2 أيام
"غاردينيا" و"لافندر"… لعلّ كل العطور الفوّاحة تولد من نقيضها - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

تقلع طائرتها عند الساعة التاسعة مساءً، إذاً ستنطلق إلى المطار عند الساعة السادسة على أبعد تقدير. تفضل أختي الوصول قبل ساعتين ونصف ساعة على الأقل. نظرت إلى الساعة في هاتفي، لا تزال الثالثة بعد الظهر. عليّ إنهاء عملي سريعاً حتى أستطيع الوصول إلى بيت العائلة وتوديعها.
لسبب ما، شعرت أنّ هذه المرّة قد يطول لقاؤنا. تاريخي في توديعها مليء بالخيبات. أوّل مرّة سافرت نور مع زوجها للعيش في السعوديّة، حاولت توديعها في المطار، لكن في الطريق تعطّلت السيارة، فلم ألحق مراسم الوداع.
أردت أن أرمي الحاسوب وأذهب، لكن بين يديّ لائحة طويلة بفنّانين وفنّانات في دولة بدأت فيها حرب أهليّة، وكل ثانية تأخير في إنهاء الملفات الإداريّة وتجهيزها قد تودي بحياة أحد ما. كان أمامي ساعتان لإنهاء مئة وخمسة وسبعين ملفاً حتى تستلمها المؤسسة المانحة، وتبدأ في تحويل المساعدات الماليّة. زميلتي في المكتب، أمامي أيضاً، غارقة في ملفّات أخرى، وبين الحين والآخر، تبحر بأناملها على طاولة مكتبها، بحثاً عن بعض زهور اللافندر التي سرقتها من باحة بيت جدّها، تضعها أمام وجهها، تغلق عينيها، تأخذ نفساً طويلاً، ثم تضع الزهور جانباً وتكمل القراءة بتمعّن.
تمنيّت لو على مكتبي الآن بعض زهور الغاردينيا، ففي طفولتي، كنت أحبّ المغامرات والركض بين الأشجار والمساحات المفتوحة. كان بيت خالتي يشبه خيال الحريّة المطلقة، بيت جبلي بين الأشجار، ومساحة كنت أقصدها للتنزّه بين الأزهار والأغصان. مشاعر غريبة وجيّاشة مرتبطة بذلك المكان، خصوصاً تجاه شتلات الغاردينيا، فكلما وصلت إلى بيت خالتي، ركضت لأشتّمها وأسرق واحدة لأستمتع برائحتها، بينما أزور وأحيّي كلّ أخضر اللون.
ربما لذلك كنت مصرّاً على اسم "غاردينيا" عندما اقترحته نور لابنتها الثانية، وبالفعل وقع خيارها على اسم "غاردينيا".
أنا لا أفضّل فترة الصباح، فأغلب الصدمات والأخبار المزعجة في حياتي تلقّيتها في الصباح الباكر.
قبل سنة، نائماً وغارقاً في أحلامي، تدخل أمّي غرفتي، توقظني بحالة هستيريّة والدموع في عينيها، وتخبرني بصوتٍ يرتجف: "قوم، قوم بدي قلك شو صار مع نور"، وقبل أن أجد توازني وأجلس بإحكام في سريري، صفعتني بجملة سريعة: "غاردينيا طلع معها سرطان".
معدّل تسجيل حالات السرطان في لبنان هو نحو 15,641 حالة جديدة سنوياً، بحسب وزارة الصحة اللبنانية بين عامي 2021 و2024، وخلال هذه السنوات الأربع وحدها سُجّلت 710 حالات سرطان لدى أطفال دون سن الخامسة عشرة.
في أبحاثي دائماً أبتعد عن البيانات الكميّة، رغم أهميّة هذا النوع من الداتا، إلا أن طبيعة أسئلتي البحثيّة تجد أجوبتها في التجربة الكليّة. البيانات النوعيّة وحدها قادرة على استحضار المخاض الفعلي ورسم خريطة تعامل الأفراد مع واقعهم المعاش.
"رقمنة" السرطان تلغي واقع التجربة وتحدّياتها. السرطان لا يصيب الفرد فقط، بل شبكة العلاقات الكاملة التي تحتوي هذا الفرد. فعلياً، السرطان يصيب العائلة بأكملها، المرض يتركّز في جسد شخص واحد، صحيح، لكنه يتشعّب نحو يوميّات كلّ المحيط، خصوصاً عندما يصيب السرطان طفلة في أعوامها الثلاثة الأولى.
لا أزال في المكتب، عليّ أن أعاود التركيز على الملفّات أمامي. أنا لست ممّن يراكم العمل حتى آخر لحظة. أخبرتني عن هذه الحالات مديرتي اليوم، وعندما سألتها عن موعد التسليم قالت: "البارحة". لا بأس، رسالة استقالتي جاهزة منذ أسبوع. ملف تلو ملف، أنهي التجهيزات، أملأ التفاصيل الناقصة، حتى وصلت إلى الملف الأخير. القليل من الحريق في عيوني، نسيت أن أرمش لبضع دقائق، لكن بالفعل أنهيت الملفّ الأخير. وقفت بسرعة، أغلقت الحاسوب مبتسماً، نظرت إلى الساعة في هاتفي بلهفة، لكن هبطت جالساً وعابساً. الساعة الآن قاربت السابعة، لقد غادروا بالفعل.
رمقتني زميلتي بنظرات استغراب، هي أيضاً عالقة مثلي بعد الدوام الرسمي، نحاول بشغف إنهاء ما أُلقي على عاتقنا من مهام. أخبرتها عن سبب انزعاجي، فطلبت مني أن أرافقها إلى شرفة المكتب، وأن ندخّن سيجارة سويّة ونفضفض قليلاً.
