خلال الأشهر الماضية، انشغل لبنان بمسألة واحدة بدت وكأنها تختصر كل أزماته: كيف يمكن الانتقال من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة الاستقرار الدائم في الجنوب؟ لكن مع تطور المفاوضات الأميركية - الإيرانية واتساع دائرة الاتصالات الإقليمية، أصبح واضحاً أن السؤال الحقيقي لم يعد يقتصر على الجنوب أو على سلاح "حزب الله"، بل بات يتعلق بالموقع الذي سيشغله لبنان داخل الترتيب الإقليمي الجديد الذي يتشكل في الشرق الأوسط.
من هذه الزاوية، تبدو المقاربة اللبنانية الرسمية القائمة على الفصل الكامل بين الملف اللبناني والملف الإيراني أقرب إلى موقف سياسي منه إلى توصيف واقعي للمشهد. فحزب الله لا يزال يشكل أحد أهم أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، وأي مسار جدي لمعالجة دوره العسكري أو مستقبل سلاحه يحتاج، عاجلاً أم آجلاً، إلى موافقة إيرانية أو على الأقل إلى تفاهم مع طهران. لهذا السبب تكتسب المفاوضات الأميركية - الإيرانية أهمية استثنائية بالنسبة للبنان، لأنها قد تكون للمرة الأولى منذ سنوات المسار الوحيد القادر على إنتاج تفاهم متزامن حول أمن الحدود اللبنانية ومستقبل الحزب ودور الدولة اللبنانية. لكن اختزال المشهد بهذا البعد وحده يؤدي إلى تجاهل تحول آخر لا يقل أهمية. فخلال الفترة نفسها التي كانت فيها واشنطن وطهران تتجهان نحو التفاوض، كانت عواصم إقليمية عدة تعمل على بلورة إطار سياسي وأمني جديد يضم تركيا والسعودية وقطر ومصر وباكستان، ويهدف إلى منع انهيار التوازن الإقليمي بالكامل لصالح إسرائيل من جهة، ومنع انزلاق المنطقة إلى حروب داخلية جديدة من جهة أخرى. وضمن هذا السياق تحديداً برز الدور السوري الجديد.
قبل سنوات فقط، كان الحديث عن سوريا يعني تلقائياً الحديث عن النفوذ الإيراني والروسي والصراع الداخلي. أما اليوم، فإن دمشق تحاول تقديم نفسها باعتبارها دولة تسعى إلى إعادة الاندماج في محيطها العربي والإقليمي، وتبحث عن فرص اقتصادية واستثمارية أكثر مما تبحث عن أدوار عسكرية أو أمنية. هذا التحول ليس تفصيلاً، بل يمثل أحد أهم المتغيرات التي تؤثر مباشرة على مستقبل لبنان.
فمنذ عودة الدولة السورية إلى لعب دور إقليمي أكثر نشاطاً، ظهرت محاولات متعددة لدفع دمشق نحو الانخراط في الملف اللبناني من بوابة المواجهة مع "حزب الله" أو من بوابة ضبط الحدود بالقوة أو حتى عبر تحويلها إلى طرف مباشر في ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة. إلا أن القيادة السورية الجديدة، وعلى رأسها الرئيس أحمد الشرع، أظهرت موقفاً ثابتاً يقوم على رفض أي تدخل عسكري أو أمني داخل لبنان. فدمشق تدرك أن أي انخراط من هذا النوع سيعيد إنتاج الصراعات القديمة التي دفعت سوريا أثماناً باهظة بسببها طوال العقود الماضية.
الأولوية السورية اليوم تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة البنية التحتية، وربط سوريا بمشاريع الطاقة والنقل الإقليمية، واستقطاب الاستثمارات الخليجية والتركية والأوروبية. وكل هذه الأهداف تتطلب بيئة مستقرة وعلاقات متوازنة مع الجوار، لا الانجرار إلى مواجهة جديدة داخل الساحة اللبنانية
هذا الموقف السوري لا ينطلق فقط من اعتبارات مبدئية تتعلق بسيادة لبنان، بل أيضاً من حسابات مصلحية بحتة. فالأولوية السورية اليوم تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد، واستعادة البنية التحتية، وربط سوريا بمشاريع الطاقة والنقل الإقليمية، واستقطاب الاستثمارات الخليجية والتركية والأوروبية. وكل هذه الأهداف تتطلب بيئة مستقرة وعلاقات متوازنة مع الجوار، لا الانجرار إلى مواجهة جديدة داخل الساحة اللبنانية. ولذلك فإن دمشق تنظر إلى لبنان باعتباره شريكاً اقتصادياً وممراً حيوياً نحو المتوسط أكثر مما تنظر إليه كساحة نفوذ أو مواجهة.
