يطرح الحصار العسكري البحري الأمريكي على مضيق هرمز، والذي تسعى من خلاله واشنطن إلى إحكام الخناق بشكل أكبر على إيران عبر ضرب عائداتها من النفط الذي تبيعه لدول كالهند والصين، تساؤلات حول شرعيته، لكن أيضًا حول أهميته والجدوى منه.
فقد قرر الرئيس دونالد ترامب فرض الحصار الأحد بعد فشل محادثات السلام التي جرت في إسلام آباد مع إيران مطلع الأسبوع في التوصل إلى اتفاق. وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن 10 سفن تم إرجاعها ولم تخترق أي سفينة الحصار منذ بدايته الإثنين.
رغم ذلك، كشفت بيانات شحن أن ناقلة عملاقة ثانية خاضعة لعقوبات أمريكية دخلت الخليج عبر مضيق هرمز. وقالت وكالة أنباء فارس الأربعاء إن ناقلة عملاقة إيرانية خاضعة لعقوبات أمريكية عبرت المضيق متجهة إلى ميناء الإمام الخميني برغم الحصار.
وأظهرت بيانات من مجموعة بورصات لندن وشركة كبلر أن ناقلة النفط العملاقة "آر.إتش.إن" دخلت الخليج الأربعاء. ولم تتضح بعد وجهة الناقلة، التي يمكنها حمل مليوني برميل من النفط. وجاء دخولها بعد يوم من عبور ناقلة النفط الضخمة أليسيا، الخاضعة لعقوبات أمريكية، مضيق هرمز. وتشير بيانات كبلر إلى أن الناقلة أليسيا متجهة إلى العراق. وبحسب بيانات كبلر، لدى الناقلتين سجلات تفيد بنقلهما النفط الإيراني خلال السنوات القليلة الماضية.
من جهة أخرى، ألمحت طهران إلى أنها قد تنظر في السماح للسفن بالإبحار بحرية عبر الجانب العماني من المضيق دون التعرض لهجوم، ضمن مقترحات قدمتها في مفاوضاتها مع واشنطن، شريطة التوصل إلى اتفاق يمنع تجدد الحرب.
إيران: من هو محمد باقر قاليباف الوجه الأبرز لمرحلة ما بعد علي خامنئي؟
ومن المتوقع أن يؤدي الحصار الأمريكي إلى خفض صادرات الجمهورية الإسلامية من النفط الخام، لكن محللين يقولون إن البلد العضو في منظمة أوبك يمكنه الحفاظ على مستوى إنتاجه الحالي عند 3.5 مليون برميل يوميًا لأسابيع من خلال تخزين النفط في خزانات برية. وأظهرت بيانات كبلر أن إيران صدرت 1.84 مليون برميل يوميا من النفط الخام في مارس/آذار، وشحنت 1.71 مليون برميل يوميا منذ بداية أبريل/نيسان، مقارنة مع 1.68 مليون برميل يوميا بالمتوسط في 2025.
ردًا على الحصار الأمريكي، حذّر المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني الأربعاء، من أن بلاده ستغرق السفن الأمريكية في مضيق هرمز إذا قررت واشنطن لعب دور "الشرطي" في الممر المائي الحيوي.
فمع تعطل الصادرات، تواجه طهران احتمال الاضطرار إلى تحويل الخام إلى الخزانات البرية. وبمجرد امتلاء هذه الخزانات، سيتعين عليها خفض إنتاج المنبع. وتقدر شركة الاستشارات "إف.جي.إي نكستانت إي.سي.إيه" أن إيران تمتلك نحو 90 مليون برميل من السعة المتاحة لتخزين الخام على اليابسة، من إجمالي سعة يبلغ نحو 122 مليون برميل.
وقالت الشركة في مذكرة "يمكن لإيران الحفاظ على الإنتاج الحالي البالغ نحو 3.5 مليون برميل يوميا لمدة تقارب شهرين من دون صادرات، مع إمكانية تمديد ذلك إلى نحو ثلاثة أشهر إذا خفضت الإنتاج بشكل محدود بمقدار 500 ألف برميل يوميًا". وأضافت أن المصافي المحلية الإيرانية تكرر نحو مليوني برميل يوميا من النفط.
في ظل هذه المخاطر، هددت إيران الأربعاء بفرض حصار بحري آخر على البحر الأحمر، الذي لا تملك حدودا مباشرة معه، في حال استمرار الحصار الأمريكي على موانئها. وقال قائد القوات المسلحة الإيرانية الجنرال علي عبد الله إن استمرار واشنطن في حصارها البحري و"خلق حالة من عدم اليقين بشأن أمن السفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط"، سيشكل "مقدمة" لخرق وقف إطلاق النار الساري منذ 8 أبريل/نيسان.
لتسليط الضوء أكثر على هذا الموضوع، وفهم جدوى الحصار الأمريكي على إيران وتداعياته والرد الإيراني المحتمل، حاورنا د. جمال الشلبي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الهاشمية في عمان بالأردن.
د جمال الشلبي: أعتقد أن الحصار الأمريكي على مضيق هرمز ليس هدفًا بحد ذاته، بل هو وسيلة اقتصادية الهدف منها خنق الاقتصاد الإيراني، والعمل على عدم قدرة إيران على تمويل آلتها العسكرية والاجتماعية من خلال النفط، الذي كانت تبيعه لبعض الدول مثل الهند والصين. لذلك، فإن هذه الوسيلة التي تعتمد على الآلة العسكرية، تمنح الولايات المتحدة اليوم القدرة على فرض قيودها ورقابتها على كل السفن القادمة والمتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو إلى الخارج.