تحدّثنا أولاً عن الحالات التي كنّا نعمل على إنجازها اليوم. ربّما اعتدنا قليلاً القصص المأسويّة في هذه الملفّات، لكن بعض التفاصيل لا تزال صعبة الهضم.
في الحروب تحديداً، الكثير من الأحداث تزعزع إيماننا بالإنسانيّة. كنّا سويّة نحاول دوماً أن نصنع من الوقت الضيّق ساعة على الأقل لمواجهة مشاعرنا تجاه الحالات، فكلانا لم يرغب في أن يخسر القدرة على الشعور بالآخر، وفي الوقت نفسه ملتزم بتحليل الحالات بشكل تقنيّ سليم.
أعرف تحديداً لماذا كانت، بين الحالة والحالة، تبحث عن اللافندر، لكن أردت أن أسمع منها، فسألتها: "لماذا تحبين اللافندر لهذه الدرجة؟"، فأجابتني: "لا أعرف تحديداً، منذ الطفولة أحبّ رائحتها".
لا أعتقد أن علاقاتنا مع الأشياء والحياة من حولنا مبنيّة على المصادفة، وأعرف لماذا لن تستطيع الإجابة بإدراك كامل من السؤال الأوّل، فما أصبو إليه بسؤالي أعمق من ذاكرة بسيطة، بل مجموعة من الصور المدفونة بين طيّات التجارب، ورغبتي في المساءلة هي فعلاً نوع من الأنانيّة، فأنا أدركت سبب تعلّقي بالغاردينيا، وأردت التأكّد.
فسألتها مرّة أخرى: "وأين أوّل مرّة اكتشفتِ رائحة اللافندر؟ صفي لي المكان"، فوصفت لي منزل جدّها الذي لم تستطع يوماً أن تبني علاقة سليمة معه، فقد كان رجلاً غاضباً وعنيفاً في أغلب الأحيان.
حول البيت حديقة مليئة باللافندر، وعندما تقصد منزل جدّها مع عائلتها، كانت تجالس الزهور، وربّما أهم ما قالته هو: "كنت أسرق هذه الزهور وأضعها في حقيبتي. في الحقيقة، كنت أشعر بأنّ عليّ سرقتها من البستان. في عقلي كنت أحاول أن أحمي هذه الزهور من المكان الذي لا يستحقّها".
أتذكّر بياض الغاردينيا، أعلم اليوم رمزيّة الزهور في بلورة صفة البراءة. كنت أسرقها أيضاً من المكان. أخرجت عنوةً من اللاوعي رمزيّة الغاردينيا، وساءلت الزهرة من خلال زميلتي. فالمكان الذي اكتشفت فيه عطر الغاردينيا هو نفسه المكان الذي خسرت فيه الكثير من براءتي.
الرغبة في الحفاظ على هذه البراءة لبست شكل الزهرة التي كانت أمامي، والتي هي أصلاً، ثقافياً، رمز النقاء والصفاء.
بينما كان جسدي يتّسخ ويُستغلّ، كانت الزهرة المهرب الوحيد. أردت أن أهدي زميلتي هذه المعرفة البسيطة من باب الصداقة، وأخبرها أنّها ليست وحدها. لقد كانت تمسك اللافندر كلّما زاد العنف في الحالات التي كانت تراجعها، فكانت الرائحة مرساة البراءة التي كانت تتوه بين صفحات الملفّات.
الذاكرة والهروب في الأغراض عندما يستحيل هروب الجسد، فعل طبيعي يدفعنا إلى مساءلة ما نحب: لماذا نحبّ ما نحبّه؟ ربّما تبدو معالجة ما يعطينا الأمان كرمزيّة على وجود ما يخيفنا سوداويّة، لكن كما يوحي عنوان كتاب "لا شيء أسود بالكامل"، للكاتبة عزّة طويل، فالعكس صحيح. ما يهدّد أماننا يدفعنا أيضاً إلى رسم صوريّات الأمان.
أنا لا أزال في المكتب، الساعة قاربت الثامنة مساءً. أنهيت كلّ مهامي، أشعر بالذنب، لم أستطع أن أودّع أختي و"غاردينيا"، لكن رأيتهما قبل يومين.
شعر "غاردينيا" بدأ ينمو من جديد بعد جلسات العلاج الطويلة، كما في حلقي بدأت التجارب تنمو وتجد مفرداتها، وليست كلّ المفردات كلمات. "غاردينيا" نور، كما "غاردينيا" خيالي، ستكبران وترتسمان كما تبتغيان، وسنلتقي طبعاً بعد عام.
في مشهد من فيلم "Life of Pi"، حين سأل بطل الفيلم إحدى الراقصات عن معنى بعض الحركات التي كانت تستخدمها على خشبة المسرح، وأخبرته أن الحركة تعني "زهرة اللوتس المختبئة في الغابة".
ما كان فريداً في هذا المشهد، أولًا، من الناحية الثقافية، وجود معانٍ متمثّلة بحركات معيّنة، مفهومة من المشاهدين، تعبّر عن معانٍ لا تصلها الكلمات أحياناً، وثانياً، البحث المستمر عن مفردات أوسع من النطق، في الحركات الجسديّة، وفي التركيز الواعي، وأحياناً غير الواعي، على الصوريّات وبناء المعاني، كما زهورنا المختبئة في الغابات.
كيف نقول ما لا يُقال؟ لكن بينما نبحث عن أدوات التعبير، لعلّ من يقرأ كل ما كُتب أعلاه أن يرى أنانيّتي في سؤالي التالي: "ما هي زهرتك المفضّلة، ولماذا؟"
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





