شهر واحد
هجمات "داعش" في سوريا.. تصعيد محسوب في بيئة إقليمية متحولة
الخميس، 25 يونيو 2026
خلال هذا العام، شهدت سوريا موجة ثانية من نشاط تنظيم "داعش"، بعد سلسلة هجمات طاولت أهدافاً تابعة للحكومة والبنية التحتية والسياسية. فخلال الأسبوع الماضي لوحده، شنّ التنظيم ما لا يقل عن أربع هجمات استهدفت حافلات تنقل جنوداً تابعين لوزارة الدفاع، وصهاريج نفط وشاحنات تجارية، ومقار قيادية عسكرية إقليمية، بل حتى شخصيات سياسية منها قضاة.
كما وقعت هجمات أخرى خلال هذا الشهر استهدفت نقاط تفتيش أمنية قريبة من حقول النفط، بالتوازي مع رسائل من قيادة التنظيم تدعو إلى إخراج النفوذ الأميركي من سوريا، وذلك بالتزامن مع استكمال الولايات المتحدة لانسحابها من البلاد، ووضعها لخطط مماثلة للانسحاب من العراق بنهاية عام 2026.
ومع الانسحاب العسكري الأميركي، غادرت بعثات بناء القدرات والبعثات الاستشارية مثل بعثة الناتو في العراق. لذا، إن تمكنت حكومات دول المنطقة من الحفاظ وبشكل سريع على زخم ونطاق العمليات السابقة لمكافحة الإرهاب، عندئذ، قد يستغل تنظيم الدولة أي ثغرة أمنية جديدة.
يرى المحللون بأن نشاط تنظيم "داعش" في سوريا والعراق قد وصل إلى أخفض مستوى له منذ نشأته، حتى بعد تصاعد نشاطه مؤخراً، إذ لا يمكن مقارنة نسبة الهجمات في عام 2026 بالهجمات التي نفذت خلال منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، أي عندما سيطر التنظيم على مساحات شاسعة في سوريا والعراق، وصار يستقطب أعداداً كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين وصلوا إلى بلاد الشام، فأصبح بذلك قادراً على تنفيذ هجمات معقدة على مستوى المجتمع الدولي، كما أدار اقتصاداً سياسياً بديلاً خاصاً به. وحتى بعد هزيمته في المنطقة عقب عام 2017، فإن عدد هجمات التنظيم في عام 2026 يظل أقل بكثير من موجات التصعيد المسجلة في عامي 2023 و2024.
ومع ذلك، فإن عدد الهجمات والمخططات لا يمثل إلا جانباً واحد من الصورة؛ إذ إن تحليل تكتيكات التنظيم وأهدافه يُظهر تحولاً في أسلوب العمل يتماشى مع الظروف المتغيرة في سوريا، ضمن سياق من التصعيد الإقليمي، وهذا ما دفع المحلل آرون زيلين من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى القول إن نشاط التنظيم لا يجوز أن يختصر بين حالة القضاء عليه أو عودته بقوه، لأن هذا النشاط يقع في منزلة ضمن هاتين المنزلتين، ويشرح ذلك بقوله: "على الناس التريث قبل القول إن التنظيم قد قضي عليه تماماً، إذ لابد وضع الأمر في سياقه التاريخي، لأن التنظيم وصل إلى أشد مرحلة من الضعف منذ أن دخل إلى سوريا في عام 2013. وفي الوقت نفسه، هناك أسئلة بقيت بلا جواب، وبالتالي نحتاج إلى شيء من التواضع عند تقييم مستوى التهديد الحالي".
تطوّرت طبيعة نشاط تنظيم "داعش" مع تغيّر الظروف الأمنية والجيوسياسية بشكل كبير في بلاد الشام والشرق الأوسط، ولكن في الوقت نفسه، ظهرت أمامه فرص وعوائق جديدة، فالانهيار المفاجئ لنظام الأسد في سوريا وظهور إدارة جديدة تضم في معظمها مقاتلين كانوا تابعين لهيئة تحرير الشام، كل ذلك فتح ثغرات جديدة في المشهد الأمني السوري بوسع التنظيم استغلالها. وقد أدى ذلك إلى تغيير التنظيم لأساليبه في الاستهداف، إذ انتقل من الكمائن التي ينصبها للحواجز ودوريات التحالف الدولي والتي كانت موجودة في شمال شرقي سوريا، إلى حملة أوسع جغرافياً، تستهدف الأقليات، والشخصيات السياسية المحلية والوطنية، إضافة إلى ضرب أهداف تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، والتي تمثل نقاط توتر في المشهد الأمني الهش في سوريا.
نفذ تنظيم الدولة هجماته الأخيرة في سوريا ليحقق هدفين رئيسيين، أولهما: إضعاف قوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة في المناطق المتنازع عليها مثل الشمال الشرقي، في ظل قيام الدولة السورية بدمج وحدات سابقة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وسعيها إلى ترسيخ قيادتها وسيطرتها على البلد. أما الهدف الثاني فيتمثل بتقويض الثقة المحلية والدولية بالإدارة الجديدة، عبر نشر حالة من انعدام الأمن والفوضى والرعب، بما يضعف العقد الاجتماعي بين الإدارة والمواطنين، ويخيف الاستثمارات الأجنبية، ويضعف الثقة بتحول سوريا إلى بديل بري عن مضيق هرمز، إلى جانب إضعاف الأمن في البلد بما يسمح للتنظيم بالسيطرة من جديد على الأرض في الميدان.