لكن الشيء الذي يغيب عن بال القيادة والإدارة الأمريكية، هو أن لإيران منافذ أخرى، برية: عبر تركيا، العراق، أذربيجان، وعبر الشمال. ومن ثمة، لا أعتقد أن يكون لهذا الحصار جدوى اقتصادية تؤثر على القرار السياسي، كما أن إيران تدرك أن لا أحد يستطيع أن يوقف رغبتها وقدرتها على التعاطي مع الملف الأمريكي، بمعنى آخر، فبغض النظر عن الثمن والتكلفة الاقتصادية، يبقى لدى إيران هدف سياسي أكبر وأهم من الموضوع الاقتصادي، وعليه، لا يمكن أن تحقق أمريكا أي مكاسب من خلال حصارها لمضيق هرمز من هذا الجانب، وأية نتائج محتملة ستبقى بسيطة ولا تؤثر على بنية الاقتصاد الإيراني المتهالك أصلاً منذ أكثر من عشرين عامًا، إضافة إلى أن فرض العقوبات عبر مضيق هرمز لا يشكل خطرًا وتأثيرًا حقيقيًا حتى من خلال الآلة العسكرية الأمريكية التي تحاصر إيران.
تم التغاضي عن دخول سفن بعض الدول إلى الموانئ الإيرانية، إما لأن أمريكا لا تريد الإضرار مباشرة بتلك الدول، وخاصة القوية منها وأقصد الصين، التي لديها مصالح عميقة مع الولايات المتحدة، وهو ما حدث قبل يومين، كما قد يحدث ذلك مع الهند التي أصبحت تشكل جزءًا مهمًا من الترسانة الغربية فيما يتعلق بالتحالفات العسكرية والسياسية سواءً عبر مجموعة العشرين، أو من خلال تحالف أوكوس الذي يجمع أستراليا وبريطانيا وأمريكا والهند. وبالتالي، يعتمد مرور تلك الناقلات على طبيعة العلاقة الأمريكية مع تلك الدول والقدرات التي تملكها هذه الأخيرة. أعتقد أنه لا يمكن أن تفشل الرقابة الأمريكية على مضيق هرمز، بل إن هناك تنسيقًا بين أمريكا وسفن الدول التي تخرج من الموانئ الإيرانية، وقد يكون هناك أصلاً تنسيق إيراني أمريكي مع الطرف الثالث، قد يأتي ذلك في إطار إبداء شكل من أشكال المرونة والنوايا الحسنة، للتمهيد لمرحلة ثانية من مفاوضات إسلام آباد.
البيت الأبيض يبحث جولة مفاوضات ثانية مع إيران وسط إغلاق هرمز وتصعيد في لبنان
كما قد يكون الأمر يتعلق بوجود ضوء أخضر أمريكي لمرور سفن بعض الدول، من أجل إثبات واشنطن أنها صاحبة القرار، والإيحاء لإيران بأنها مستعدة للتفاعل بشكل إيجابي معها في إطار المفاوضات، وثالثًا وهو الأهم: حتى لا يضغط الحصار الأمريكي على الاقتصاد العالمي ويصبح الرأي العام الدولي مناهضا لهذه الخطوة، التي تبقى غير شرعية ولا قانونية بحسب اتفاقية البحار لعام 1982 الذي لم توقعه الولايات المتحدة.
لا أعتقد أن هناك خللاً، رغم أن البعض يقول إن هناك إشكاليات في معرفة طبيعة السفن التي تعبر وإن كانت مثلاً عبارة عن غواصات أو ناقلات وما إلى ذلك، ومن ثمة القيام بتفتيشها بشكل دقيق. إذًا، فهناك صعوبة تقنية في هذا المجال، لكنني أميل إلى وجود تنسيق سياسي بين مختلف الأطراف المعنية.
لا شك في أن لإيران ورقة مهمة هي باب المندب، الذي يسيطر عليه أحد أذرعها بالمنطقة والذين شاركوها حرب الإثني عشر يومًا في عام 2025، وهم بكل تأكيد ينتظرون إشارتها للدخول إلى الحرب الجارية. لكن يبدو لي أن إيران تتروى قليلا لكي ترى إلى أين تسير الأمور، يعني ذلك أنها تريد أن تبقي ورقة ضغط كبيرة في مفاوضاتها القادمة المحتملة كما نقلت وسائل إعلام أو إسلام آباد رقم 2.
Loading ads...
يبقى أن احتمال استخدام هذه الورقة مطروح، كلما تصاعدت الضغوطات على إيران سواءً على المستوى العسكري أو الاقتصادي، وبالتأكيد، فلو حدث ذلك، فسيؤدي إلى تصعيد كبير على مستوى الاقتصاد العالمي، حيث لن تكفي العشرين بالمئة التي تمر عبر مضيق هرمز بل ربما قد يصل التأثير إلى نطاق السلع وليس فقط النفط، خصوصا البضائع الواردة إلى دول الخليج وبخاصة الكويت والإمارات وقطر والسعودية. ومن ثمة، فإن هذه الورقة قد تستخدم من الجانب الإيراني حسب تطورات المفاوضات والأفق السياسي والعسكري الذي يمس المنطقة في هذه المرحلة. ويبقى دخول الحوثيين إلى جانب الجمهورية الإسلامية في هذا الصراع واردًا لكن لا يبدو أن أوان ذلك قد حان بعد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

رينارد يعلن رسميا رحيله عن تدريب المنتخب السعودي
منذ ثانية واحدة
0

مصر.. الأمن يقتل أخطر 9 تجار مخدرات في البلاد
منذ دقيقة واحدة
0



