلام جيل الأساتذة عن عشرة كتب لمريد جيد درس كل آثارهم واستوعبها، ونوَّه بها، وشرحها وحللها، في خلال عشرين عاما". ثم كرر قطب: "حتى الكلمتان اللتان جاد بهما هذا الجيل جاءتا متأخرتين عن موعدهما كثيراً".
عشرة كتب لم تمنح سيد قطب شهادة ميلاد. ولعل هذه إشارته الوحيدة التي تضم توفيق الحكيم إلى جيل الأساتذة. في كتابه "كتب وشخصيات"، اختص الحكيمَ بفصلين. فهل استقرت كتابة الحكيم، عن أزمة الغرب في رواية "عصفور من الشرق"، في لاوعي سيد قطب؟
في أيلول/ سبتمبر 1948 ابتعثته وزارة المعارف إلى الولايات المتحدة لدراسة التربية وأصول المناهج، ولم يكمل البعثة. عاد بعد عامين إلا قليلاً. لقد رأى أمريكا التي في ذهنه. بحث عن وجه يؤكد فكرته عن الغرب. من هناك كتب إلى أنور المعداوي: "تنتظر عودتي لآخذ مكاني في النقد الأدبي؟ أخشى أن أقول لك: لن يكون... سأخصص ما بقي من حياتي وجهدي لبرنامج اجتماعي كامل يستغرق أعمار الكثيرين". وكتب سليمان فياض في "كتاب النميمة" أن قطب أرسل إلى صديقه عباس خضر أن قضيته صارت حضارة الشرق، "في مواجهة حضارة الغرب، التي تفككت فيها الأسر، وشحب الشعور بما هو تواصل إنساني". كما اعتذر إلى الشاعرة نازك الملائكة عن عدم المشاركة بمقال في مجلة "الآداب" البيروتية، "لأنه وجَّه اهتمامه وعمره لقضية أخرى أكبر عنده وأجلُّ، هي الدعوة إلى مجتمع الإسلام".
تجول قطب في عدة مدن، وكتب في كانون الأول/ ديسمبر 1949 مقالاً عنوانه "حمائم في نيويورك"، عن غياب "معنى الإنسان"، عما أطلق عليه "القطيع الهائج الهائم"، المهموم باللذة والمال، "فلم أجد إلا الغابة الواسعة الهائجة... هنا في أمريكا جسد يتشهى جسداً... ولا وقت للأشواق الروحية... في كل زاوية أحضان وقبلات. ولكنك لا تلمح في وجه واحد معنى الرضاء، ولا تحس في قلب واحد معنى الاطمئنان. الحياة قلق دائم، وعمل دائم، واشتهاء دائم، وارتواء دائم".
عاد قطب، وانسجم مع الضباط الأحرار بعد تموز/ يوليو 1952، وبالغ في حماسته الثورية فطالب بإعدام العاملَين الشابَين، مصطفى خميس ومحمد البقري، لمشاركتهما في احتجاج بشركة مصر للغزل والنسيج، في كفر الدوار يومي 12 و13 آب/ أغسطس 1952. كان يطمع في تولي وزارة المعارف، ولم ينلها، فانضم إلى الإخوان المسلمين، وأضاف إلى أفكار توفيق الحكيم صبغة إسلامية، فقال في كتاب "الإسلام ومشكلات الحضارة" إن لأوروبا "ووليدتها أمريكا"، ومن ورائها "بروتوكولات صهيون"، هدفاً أصيلاً هو الانحلال وتدمير العالم، بنظريات "جامحة في تلويث الإنسان وتحقيره، ثم إباحة كل خساسات الشهوات الجامحة له".
في كتبه التالية، ترددت هذه الأفكار بصياغات مختلفة، يسِمُها يقين عصبي، حاد ومباشر، واضح بلا ظلال، خال من الأناقة، يعفي القارئ من استعادة الجملة أو تأمُّل الصياغة. ففي كتاب "المستقبل لهذا الدين" يقول إن الفلسفة المادية جعلت البشرية كلها منكوبة "بهذه الحضارة المناقضة لفطرتها"، وإنها لن تنتصر على الإسلام، فهو «وحده القادر على إنقاذ البشرية مما يحدق بها من أخطار ماحقة». كلام إنشائي صدق فيه وصف علي شلش: "لا يعد قطب من أصحاب الأساليب المعتنى بها في أدبنا المعاصر".
أما الذروة ففي كتاب "معالم في الطريق"، وفيه إلحاح على انخراط العالم "كله في جاهلية... هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله". في هذا الكتاب/ الميثاق كرر قطب أننا "في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم"، وأن حماية "دار الإسلام" ليست الهدف النهائي لحركة الجهاد الإسلامي. هذه الحماية ليست غاية، وإنما "هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها".
Loading ads...
بسط السيادة الإسلامية على الأرض كلها، والطموح إلى أستاذية العالم، لم يخطر بخيال توفيق الحكيم. لقد تفوق تلميذ آلمه تجاهُل الأستاذة، فجعلته أجيال من "القطيع الهائج الهائم" أستاذاً وإماماً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