مع قيام الحكومة الجديدة بتثبيت القيادة والسيطرة على وحدات جديدة وأراضٍ متنازع عليها ومجتمعات تشكك بإمكاناتها، ظهرت أمام تنظيم الدولة فرصة لاستغلال مظالم مختلف المجتمعات إلى أقصى الحدود، وخاصة المقاتلين المتشددين السابقين في هيئة تحرير الشام الذين يشعرون بالإحباط من الإصلاحات التي أجرتها الحكومة الجديدة وأبدت من خلالها انفتاحاً واعتدالاً أكبر، بما يتعارض مع الأجندة السلفية لهؤلاء المقاتلين. ورغم أن الإدارة الجديدة أعلنت التزامها بمحاربة تنظيم الدولة، وتعاونت مع دول مجاورة مثل تركيا لتنفيذ اعتقالات وإحباط مخططات، إضافة إلى انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة هذا التنظيم في تشرين الثاني من عام 2025، فإن قدراتها وإمكاناتها في هذا المضمار ماتزال قيد التطوير.
في أحدث تقرير صادر عن مكتب المفتش العام الأميركي بشأن عملية العزم الصلب في كل من العراق وسوريا، ثمة إشارة واضحة إلى أن قدرات الإدارة الجديدة في مجال مكافحة الإرهاب بحاجة إلى وقت، وهي قد تحتاج إلى سنوات من بناء الجسور مع العشائر المحلية والمصادر على الأرض بما يحسن قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية البشرية، وتطوير بروتوكولات أمنية مناسبة فيما تبقى من مراكز احتجاز لعناصر تنظيم الدولة، مع التركيز على محاربة التنظيم في ظل تحديات داخلية عديدة خلال مرحلة السعي لبناء مؤسسات الدولة.
أما في العراق، فقد أكدت الحكومة الأميركية وقوات الأمن العراقية بأن تنظيم الدولة لم يعد قادراً على تنظيم صفوفه من جديد، والإمكانات التي يتمتع بها في العراق أقل بكثير من تلك التي يمتلكها في مناطق سيطرته بسوريا مثل دير الزور والحسكة ودمشق وحلب، كما أفاد التقرير الأخير لمكتب المفتش العام لعملية العزم الصلب بأن المحتجزين حالياً من عناصر التنظيم في السجون العراقية، على الرغم من اكتظاظها وحاجتها إلى دعم خارجي، يعبر وجودهم عن استمرار الارتباط الأيديولوجي بالتنظيم، لكنهم يفتقرون إلى التنظيم الكافي لتنفيذ عملية هروب جماعية والعودة لترتيب صفوف التنظيم. ومع ذلك، مايزال هناك تخوف من حدوث أي محاولة هروب ولو على نطاق محدود، لأن ذلك يمكن أن يسهم في تجنيد عناصر جدد بما يرفع مستوى التهديد في كل من العراق وسوريا.
خلال مرحلة تصعيد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في آذار، شنت ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران ضربات قرب سجن الكرخ في بغداد، والذي يضم الآلاف من معتقلي تنظيم الدولة الذين نُقلوا من سوريا حديثاً، ما يسلط الضوء على هشاشة نظم الاحتجاز هذه. وفي 21 حزيران، أعلنت قيادة العمليات المشتركة في العراق عن موجة جديدة من الضربات استهدفت مخابئ "داعش" في بادية محافظة الأنباء، ما يعكس استمرار وجود التنظيم في المنطقة على الرغم من تشتت عناصره.
وبالنظر إلى تطور أسلوب عمل تنظيم الدولة، فإن الولايات المتحدة حققت تقدماً واضحاً عبر تخطيطها للانسحاب من العراق وسوريا، حيث أكملت انسحابها من شمال شرقي سوريا خلال فصل الربيع من هذا العام، وأعلنت عن خطط للانسحاب الكامل من العراق بنهاية السنة. ومع ذلك، ورغم اقتراب هذا الانسحاب، يواصل تنظيم الدولة الدعوة إلى إنهاء الوجود الأميركي بالكامل من خلال البيانات العامة التي يصدرها، وهو من خلال ذلك يشير على الأرجح إلى تعاون الحكومة السورية الجديدة مع الولايات المتحدة عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، والسماح للأميركيين بإقامة مركز عمليات مشترك في دمشق. ومع انتقال الولايات المتحدة إلى نمط تقاسم الأعباء مع الحكومة السورية، لابد أن يسعى تنظيم الدولة إلى استغلال أي ثغرة أمنية، سواء القديمة منها أو الجديدة، مع إعادة توجيه أهدافه وتكتيكاته بما يتناسب مع الواقع السياسي والأمني الجديد.
Loading ads...
المصدر: The Soufan Center
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

