Loading ads...
ديزموند لاكمان*لم يكن قرار المحكمة العليا الأمريكية إبطال جزء كبير من زيادات الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب خبراً سيئاً بالكامل بالنسبة للرئيس، بل حمل في طياته مفارقة واضحة: الشق السيئ من الحكم هو أنه يوجّه ضربة قوية لجزء أساسي من برنامج ترامب الاقتصادي، ويزيد من تفاقم الوضع المالي المتردي أصلاً. أما الجانب الإيجابي، فيكمن في أنه يمنحه مخرجاً من سياسات جمركية غير تقليدية لم تُحقق ما وعدت به. خلال العام الماضي، رفع ترامب الرسوم الجمركية الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ قرن تقريباً. وكان الهدف المعلن تقليص العجز التجاري المتفاقم، وإنعاش الصناعة المحلية، وخلق وظائف في قطاع التصنيع. ولتمرير نحو ثلثي تلك الزيادات، استند إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، معتبراً أن الظروف تبرر اللجوء إلى سلطات استثنائية.لكن المحكمة العليا الأمريكية رأت أن الرئيس تجاوز صلاحياته، وأن فرض ما هو في جوهره «ضريبة» جديدة يتطلب تفويضاً صريحاً من الكونغرس. بذلك، لم يقتصر الحكم على الجانب القانوني، بل حمل أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة.بعد عام تقريباً على بدء السياسة الجمركية الهجومية، يصعب تجاهل حقيقة أنها لم تحقق النتائج الموعودة.لنبدأ بالعجز التجاري. فبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، بقي عجز الولايات المتحدة في تجارة السلع والخدمات عند نحو 900 مليار دولار في 2025، أي دون تغيير يُذكر مقارنة بعام 2024. وهذا بعيد كل البعد عن تعهد ترامب بالقضاء على العجز.والواقع أن استمرار العجز لم يكن مفاجئاً. فهو، خلافاً للتصورات الشعبوية، يعكس ببساطة أن البلاد تنفق على الاستهلاك والاستثمار أكثر مما تنتج. وهذا لا يتغير بارتفاع أو انخفاض الرسوم الجمركية. ومع استمرار الإدارة المالية العامة بنمط إنفاق توسعي، من الطبيعي أن يبقى الإنفاق متقدماً على الإنتاج. ووفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، بلغ عجز الموازنة قرابة 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وهو مستوى مماثل تقريباً للعام السابق، بل إن المكتب يتوقع بقاء العجز فوق 6% خلال العقد المقبل ما لم تُجرَ تغييرات جوهرية في السياسات. في مثل هذا السياق، كيف يمكن التعويل على الرسوم الجمركية لتقليص العجز التجاري؟إذا لم تُقلّص الرسوم العجز التجاري، فهي أيضاً لم تُسهم في إعادة وظائف التصنيع إلى الداخل كما وعد ترامب. فخلال العام الجاري، خسر الاقتصاد الأمريكي نحو 50 ألف وظيفة صناعية، فيما ظل الإنتاج الصناعي شبه راكد. والأسوأ أن تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأخير أظهر تباطؤاً في النمو خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفع معدل البطالة من 4% في بداية الولاية الثانية لترامب إلى 4.3% حالياً.إذن الرسالة واضحة، رسوم لم تُطلق نهضة صناعية، ولم تُعد «الوظائف الضائعة» كما بُشّر الناخبون.إلى ذلك، ادّعى ترامب أن الأجانب سيدفعون ثمن الرسوم. لكن الواقع كشف عن أن العبء وقع في معظمه على كاهل الأمريكيين أنفسهم. فدراسة حديثة أيضاً للاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أن الأسر والشركات الأمريكية تتحمل نحو 92% من كلفة زيادات الرسوم. وبدلاً من انخفاض الأسعار كما وُعد الناخبون خلال الحملة الانتخابية، ظل التضخم عند نحو 3%، وهو تقريباً المستوى ذاته الذي كان سائداً عند بداية الولاية الثانية.وهذا يعني أن الرسوم لم تُخفّف الضغوط المعيشية، بل أسهمت في إبقائها مرتفعة، ما يفاقم أزمة القدرة الشرائية.قرار المحكمة لا يوجّه ضربة سياسية فحسب، بل يخلق أيضاً صداعاً مالياً لإدارة ترامب. فإلى جانب خسارة مصدر إيرادات مهم مستقبلاً، سيتعين على الحكومة إعادة ما بين 100 و150 مليار دولار للشركات عن رسوم جُمعت بغير وجه قانوني. وتقدّر لجنة السياسات من أجل موازنة مسؤولة أن الحكم قد يُكلّف الخزانة نحو تريليوني دولار من الإيرادات المفقودة خلال العقد المقبل.وهنا يعود السؤال: كيف ستموّل الحكومة عجزها المتفاقم من دون إشعال مزيد من الضغوط التضخمية؟يمنح الحكم القضائي ترامب فرصة لإعادة النظر في سياسة جمركية غير تقليدية لم تحقق أهدافها. غير أن رد فعله الغاضب يوحي بأنه قد يسعى إلى الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، لإعادة فرض قيود مشابهة.المشكلة لا تكمن في الدفاع عن الصناعة الوطنية بحد ذاته، بل في الإصرار على سياسة أثبتت محدوديتها، مع تجاهل معطيات الاقتصاد الكلي والحقائق المالية. وإذا استمر هذا النهج، فإن الثمن لن يكون سياسياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً. والولايات المتحدة، لا خصومها التجاريون، من سيدفع الفاتورة في نهاية المطاف.* زميل في معهد أمريكان إنتربرايز، ونائب مدير إدارة تطوير السياسات والمراجعة في صندوق النقد الدولي موقع «19 فورتي فايف»
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






