2 أشهر
الدعوة إلى الفدرالية وخطط قديمة لتقسيم سوريا والمشرق العربي
الأربعاء، 18 فبراير 2026
يشير غير باحث إلى أن نشر بدعة "المكوّنات" الطائفية والقومية، والمطالبة باللامركزية السياسية في سوريا، ليست سوى الخطوة الأساس للوصول إلى الفدرالية، وهو ما عبّر عنه غير مسؤول وناشط وإعلامي مستقلون أو ينتمون إلى تيارات سياسية قديمة أو جديدة ظهرت بعد سقوط النظام.
أبرز هؤلاء مسؤولة من تنظيم قسد قالت في أكثر من مناسبة إن سوريا يجب أن تكون لا مركزية، ويجب أن تُعطى حقوقُ كافة المكوّنات في المجتمع السوري.
يُجمع هؤلاء الناشطون والسياسيون والإعلاميون، تصريحاً وتلميحاً، على أن السوريين ليسوا شعباً واحداً، بل هم مجموعة من "المكوّنات" أو "الشعوب" الطائفية والقومية، وأن هذه المكوّنات تتعرض لأشكال مختلفة من الاضطهاد السياسي والقومي والطائفي. وبالتالي، فلا بدّ عند هؤلاء أن يكون الحل الطبيعي لمسألة "اضطهاد المكوّنات" أن تنال "حقوقها" في تأسيس كانتونات مستقلة عن سوريا، أو على الأقل أن تحظى بكانتونات متمايزة قائمة بذاتها في إطار علاقة فدرالية، أو حتى علاقة اتحادية كونفيدرالية. وهو ما سيبقى قائماً في سياسة وعقل قسد ومسد والمنتمين لهما، واللوبي الغربي الداعم لهما، وسنجد ذلك معبّراً عنه في مشروع "قانون إنقاذ الأكراد" الذي يعمل عليه سيناتور جمهوري في مجلس الشيوخ الأميركي؛ حيث شهدت واشنطن مؤخراً نشاطاً لجماعات تقدّم نفسها ممثّلةً عن أقليات سوريا، وترفع شعارات اللامركزية السياسية والفدرالية، في محاولة منها لإحداث أي تأثير، مهما كان بسيطاً، في الفاعل السياسي الأميركي الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد على وحدة سوريا واستقلالها.
إن هذه الدعوات إلى اللامركزية السياسية والفدرالية، والنظر إلى السوريين كمكوّنات، تتوافق مع مسعى غربي إسرائيلي لاستكمال تقسيم المنطقة، ابتداءً من العراق وصولاً إلى سوريا، ومن ثم إلى تركيا وإيران.
فعلى الرغم من التزامهم اللقاء والحوار مع الحكومة السورية، وتوقيعهم على اتفاق كانون الثاني 2026، فإن بعض المسؤولين من الصف الثاني في قسد وب ك ك يعلنون عن مساعيهم لاستصدار قانون أميركي لمعاقبة سوريا أشد من قانون قيصر، بدعوى حماية الأكراد من الإبادة، ولم يجف بعد حبر اتفاقية الاندماج مع الحكومة السورية، وفي وقت ما تزال، حتى اللحظة، انتهاكات تنظيم ب ك ك قائمة بحق أهلنا عرباً وأكراداً في الحسكة والمناطق التي ما زال التنظيم متواجداً فيها.
هنا يجب التذكير بأن دعوات الفدرالية واللامركزية السياسية التي رفعها بعض متظاهري الساحل قبل شهور، تلبيةً لدعوة شيخ يقيم في أربيل حالياً، تتطابق مع دعوات قسد ومسد، اللتان تريدان للنظام السياسي السوري أن يتجه نحو الفدرالية واللامركزية السياسية؛ فهي التي كانت تبرّر وجودها وهيمنتها، حتى وقت قريب، على الجزيرة السورية، وربما يسمح بقيام مشاريع انفصالية في الساحل السوري والسويداء -لا قدّر الله- على قياس "إقليمها الديمقراطي"، كما يقول مراقبون، مثلما تتطابق خطابات الشيخ المذكور والبيانات الصادرة عن مجلسه العلوي الأعلى، لناحية التأكيد على وحدة المكوّنات (الأقليات) في مواجهة الدولة السورية.
