البارحة السابعة مساءً. وصلني الخبر. لقد دمّروا بيتي. وها أنا أكتبه الآن في هذه المدوّنة في رصيف22.
لم أكتُبهُ من قبل. لم أستطع ذلك. كلّ ما فعلته أنني بكيتُ على النصّ الذي قرأ من جداري الفيسبوكي في فرنسا بلغتين وتفاعل معه كثيرون وهم لا يعرفون شيئاً عن بيتٍ صار خراباً.
ما زلت لا أعرف كيف يمكن لجملة قصيرة كهذه أن تحمل كلّ هذا الوجع والخراب. قالَ لي شباب الدفاع المدني: دُمّر. كلمة واحدة، باردة، قالوها كأنَّهم يصفونَ شيئاً يمكنُ إصلاحه أو استبداله. لكأنَّ بيتي الزائل كان جداراً وسقفاً ونوافذ. ألم يعرِف المتَّصِل أنّ في اتصاله الكئيب هذا يرمي في وجهي سنوات من حياتي باتت معلّقةً الآن على مسمار.
أقولها الآن ببطء، ربما كي أفهمها. كان هناك بيت لي في الجنوب. شقة مترامية في زاوية من زوايا كفرتبنيت. بيت على تلة قرب قلعة الشقيف، في جهة أعرفها جيداً، وأعرف الطريق إليها، وأعرف كيف يبدو الضوء حين يصل إليها في آخر النهار. بيتي كان حنوناً، لم يكن فخماً، ولم يكن يحتاج إلى أن يكون كذلك. كان جميلاً بالطريقة التي تصبح بها البيوت جميلة حين تسكنها عائلة. حين تتراكم فيها الأشياء الصغيرة، التي لا ينتبه إليها أحد، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت حياتنا نفسها.
دمَّروا المنزل الآفل هناك. حيثُ كانتْ أمي تصلِّي. وكانت عمتي تصلي أيضاً. وكان خالي يصرخُ ويتحدث عن كلِّ شيء بحبٍّ كبير. كان البيت يعرفُ أصواتنا. يعرف من يفتح الباب بطريقة مختلفة، ومن يتركُ الكوبَ على الطاولة، ومن ينامُ متأخراً، ومن يدخل إلى المطبخ ليسألَ متأخراً لو كان هنالكَ طعامٌ ليأكله. بيتي الذي كان يعرفُنا.
حين أقول بيتي، يرتجفُ قلبي وأنا أدبِّجُ هذه الكلمات. وكأنني أرثي مكاناً أو شيئاً يُشبهُ العودة. أتذكَّرهُ الآن وأرتجف. أين أنا من المفتاح الذي كنت أضيّعه دائماً ثم أجده في مكان سخيف، في الزرِّيعة، أو تحت "المدعسِة"، أو في جيب معطف لم أعد أتذكر أنني ارتديته. أين أنا من الريح والنافذة التي كانت تعرف اتجاه الريح أكثر مني. الحائط الذي أسندت إليه ظهري ذات مرة لم يعُد هنا. الكرسي الذي جلس عليه أحدنا كثيراً حتى صار غيابه عنه واضحاً.
دمّروا أشيائي الصَّغيرة جداً. ومن قالَ لكم إن البيوت لا تُبنى من أشياء صغيرة؟ لا أعرف أين ذهبت أشياؤنا. أين ذهب المفتاح؟ أين ذهبت الكؤوس؟ أين ذهب الغبار الذي كنا نتذمر منه؟ أين ذهبت الستارة التي كانت تتحرك كلما دخل الهواء؟ هل بقي شيء من الضحكات في مكان ما؟ هل يمكن لصوت أن ينجو من سقوط سقف؟ أفكر في ذلك وأشعر أنّ ذاكرتي ثقيلة. لم يتركوا لي سوى ذاكرة لأسندَ رأسي إليها وأحاول أن أشمَّ رائحة البيت بعد "شطف" أمي و "تعزيلها".
أريدُ أن أشعرَ أحياناً أن بيتي لم يسقط كله. سقط جزء منه هناك. والجزء الآخر سقط هنا، في صدري. كنت قد التقطت هذه الصور قبل شهر واحد فقط من الحرب. لم أكن أعرف أنني أصوّر البيت للمرة الأخيرة. كنت أظن أنني أصوّر بيتاً سأعود إليه. لم أكن أعرف أن الكاميرا ستصبح، بعد وقت قصير، وسيلتي لإنقاذ ما لم يعد موجوداً. أعود إلى الصور الآن فأرى أشياء لم أرها يوم أخذتها. أرى البيت كما كان قبل أن يصبح ماضياً.
عجيبة هي الصُّور. لا تعرف ما سيحدث. الصورةُ مطمئنةٌ لأنها لا تتوقع شيئاً. النافذة مفتوحة. الكرسي في مكانه. الضوء يدخل من الجهة نفسها. كل شيء يبدو طبيعياً، فيما نحن وحدنا نعرف أن هذا الهدوء كان مؤقتاً. أنظر إلى الصور المزروعة على هاتفي وأشعر أنني كنت أودّع البيت من دون أن أعرف.