والأهم أن هذا التوجه السوري يحظى بدعم واضح من أنقرة والرياض والدوحة. فهذه العواصم لا تريد رؤية سوريا تتحول إلى أداة في أي مشروع يستهدف حزب الله عسكرياً، كما لا تريد في المقابل عودة النفوذ الإيراني المطلق إلى لبنان. ما تسعى إليه هذه الدول هو بناء معادلة وسطية تقوم على دعم الدولة اللبنانية، وتعزيز دور الجيش والمؤسسات، وإدماج مختلف القوى اللبنانية ضمن نظام سياسي أكثر استقراراً، من دون تفجير توازنات البلاد أو دفعها نحو صدام أهلي جديد.
من هنا يمكن فهم الحراك الدبلوماسي الكثيف الذي تشهده المنطقة. فالزيارات المتبادلة بين المسؤولين اللبنانيين والأتراك، والاتصالات السعودية والقطرية المستمرة، والانفتاح السوري على التعاون مع بيروت، كلها ليست تحركات منفصلة، بل أجزاء من عملية أكبر تهدف إلى إنشاء شبكة أمان إقليمية حول لبنان. هذه الشبكة لا تستهدف فقط حماية لبنان من إسرائيل، بل أيضاً حمايته من تداعيات أي انهيار محتمل للمفاوضات الأميركية - الإيرانية.
في المقابل، تدرك إسرائيل خطورة هذا المسار بالنسبة لها. فنجاح تفاهم أميركي - إيراني، بالتوازي مع تشكل إطار إقليمي يضم تركيا والسعودية وقطر ومصر وباكستان وسوريا، يعني عملياً قيام توازن جديد يحد من قدرتها على فرض وقائع أحادية في لبنان وسوريا وغزة. ولذلك تواصل حكومة بنيامين نتنياهو سياسة التوسع الميداني والضغط العسكري ومحاولة فرض خرائط أمنية جديدة في جنوبي لبنان قبل أن تستقر التفاهمات السياسية الكبرى. وهي تراهن على أن استمرار التوتر سيمنع ولادة أي إطار إقليمي قادر على تقييد حركتها أو فرض انسحابات عليها.
مستقبل لبنان خلال السنوات المقبلة لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بل أيضاً في طبيعة العلاقة الجديدة التي تتشكل بين بيروت ودمشق، وفي قدرة سوريا على التحول من مصدر قلق تاريخي للبنان إلى جزء من شبكة الاستقرار الإقليمي المحيطة به
أما بالنسبة للبنان، فإن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في انتزاع انسحاب إسرائيلي أو في معالجة ملف سلاح "حزب الله"، بل في القدرة على استثمار هذه التحولات الإقليمية المتسارعة. فبيروت تجد نفسها للمرة الأولى منذ سنوات أمام فرصة نادرة: إيران تبدو مستعدة للتفاوض، وسوريا ترفض العودة إلى التدخل في الشأن اللبناني، وتركيا والسعودية وقطر ومصر تسعى إلى إنشاء مظلة استقرار إقليمية، في حين تدرك واشنطن أن استمرار الفوضى اللبنانية لم يعد يخدم مصالحها.
Loading ads...
لهذا السبب، فإن مستقبل لبنان خلال السنوات المقبلة لن يتحدد فقط على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بل أيضاً في طبيعة العلاقة الجديدة التي تتشكل بين بيروت ودمشق، وفي قدرة سوريا على التحول من مصدر قلق تاريخي للبنان إلى جزء من شبكة الاستقرار الإقليمي المحيطة به. وإذا نجحت هذه المقاربة، فقد تكون المرة الأولى منذ عقود التي يصبح فيها الدور السوري عاملاً مساعداً على تثبيت الاستقرار اللبناني، لا جزءاً من الصراع عليه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