في الحقيقة، إن هذه الدعوات إلى اللامركزية السياسية والفدرالية، والنظر إلى السوريين كمكوّنات، تتوافق مع مسعى غربي إسرائيلي لاستكمال تقسيم المنطقة، ابتداءً من العراق وصولاً إلى سوريا، ومن ثم إلى تركيا وإيران. وهي دعوات تجد لها أساساً في توجهات قديمة عند برنارد لويس والمنظّر الأميركي الشهير بريجنسكي، اللذان تقدّما قبل عقود إلى الكونغرس الأميركي بمشروع لتقسيم عدد من الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة بلا حكومات فاعلة، من بينها سوريا والسودان وليبيا ومصر، وأرفقا مقترحهما بخريطة توضيحية. واقترح برنارد لويس وقتها تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، كما اقترح تأسيس دولة كردية تضم أجزاءً من أربع دول هي العراق وإيران وسوريا وتركيا. وبدوره، أقرّ الكونغرس الأميركي المشروع سنة 1983.
ماذا لو نجحت هذه الدعوات في سوريا إلى الفدرالية واللامركزية السياسية وخلق كانتونات تبعاً للمكوّنات؟ ستكون كل من هذه الكانتونات حليفاً تابعاً بكليته لإسرائيل، من دون أن تسمح إسرائيل بتحالف أقليات؛ فأي نوع من التنسيق بين الأقليات ممنوع.
تزييف التاريخ كمقدمة لتقسيم المشرق العربي
والحقيقة أن مشروع تقسيم أو تفتيت المشرق العربي أُعدّ له بعناية منذ وقت ليس بالقليل، وفي حقول تبدو بعيدة عن السياسة لكنها تصب في خدمتها. فقد بدأ التمهيد لمشروع تقسيم المنطقة من حقل ثقافي هو علم الآثار والتاريخ، وكذلك من حقل التعليم الجامعي الأوروبي. لذلك لن يكون غريباً أن يرى سياسيو أوروبا ومثقفوها في السوريين والعراقيين مجموعة من القبائل والشعوب والأعراق والمذاهب والطوائف.
يكتب بيير روسي في كتابه الأشهر "مدينة إيزيس: التاريخ الحقيقي للعرب" عن التعليم الجامعي المضلِّل منذ النهضة الأوروبية؛ فمنذ القرن الخامس عشر توقفت البلدان الأوروبية عن الاهتمام بالعرب لكي ينهاروا في الرمل، ولكي ينسحبوا شيئاً فشيئاً إلى حيث يغدون، في نظر الغرب في القرن العشرين، مختصين بالجمل والقبيلة والثأر والبداوة، على حد تعبيره.
ويشير بيير روسي إلى أن هوساً أوروبياً دفع الآثاريين والمؤرخين الذين عملوا في المشرق العربي إلى تمزيق الشعب إلى شعوب أقرباء، كالمؤابيين والعمونيين والعموريين والكنعانيين والآراميين والسوريين، لأن أوروبا كانت معنية بتمييز خصوصيات عرقية أو طائفية بين تلك القبائل والأقوام، تجبر هؤلاء المؤرخين على وضع العبرانيين بينهم، وذلك لتقديم دليل تاريخي على صحة "العهد القديم". وذلك قبل عقود من إعلان بروفسور وعالم آثار إسرائيلي هو إسحاق فنكلشتاين أنه لا دليل أثرياً على صحة مرويات العهد القديم.
إن ما تقدم ينسجم تماماً مع المشروع الإسرائيلي لإعلان دولة يهودية في إسرائيل؛ بحيث يكون من المفهوم تماماً محاولة إسرائيل تمزيق سوريا إلى مكوّنات وكانتونات دينية ومذهبية: كانتون سني، وكانتـون علوي، وكانتـون درزي... إلخ. فعندها لن يستنكر أحد وجود دولة يهودية بنفس القدر الذي تبدو فيه، إلى جوار دولة سورية واحدة مدنية تقوم على عقيدة المواطنة والتوجّه المدني الحديث.
وماذا لو نجحت هذه الدعوات في سوريا إلى الفدرالية واللامركزية السياسية وخلق كانتونات تبعاً للمكوّنات؟ ستكون كل من هذه الكانتونات حليفاً تابعاً بكليته لإسرائيل، من دون أن تسمح إسرائيل بتحالف أقليات؛ فأي نوع من التنسيق بين الأقليات ممنوع، إذ إن إسرائيل لا يمكن أن تسمح لهكذا كيانات كرتونية لا قيمة لها بأي نوع من السيادة أو القيادة أو التخطيط أو التوجيه.
Loading ads...
ومن ناحية ثانية، لو نجح هذا المسعى -وقد نجح بالفعل في تقسيم السودان والعراق- فإن دولاً عربية إضافية ستجد نفسها في مواجهة سيناريو بعث المكوّنات ودعاوى الفدرالية، تقف على رأسها المملكة العربية السعودية ومصر، لا قدّر الله.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