رحل خالي قبل هذه المقتلة بأشهر. لم يُشاهد خراب البيت والحي والحارات التي سوِّيَت أرضاً. خالي. ليتك تجلس معي أمام هذا الخراب. كنا سنجلس طويلاً، كما كنا نفعل دائماً، وننظر إلى المكان الذي كان بيتاً ولا نعرف ماذا نقول. كنت ستصرخ ربما. أو تضحك تلك الضحكة التي لا أعرفُ كيف يمكن لشخص أن يضحكَ مثلها. ثم تتحدث عن كل شيء بحب كبير، كما كنت تفعل دائماً. أعرف أنك كنت ستبكي. أنت الذي لم تكن تخاف من البكاء. كنت ستبكي عني ومعي.
أقول لنفسي إنّ هذه الحرب ليست حربي، وإنني لا أملك رفاهية الانهيار. لكن القلب لا يفهم كثيراً في هذه الحسابات. القلب يرى بيتاً كان يعرفه، ثم يكتشف أنه لم يعد موجوداً. البيت يسقط في الجنوب في تلة في كفرتبنيت، لكن الخبر يصل إلى مكان آخر. يصل إلى الجسد. فيخون ويرتجف ويتداعى صريعاً.
هناك بيوت كثيرة في الجنوب لم يعد أصحابها يعرفون كيف يصفونها. بيوت كانت لها أسماء غير مكتوبة على الخرائط. بيت فلان. بيت العائلة. بيت الجد. البيت الذي نجتمع فيه في الصيف. البيت الذي نذهب إليه حين نتعب من المدينة. البيت الذي كان يكفي لأن نقول عنه "بيتنا" فيعرف الجميع أي بيت نعني. بيوت لا تستطيع الصور كلها أن تحفظها. بيوت لم يكن أحد يتوقع أن تصبح يوماً موضوعاً للرثاء.
أفكر في بيتي، وأفكر في أولئك أيضاً.
إسرائيل تُدمّر البيوت. أعرف أن الكلمات الكبيرة تستطيع أن تشرح كثيراً من الأشياء. لكنها لا تشرح لي لماذا يجب أن تختفي نافذة كانت تعرف الريح. ولا لماذا يجب أن يتحول كرسي جلس عليه خالي إلى حطام. ولا لماذا يجب أن تصبح صورة التقطتها قبل شهر واحد من المقتلة وثيقة على شيء لم يعد موجوداً. الحرب تعرف كيف تدمّر الأشياء الكبيرة. لكنها لا تعرف ماذا تفعل بأشيائي الصغيرة. لا تعرف، أنّ بيتنا الصغير الجميل الوادع الذي احتضن فقرنا وعوزنا وراحتنا وبحبوحتنا وآوانا كعائلة كاملة. بيتنا بجداره الشاهد على أعمارنا.
بيتي كان صغيراً أمام الحرب. وقعَ واستراح. لا أريد أن أرثي البيت. لن ينفعَ كلامي في شيء. البيت مات. لربما أريد أن أرثيه لأنه عاش. عاش بما يكفي ليترك فينا أثراً لا تستطيع الجرافات الحقيرة الوصول إليه. عاش بما يكفي لأن يصبح جزءاً من ذاكرتي، ومن صوري، ومن الطريقة التي أقول بها في المستقبل: كان لدي بيت هنا ودمَّرتهُ إسرائيل.
عليَّ أن أتعلَّم كيف سأكتبهُ وكيف سأتذكّرهُ. وكيف سأحييه وأعيد بناءه في الكلام والصور والحكايات التي سأقولها لمن لم يره. سأقول لهم كلّ شيء. كان جميلاً. كان أجمل بيت في الجنوب. كان بيتنا. وهذا يكفي لتدمِّرهُ إسرائيل.
سأحمله معي. نحن عميان عن النهايات. الصورة لا تعرف أنها الأخيرة. لا تعرف أن الضوء الذي تحفظه لن يعود، وأن النافذة التي تظهر فيها ستصبح بعد أيام شيئاً من الذاكرة. كل شيء في الصورة مستمرّ، ولهذا تؤلمني. سأحاول أن أتذكره كما كان.
سأحاول أن أتذكر البيت واقفاً كما في الصورة التي رأيته فيها قبل الخراب. سأترك النافذة مفتوحة في ذاكرتي، والقهوة تخرج من المطبخ، وأمي تصلي، وعمتي تصلي، وخالي يرفع صوته ويتحدث عن كل شيء بحب كبير. سأترك المفتاح في مكانه، حتى لو لم يعد هناك باب يحتاج إليه.
ربما هذه هي المقاومة الوحيدة التي أملكها أمام النسيان. أن أرفض أن تكون آخر صورة للبيت هي صورته مهدّماً. أريد أن تكون آخر صورة له كما أحببته. أقول بيتي، ولا أقصدُ بيتاً واحداً فقط. أعرف أن هناك من يسمع هذه الكلمة الآن ويتذكر بيتاً آخر. بيتاً في قرية أخرى، على تلة أخرى، خلف طريق آخر، وربما تحت ركام آخر. الخرائط لا تعرف شيئاً من هذا. الخرائط تعرف أسماء القرى والطرق والحدود والأهداف. وهذا ما ليسَ فينا نحنُ الطيّبون.
Loading ads...
ألا يكفي هذا لأبكي حالتنا وخسارتنا التي لن تستطيع أي خريطةٍ وأيُّ صورةٍ انتزاعها واستعادتها. هذه حالُنا ومظلمَتُنا وهكذا نحنُ الجنوبيّون.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






