في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، يبرز سؤال محوري حول سبب توجيه طهران ضرباتها إلى دول الخليج العربي بالتزامن مع الهجمات على العمق الإسرائيلي.
فبينما كانت الأنظار متجهة نحو تل أبيب، فوجئت عواصم خليجية بسقوط صواريخ باليستية ومسيّرات على أراضيها، مستهدفة مطارات ومواقع مختلفة في الإمارات والبحرين والكويت وعُمان، مما أثار تساؤلات حول المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذا التحرك الذي يوسع رقعة الصراع ليشمل جيران إيران.
يبدو أن طهران لم تستخدم هجماتها كفعل انتقامي عشوائي أو تخبط عسكري، بل هي نتاج استراتيجية عميقة ومدروسة تهدف إلى قلب الطاولة على الحسابات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
في إطار ذلك تقدم الباحثة في العلاقات الدولية رنا خالد، تحليل معمق لهذه الإشكالية، وقراءة للأسباب الكامنة وراء الخيار الإيراني، مؤكدة أن ما جرى ليس استهدافًا عشوائيًا أو هامشيًا، بل يعكس استراتيجية مدروسة بعناية تقوم على أسس تكتيكية وعقائدية راسخة في الفكر العسكري للحرس الثوري الإيراني.
وتحدد خالد وفق تغريدة لها عبر منصة إكس، أربعة أبعاد رئيسية لفهم هذه العملية، تبدأ من المستوى التكتيكي الميداني وصولًا إلى الرؤية الاستراتيجية الكبرى لطهران.
تكتيك الإشباع وإرباك الدفاعات
على المستوى التكتيكي، تشير الباحثة إلى أن تزامن الضربات على الخليج مع الهجمات على إسرائيل يرتكز على تكتيك عسكري يُعرف باسم “تكتيك الإشباع” أو “هجوم الإشباع”، موضحة أنه ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية للحرس الثوري لمواجهة التفوق التكنولوجي الأميركي في المنطقة.
الهدف الأساسي من هذا التكتيك هو إرباك منظومات الدفاع الجوية الأميركية المنتشرة في الخليج، عبر إغراقها بأهداف متعددة في وقت واحد، مما يضعف قدرتها على التصدي للصواريخ الإيرانية المتجهة إلى تل أبيب، مشيرة إلى أن استهداف القواعد الأميركية والمنشآت الحيوية في الخليج بالتزامن مع الضربات على إسرائيل يهدف إلى تشتيت جهاز الدفاع الجوي وتقليل الضغط على الصواريخ الإيرانية، لضمان وصول أكبر عدد منها إلى أهدافها الرئيسية في العمق الإسرائيلي.
الباحثة في العلاقات الدولية رنا خالد
أما على المستوى الاستراتيجي، فترى خالد أن إيران اختارت أن تكون أولى خطواتها في هذه المواجهة هي جعل الإقليم العربي بأكمله يعيش في رعب الحرب، حتى وإن لم يكن طرفًا فيها، واصفة ذلك بـ”استراتيجية الفخ العكسي”، التي تقوم على جر دول الخليج إلى حرب لم تكن طرفًا فيها، بهدف تشكيل جبهة من الدول المتضررة من صراع اتخذته الولايات المتحدة بشكل منفرد.
بحسب هذا المنطق، أوضحت أن الضغط الشعبي والرسمي في هذه الدول سيتجه نحو إدارة الرئيس ترامب، إما للمطالبة بتقصير المدة الزمنية للحرب وإنهائها سريعًا، أو لتحميل واشنطن مسؤولية الدفاع عن هذه الدول وحمايتها من تداعيات الصراع، مشيرة إلى أن هذا بدوره أن يزيد العبء على الولايات المتحدة ويضيق خياراتها العسكرية.
وتضيف خالد أن الاستراتيجية الإيرانية الأوسع تقوم على تحويل المنطقة بأكملها إلى ساحة حرب، بحيث تصبح المواجهة بمثابة “كرة نار تتدحرج في كل الاتجاهات وتحرق الجميع”.
الهدف النهائي، وفقًا للباحثة، هو جعل تكلفة أي حرب أميركية على إيران “باهظة جدًا” وغير مضمونة النتائج، في إطار ما يُعرف عسكريًا باستراتيجية “حرمان الوصول” A2/AD، حيث يتم تحويل المنطقة إلى بيئة عالية المخاطر تمنع الخصم من العمل بحرية، وتجبره على دفع ثمن باهظ مقابل أي تحرك عسكري.
وتخلص خالد في قراءتها إلى أن هذه الطريقة في التفكير والتحرك تعكس بوضوح أن المخطط الاستراتيجي الحقيقي وراء هذه العمليات هو الحرس الثوري الإيراني، بفكره وأدواته وعقيدته القتالية، وليس إيران الدولة بمؤسساتها التقليدية.
هيمنة الحرس الثوري على القرار
تحذر خالد من أن إيران الدولة كما نعرفها قد تختفي تدريجيًا مع تمدد رقعة الحرب، لتحل محلها القيادات المتشددة من الحرس الثوري القديم، أو الأجيال الجديدة منه، ولا سيما القادة الذين تم تعيينهم من قبل المرشد الراحل علي خامنئي خلال حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي.
وقالت إن هؤلاء القادة، الذين باتوا اليوم يمسكون بزمام القرار في واحدة من أكثر المراحل دقة وتعقيدًا في تاريخ المنطقة، يدفعون باتجاه منطق المواجهة الشاملة الذي لا يعترف بالحدود ولا يأبه بتدويل الصراع، واضعين المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.
يشار إلى دول الخليج شهدت سلسلة جديدة من الهجمات الإيرانية اليوم الأحد، استهدفت مواقع ومنشآت في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان، عقب الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران.
Loading ads...
وقال الحرس الثوري الإيراني إنه استهدف 27 قاعدة أميركية بالمنطقة إلى جانب إسرائيل، في موجة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






